تجلس ميساء عمر البالغة من العمر 18 سنة داخل خيمتها في أحد معسكرات الإيواء بشمال دارفور، وهي مثقلة بالهموم تحمل بين يديها طفلها حديث الولادة، وتسأل نفسها بصوت منخفض: ما مصير هذا الطفل الذي جاء إلى الحياة وليس له أب يحمل اسمه. تقول عمر "أنجبت طفلي هذا بعد أن تعرضت للاعتداء الجنسي أثناء فراري من الفاشر عقب سيطرة قوات الدعم السريع عليها في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 برفقة أسرتي بحثاً عن الأمان،

حينها تم خطفي بواسطة جنود مسلحين، ومعي بعض الفتيات جرى احتجازنا لنحو شهرين". وتضيف "أخذونا إلى مبنى مهجور وكانوا يأتون بشكل يومي ليتناوبوا في اغتصابنا من دون رحمة، إلى أن مرضت وأدركوا أن مرضي نتيجة الحمل،

ما أجبرهم على تركنا لمواجهة واقع قاسٍ يبدأ برحلة العلاج والحصول على رعاية طبية شبه مستحيلة". ومضت قائلة "الآن أصبحت مسؤولة عن طفل لا أدري ما أفعل به، إذ لم أجتمع بأسرتي حتى الآن وبغيابهم فإن رحلتي مع المعاناة ستكون طويلة ولن تنتهي بعد أن أصبحت أمام أمر واقع، أحتضن طفلاً مجهول الأب،

والمؤلم أن الطفل الذي لا ذنب له سيواجه مرارة العار، فضلاً عن عدم الاعتراف الرسمي بهويته، وعدم تسجيله في سجل المواليد، على رغم أني ولدته بواسطة قابلة قانونية".

ثمن فادح بحسب العاملين في مجال العمل الإنساني، فإن قصة ميساء لم تكن استثنائية، وإنما واقع تعيشه آلاف النساء والفتيات اللاتي تعرضن للاغتصاب والعنف الجنسي أثناء الحرب المشتعلة بين الجيش وقوات "الدعم السريع"، بخاصة في إقليم دارفور.

تقول اعتماد الرشيد الناشطة النسوية والعاملة في المجال الإنساني إن "النساء والفتيات السودانيات دفعن ثمناً فادحاً في هذه الحرب اللعينة، وكن الأكثر عرضة للعنف، بما في ذلك العنف الجنسي القائم على النوع، ما أدى إلى ولادة أطفال مجهولي النسب".

وأوضحت أن "هناك جملة مشكلات واجهت النساء والفتيات اللاتي تعرضن للاغتصاب، تبدأ بالخطف ثم الاحتجاز والتناوب على اغتصابهن، علاوة على تسخيرهن للقيام بخدمة الجنود، ومن ثم تأتي المشكلة الأكبر الممثلة في الحمل والولادة،

وأقسى ما في الأمر عندما تكون الفتاة قاصراً وتصبح أماً تحتاج نفسها إلى رعاية، ما يجعلها في حيرة بشأن المولود لناحية عدم قدرتها على رعايته". غياب الوثائق الرسمية لا يعني حرمان الأطفال من حقهم في التعليم والتطعيمات (اندبندنت عربية- حسن حامد) وتابعت الرشيد "من المعلوم أن ولادة أطفال من دون أب معروف يصعب استخراج شهادة ميلاد له أو رقم وطني لإثبات هويتهم، إذ هناك شريحة واسعة ترفض الاعتراف به،

بينما في حال إقرار النساء والفتيات وأسرهن بهذا المولود وعدم الوقوف كثيراً عند الوصمة الاجتماعية أو العار، فإن ذلك يسهل إجراءات الاعتراف به رسمياً". وأشارت إلى أنه "من واقع عملي في المجال الإنساني كثرت ولادات الأطفال خارج الزواج مع اتساع رقعة الصراع سواء بسبب التعرض للانتهاكات أو بمحض إرادتهن نتيجة استغلالهن، لكن في كلتا الحالتين سيكون هناك جيل كامل بلا هوية وغير معترف بوجوده".

وزادت أن "المشكلة لا تقف عند الطفولة، بل عندما يكبر الأطفال ويصبح الأمر متعلقاً بمستقبلهم، وتكون هناك حاجة إلى التعليم الذي يبدأ من المرحلة المبكرة ثم المدرسة أو عند السفر أو استخراج المستندات الرسمية، لا سيما أن الاغتصاب لم يقف عند حدود إقليم دارفور،

وإنما عمقت الحرب المندلعة في البلاد لأكثر من ثلاثة سنوات، جرائم الاغتصاب التي طاولت السيدات على نطاق واسع أثناء النزوح والانفصال الأسري بواسطة جنود ينتمون إلى الدعم السريع". ونوهت الناشطة النسوية إلى أنه "من المؤسف أن غالبية من تعرضن للاغتصاب يفضلن الصمت وعدم الإبلاغ، بخاصة الفتيات دون سن الـ18،

إذ لا يملكن قرار الذهاب إلى المحاكم ويحتجن إلى مرافقة من يعولهن، وحينها يظل الطفل غير معترف به قانونياً". مخاوف وتنمر بينما ترى، رانيا عبد العاطي اختصاصية علم الاجتماع أن "أوضاع هؤلاء الأطفال المجهولة تدفع بهم إلى حال غير إنسانية،

ويتم التعامل معهم وكأنهم منبوذون وفي الأصل هم ضحايا لا ذنب لهم في ظل الظروف التي أدت إلى ولادتهم". وأشارت إلى أنه "بات من الضروري توفير الحماية القانونية والرعاية النفسية للأم والطفل معاً والتوجه بقوة نحو التبني والكفالة الأسرية التي توفر الأمان النفسي والتربوي وإثبات حقوقهم القانونية". القانون السوداني يمنح الأطفال مجهولي الأب الحق الكامل في التسجيل واستخراج الأوراق الرسمية مثل شهادة الميلاد والرقم الوطني بناءً على بيانات الأم أو عبر الدولة الممثلة في وزارة الرعاية الاجتماعية لحمايتهم من العيش بلا هوية، لكن تراجع الخدمات بسبب تدمير البنية التحتية أثناء الحرب،

بخاصة في إقليم دارفور وفي المناطق التي شهدت نزاعاً نشطاً، أدى إلى غياب الحقوق، والإسهام في فجوة بين النص القانوني والتطبيق الفعلي. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وقبل صدور قانون الطفل لعام 2010 كان الإطار القانوني المتعلق بالأطفال في السودان عبارة عن خلط من قانون الطفل لعام 1993،

وقانون الأحوال الشخصية لعام 1991، وقانون الجنسية لعام 1994. ثم جاء التشريع عام 2010 خصيصاً لمعالجة فجوات الحماية والتوجهات التمييزية القاسية التي كانت تتضمنها تلك القوانين السابقة. على صعيد متصل،

أشارت المحامية السودانية سعدية عبد الرحمن إلى أن "القانون لم يحرم الأطفال مجهولي الأب من الحق في السجلات الرسمية حتى لو كان المولود خارج إطار الزواج، إذ إن قانون الطفل لعام 2010 يقر بحق الطفل في استخراج شهادة الميلاد عبر الأم لإثبات هويته". ولفتت عبد الرحمن إلى أن "القانون الحالي في مثل هذه الظروف الاستثنائية التي أدت إلى ارتفاع معدلات الأطفال مجهولي الأب بسبب تعرض النساء والفتيات إلى جرائم العنف الجنسي، بما في ذلك الإغتصاب يعتبر الأفضل،

إذ يعالج كل ما يتعلق بالأطفال غير الشرعيين، فأصبح لهم حق إثبات هويتهم في استخراج الوثائق القانونية". وواصلت أن "إجراءات التسجيل في الغالب تتم عبر تقديم الأم بلاغاً يتضمن تعرضها للاعتداء الجنسي، ثم التوجه إلى الرعاية الاجتماعية لتسجيل الواقعة،

وبعدها تحال البيانات إلى السجل المدني، حيث يسجل الطفل باسم الأم ويمنح اسماً رباعياً وفق الإجراءات القانونية". وتستدرك قائلة "الأمر في سياق الحرب مختلف تماماً، بخاصة في المناطق التي لا تزال تشهد اشتباكات عسكرية،

مما أدى إلى انهيار الخدمات المدنية وتعطل مكاتب السجل المدني، وبالتالي تسبب في وجود آلاف الاطفال بلا إثبات هوية". وأوضحت المحامية السودانية أن "غياب الوثائق الرسمية لا يعني حرمان الأطفال من حقهم في التعليم والتطعيمات، لذلك تقتضي الضرورة تفعيل السجل المدني في المناطق الآمنة التي بالإمكان الوصول إليها لضمان حصول الأطفال على الاعتراف القانوني بهم وإثبات هويتهم،

إذ إن غيابهم من دفاتر الدولة يمثل تهديداً مباشراً لمستقبل جيل لا يحصل على أبسط الحقوق".