تحتفل دول العالم بأسبوع الحساسية العالمي لعام 2026 خلال الفترة من 21 إلى 27 يونيو، تحت شعار «الرعاية التحسسية رعاية أساسية»، في مناسبة تهدف إلى تعزيز الوعي بالأمراض التحسسية وأهمية التشخيص المبكر والعلاج المتخصص، وتحسين الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية للمرضى حول العالم.

تأتي هذه المناسبة في وقت تشهد فيه أمراض الحساسية ارتفاعاً مستمراً في معدلات انتشارها، لتصبح من أكثر الأمراض المزمنة تأثيراً على جودة الحياة والصحة العامة.يُعد الربو أحد أكثر الأمراض التنفسية المزمنة ارتباطاً بالحساسية، حيث يشترك معها في كثير من الآليات المناعية والمحفزات البيئية، ويصاحبها في نسبة كبيرة من المرضى.

تشير التقديرات الحديثة إلى أن مئات الملايين من الأشخاص يعانون من أمراض الحساسية، بينما يؤثر الربو على أكثر من 260 مليون شخص حول العالم، ويتسبب في عبء صحي واقتصادي كبير يمكن الحد منه بالتشخيص المبكر والعلاج المناسب. ورغم التقدم الكبير في وسائل التشخيص والعلاج،

لا يزال كثير من المرضى يعانون من أعراض متكررة ونوبات حادة تؤثر على الدراسة والعمل والنشاط البدني والنوم، وغالباً ما يرجع ذلك إلى نقص الوعي بطبيعة المرض، أو عدم الالتزام بالخطة العلاجية، أو التعرض المستمر للمحفزات البيئية.الحساسية: استجابة مناعية مفرطةتمثل الحساسية حالة يبالغ فيها جهاز المناعة في الاستجابة لمواد غير ضارة لدى معظم الناس؛ مثل غبار المنزل،

وحبوب اللقاح، ووبر الحيوانات، وبعض الأغذية أو الأدوية. فعندما يتعرض الشخص الحساس لهذه المواد،

يفرز الجسم أجساماً مضادة من نوع (IgE)، تؤدي إلى إطلاق مواد كيميائية أهمها الهيستامين، ما ينتج عنه ظهور أعراض مثل العطاس، وسيلان الأنف،

وحكة العينين، والطفح الجلدي، أو ضيق التنفس في بعض الحالات. تختلف مظاهر الحساسية من شخص إلى آخر؛ فقد تقتصر على التهاب الأنف التحسسي أو الأكزيما الجلدية،

بينما قد تتطور لدى البعض إلى تفاعلات شديدة تهدد الحياة، كما يحدث في حالات الحساسية المفرطة لبعض الأطعمة أو الأدوية أو لسعات الحشرات.الربو: التهاب مزمن في الشعب الهوائيةيُعرف الربو بأنه مرض التهابي مزمن يصيب الشعب الهوائية، ويؤدي إلى زيادة حساسيتها وتضيقها بصورة متكررة، مما يسبب أعراضاً متغيرة الشدة تشمل السعال المتكرر،

والصفير أثناء التنفس، والشعور بضيق أو ضغط في الصدر، وصعوبة التنفس خصوصاً أثناء الليل أو في الساعات الأولى من الصباح. يتميز الربو عن كثير من الأمراض التنفسية الأخرى بإمكانية السيطرة عليه بصورة فعالة لدى معظم المرضى عند الالتزام بالعلاج المناسب وتجنب المحفزات.

أثبتت الدراسات أن السيطرة الجيدة على المرض تمكن المصابين من ممارسة حياتهم الطبيعية ومزاولة الرياضة والعمل والدراسة دون قيود تذكر.يؤكد الخبراء أن الحساسية والربو يمثلان وجهين لمشكلة التهابية واحدة في كثير من الأحيان؛ فالتهاب الأنف التحسسي يعد من أكثر الأمراض المصاحبة للربو شيوعاً، كما أن نسبة كبيرة من مرضى الربو لديهم تاريخ مرضي للحساسية أو عوامل وراثية مرتبطة بها. إن العلاقة الوثيقة بين التهاب الأنف التحسسي والربو تعكسها مبادرة «التهاب الأنف التحسسي وتأثيره على الربو»، التي تنظر إلى الأنف والجيوب الأنفية والشعب الهوائية باعتبارها أجزاء مترابطة من جهاز تنفسي واحد يتأثر بالالتهاب التحسسي ذاته،

مما يؤكد مفهوم «المجرى الهوائي الواحد». ومن هنا، فإن علاج التهاب الأنف التحسسي بصورة فعالة لا يخفف الأعراض الأنفية فقط؛ بل قد يسهم أيضاً في تحسين السيطرة على الربو وتقليل النوبات التنفسية لدى بعض المرضى.لماذا تزداد معدلات الحساسية والربو؟شهدت العقود الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الإصابة بالحساسية والربو في كثير من دول العالم، وهو ما دفع الباحثين إلى دراسة العوامل المسؤولة عن هذا التزايد.

تشير الأدلة العلمية إلى وجود مجموعة من الأسباب المتداخلة تشمل التلوث البيئي، وازدياد التعرض للمواد الكيميائية، والتغيرات المناخية التي تؤثر في مواسم حبوب اللقاح، إضافة إلى التحولات في نمط الحياة الحديث.

تدعم بعض الدراسات ما يعرف بـ«فرضية النظافة»، التي تفترض أن انخفاض تعرض الأطفال للميكروبات الطبيعية في السنوات الأولى من العمر قد يؤثر في تطور الجهاز المناعي ويزيد احتمالية الإصابة بأمراض الحساسية لاحقاً. ورغم أن هذه الفرضية لا تفسر جميع الحالات، فإنها ما زالت تمثل أحد التفسيرات العلمية المهمة قيد الدراسة.

وفي منطقتنا العربية، تضاف عوامل أخرى مثل العواصف الترابية، وارتفاع درجات الحرارة، والتلوث الناتج عن الازدحام المروري وبعض الأنشطة الصناعية،

وهي عوامل قد تسهم في زيادة الأعراض لدى المرضى المعرضين للإصابة.ثورة علاجية حديثةشهد مجال علاج الحساسية والربو تطورات لافتة خلال العقد الأخير؛ فبعد أن كان التركيز ينحصر في السيطرة على الأعراض، أصبح من الممكن اليوم استهداف بعض المسارات المناعية المسببة للمرض بشكل أكثر دقة. لا تزال بخاخات الكورتيزون المستنشقة تمثل حجر الأساس في علاج الربو المستمر، حيث تعمل على تقليل الالتهاب داخل الشعب الهوائية والحد من النوبات الحادة.

توصي المبادئ الإرشادية الحديثة بعدم الاعتماد على بخاخات الإغاثة السريعة وحدها لدى كثير من المرضى؛ بل باستخدام استراتيجيات علاجية تحقق سيطرة أفضل على الالتهاب المزمن. أما في الحالات الشديدة، فقد ظهرت مجموعة من العلاجات البيولوجية المتقدمة؛ مثل أوماليزوماب، وميبوليزوماب،

ودوبيلوماب وغيرها، التي تستهدف جزيئات مناعية محددة مسؤولة عن الالتهاب التحسسي. أسهمت هذه العلاجات في تقليل عدد النوبات، وخفض الحاجة إلى الكورتيزون الفموي،

وتحسين جودة الحياة لدى المرضى الذين لم تكن العلاجات التقليدية كافية للسيطرة على مرضهم. كما يشهد العلاج المناعي للحساسية توسعاً ملحوظاً، حيث يتم تعريض المريض تدريجياً لكميات مدروسة من المادة المسببة للحساسية، بهدف إعادة تدريب الجهاز المناعي وتقليل شدة التفاعل التحسسي مع مرور الوقت.مفاهيم خاطئة وأهمية استشارة الطبيبلا يزال بعض المفاهيم الخاطئة يشكل عائقاً أمام السيطرة الفعالة على الحساسية والربو.

من أكثرها شيوعاً الاعتقاد بأن بخاخات الكورتيزون تسبب الإدمان أو تشكل خطراً عند استخدامها لفترات طويلة، بينما تؤكد الدراسات الحديثة أن الجرعات الموصى بها آمنة وفعالة، وأن مخاطر الربو غير المسيطر عليه تفوق بكثير أي آثار جانبية محتملة عند استخدامها تحت إشراف طبي. من الأخطاء الشائعة أيضاً التوقف عن العلاج بمجرد تحسن الأعراض؛ فالربو والحساسية من الأمراض المزمنة التي تتطلب متابعة منتظمة،

وغالباً ما يعكس اختفاء الأعراض نجاح الخطة العلاجية، وليس الشفاء الكامل من المرض. يعتقد بعض المرضى أن ممارسة الرياضة تضر بمريض الربو، في حين تؤكد التوصيات الحديثة أن النشاط البدني المنتظم مفيد لمعظم المرضى متى ما تمت السيطرة على المرض بصورة جيدة،

بل إن كثيراً من الرياضيين المحترفين يمارسون الرياضة التنافسية رغم إصابتهم بالربو. من المفاهيم غير الدقيقة كذلك أن الحساسية تصيب الأطفال فقط، أو أنها لا تظهر إلا في السنوات الأولى من العمر، بينما قد تظهر في أي مرحلة عمرية،

وقد تستمر أو تتغير طبيعتها مع مرور الوقت تبعاً لعوامل وراثية وبيئية متعددة. يخلط بعض الناس بين الحساسية الغذائية وعدم تحمل الطعام، رغم أن الحساسية تمثل استجابة مناعية قد تكون شديدة أو مهددة للحياة أحياناً، في حين أن عدم التحمل يرتبط غالباً بالجهاز الهضمي،

ولا ينطوي على تفاعل مناعي. ينبغي التأكيد على أن الحساسية والربو ليسا مرضين معديين، وإنما يرتبطان بعوامل مناعية ووراثية وبيئية، وأن السيطرة عليهما تعتمد على الالتزام بالعلاج وتجنب المثيرات المعروفة والمتابعة الدورية مع الطبيب.ينبغي عدم تجاهل الأعراض المتكررة مثل السعال الليلي،

أو الصفير أثناء التنفس، أو الحاجة المتكررة إلى بخاخ الإنقاذ، أو ضيق التنفس الذي يحد من النشاط اليومي. تستدعي بعض العلامات مراجعة الطبيب بصورة عاجلة؛ مثل ازدياد صعوبة التنفس،

أو عدم الاستجابة المعتادة للعلاج، أو تكرار نوبات الربو الحادة. كلما تم تشخيص المرض مبكراً ووُضعت خطة علاجية مناسبة، زادت فرص السيطرة على الأعراض وتقليل المضاعفات وتحسين جودة الحياة على المدى الطويل.يمثل أسبوع الحساسية العالمي فرصة مهمة لتعزيز الوعي المجتمعي بهذه الأمراض الشائعة،

والتأكيد على أن التقدم العلمي أتاح اليوم وسائل فعالة للوقاية والسيطرة والعلاج. ورغم الارتفاع العالمي في معدلات الإصابة بها، فإن معظم المرضى قادرون على التمتع بحياة طبيعية ومنتجة إذا تم التشخيص المبكر، والالتزام بالعلاج،

وتجنب المحفزات، والمتابعة المنتظمة مع الفريق الطبي. يتجدد مع أسبوع الحساسية العالمي في كل عام، التأكيد على أن الاستثمار في التوعية والتشخيص المبكر والعلاج الفعّال،

ليس خياراً صحياً فحسب؛ بل ضرورة لتحسين حياة ملايين المرضى حول العالم. فهذه الأمراض لم تعد حكماً بالمعاناة المستمرة؛ بل حالات يمكن السيطرة عليها بدرجة كبيرة عندما تتكامل المعرفة الطبية مع وعي المريض والتزامه. شعار أسبوع الحساسية العالمي