أعاد تقرير صدر عن القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) تحدّث عن زيادة قياسية في الأسلحة الصينية المتدفقة على الدول الأفريقية على غرار السودان، إلى الواجهة التساؤلات في شأن كيفية وصول هذه الأسلحة وتأثيرها في إطالة أمد الصراعات التي تعرفها القارة السمراء. وعلى رغم أن بكين تزعم أنها لا تنخرط بصورة مباشرة في المجال الأمني والدّفاعي بالقارة، فإنها أصبحت أكبر مزود لدول أفريقيا جنوب الصحراء بالسلاح إذ سلّمت بين 2019 و2023 نحو 21 دولة بشحنات كبيرة من الأسلحة.
وأعلنت الحكومة الصينية في أيلول (سبتمبر) من عام 2024 عن خطة لإنفاق 140 مليون دولار أميركي لتدريب 6000 من العسكريين في أفريقيا، ودشّنت شركة "نورينكو" الصينية العملاقة للصناعات الدفاعية مكتباً إقليمياً في داكار أخيراً، وهو رابع مكتبٍ لها في أفريقيا، واستغلت ذلك في زيادة مبيعاتها من المعدات العسكرية إلى بوركينا فاسو ومالي والنيجر.
ومن بين الأسلحة الصينية التي جرى الكشف عن تدفقها على الدول الأفريقية نجد قنابل من طراز "جي بي 50 إيه" ومدافع هاوتزر عيار 155 ملم من طرز "إيه إتش -4". غموض كبير وفي دول مثل السودان، لا تُعلن الصين عن دعمها طرفاً بعينه في وقت تستمر فيه جولات القتال بين قوات "الدعم السريع" والجيش. وتحدّث تقرير "أفريكوم" عن وصول الأسلحة الصينية إلى قوات "الدعم السريع" من دون تحديد المسارات التي سلكتها.
ورأى الباحث الأمني والسياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية، محمد أوال، أن "هناك غموضاً كبيراً حيال الطرق التي سلكتها الأسلحة الصينية في طريق وصولها إلى قوات ’الدعم السريع‘، لكن صحيفة ’لوموند‘ على سبيل المثال رجّحت أن تكون قد أتت من جمهورية أفريقيا الوسطى أو تشاد.
وفي كلّ الأحوال فإنّ استمرار وصول الأسلحة إلى السودان سواء كانت صينية أو غيرها يطيل أمد النزاع في هذا البلد". وتابع أوال في حديث خاص أن "تصاعد تدفق الأسلحة الصينية على دول مثل بوركينا فاسو والنيجر يمنح بكين دوراً لم تعتده القارة، إذ دأبت الحكومة الصينية على ضخّ استثمارات على مستوى البنية التحتية وغير ذلك من دون الانخراط في الصراعات، لكن الواضح أن هناك تحولاً يطبع الحضور الصيني في القارة".
ولفت إلى أنه "قبل أعوام، لجأت الصين إلى منح شركات أمنية خاصة تتبعها إمكانية النشاط في دول أفريقية محددة من أجل حماية استثماراتها من الهجمات، لكن الآن هناك نقلة حقيقية نحو لعب دور أمني". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) تغذية الصراعات وتشهد كثير من الدول الأفريقية أزمات أمنية حادة في ظل نشاط مُكثّف لجماعات متشددة على غرار "القاعدة" و"داعش" وسط انحسار للنفوذ الغربي مع طرد القوات الفرنسية وغيرها لا سيما من دول غرب القارة.
الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية محمد تورشين، عدّ أن "منظومة التسليح الأميركية مرتبطة بأبعاد سياسية وشروط صارمة، لذلك تلجأ الدول الأفريقية وبعض أطراف النزاع في القارة إلى الأسلحة الصينية والروسية الرخيصة والتي لا تخضع لشروط سياسية أو مرتبطة بالأنظمة الديمقراطية". وأردف تورشين في تصريح خاص أن "مخاوف الولايات المتحدة الأميركية لا تنبع من قلقها من إمكانية إطالة الأسلحة الصينية لأمد النزاعات في أفريقيا،
بل في اكتساح السوق الأفريقية لا سيما في ظلّ التنافس مع دول أخرى مثل روسيا". وقال "لذا أعتقد بأن هذه الأسلحة الصينية ستلعب أدواراً بلا شكّ في تغذية الصراعات شأنها في ذلك شأن الأسلحة الأميركية، والصين دائماً ما تبرر تدفق أسلحتها إلى دول أو أطراف أفريقية ببيعها إلى طرف ثان يقوم بدوره بتمرير هذه الأسلحة إلى طرف ثالث، لذلك هذا قد لا يعني أن بكين مورطة مباشرة في تزويد أطراف محددة بالأسلحة".
تأثير محتمل وتأتي هذه التطورات في وقتٍ أعلنت فيه بكين عن خطط عُدّت طموحة من أجل زيادة حجم استثماراتها، لكن انخراط أسلحتها في الصراعات الأفريقية يثير تساؤلات جديّة حول تأثير ذلك في صورة الصين لدى أفارقة سئموا النزاعات وتكلفتها الإنسانية والاقتصادية الضخمة. ويرى محمد أوال أنه "سواء كان تدفق الأسلحة الصينية بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى أطراف مُحددة في الدول الأفريقية، فإنه سيقود إلى التأثير في صورة الصين لدى المجتمعات المحلية التي قد تتهم بكين بتذكية الصراعات داخلها".
وأكد أن "هذا ينطوي على أخطار أخرى أيضاً لا يمكن إغفالها وهو أنّ هذا الدور قد يؤدي إلى صدام مع الحليف الروسي الذي قد لا يقبل بمنافسة من بكين في المجال الأمني والدفاعي، لا سيما مع التدخل الروسي المباشر في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وغينيا الاستوائية، فموسكو قامت بجهود كبيرة من أجل ذلك ولن تسمح بانهيار نفوذها الأمني". لكن محمد تورشين أفاد بأن "صورة بكين لن تتضرر من تدفق الأسلحة الصينية،
لأن هذه العملية تحصل في الأرجح عبر وسطاء يقومون باقتناء هذه الأسلحة ثم تزويد أطراف ثالثة بها، لذلك لا أعتقد أن بكين ستتحمل تبعات قانونية أو اقتصادية أو سياسية".