شهدت المواجهات المسلحة بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوات "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"، منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، توسعاً داخلياً بعد أعوام قليلة من "اتفاق بريتوريا" الموقّع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، الذي أنهى الحرب المندلعة منذ عام 2020،
وشنت قوات تيغراي هجمات على مواقع عسكرية واستولت على مطارات في الإقليم، وشهدت تحركات لمجموعات مسلحة من إقليمي أمهرة وعفر، ولكن القوات الفيدرالية الإثيوبية، مدعومة بقوات أخرى من تيغراي موالية للحكومة،
استعادت السيطرة وتقدمت حتى دخلت إلى ميكيلي، عاصمة الإقليم، أوائل أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، وأعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في الـ16 من الشهر نفسه تشكيل إدارة انتقالية لتيغراي مدة ستة أشهر.
والتوسع الأكثر إثارة هنا هو تحرك النزاع نحو الحدود مع إريتريا، بعد اتهام أديس أبابا القوات الإريترية بالتوغل داخل الأراضي الإثيوبية مسافة تصل إلى 60 كيلومتراً في بعض المناطق من تيغراي، وبمساندة جبهة تيغراي، وقد اتهم رئيس هيئة الأركان الإثيوبية،
المشير برهانو غولا، إريتريا والسودان ومصر بدعم القوى المسلحة المعارضة للحكومة الإثيوبية، وقال إن "جبهة تيغراي" وحلفاءها لا يستطيعون تحقيق مكاسب عسكرية من دون دعم خارجي. ونفت الدول الثلاث هذه الاتهامات،
وردت إريتريا على اتهامات وإبلاغ إثيوبيا مجلس الأمن بما وصفته انتهاكاً لسيادتها، بطلب تدخل المجلس، متهمة أديس أبابا بالبحث عن سبب لمهاجمتها، بينما ورد وقوع انفجارات وضربات جوية يعتقد أنها استهدفت مواقع أو قوات إريترية قرب مدينة أديغرات،
ثم ورد انسحاب القوات الإريترية من بعض المواقع وعودتها عبر منطقة زالامبيسا لداخل البلاد. أما السودان المندلعة داخله حرباً منذ عام 2023 بين الجيش وقوات "الدعم السريع"، ويتأثر خارجياً بتداعيات الحرب الإثيوبية، فقد وصف اتهامات أديس أبابا بأنها باطلة،
واتهمها في المقابل بتدريب وتسليح قوات "الدعم السريع" داخل أراضيها في إقليم بني شنقول- قمز، وقد خلقت الحرب الإثيوبية، ثم التوتر الإثيوبي- الإريتري، حزاماً نارياً يطوق الحدود الشرقية للسودان،
ضمن محور مؤهل لمزيد من التوسع بالتحام الصراعات في القرن الأفريقي. دعم متبادل تحررت إريتريا من الحكم الاستعماري الإيطالي عام 1941، ودخلت في اتحاد فيدرالي مع إثيوبيا التي اعترفت بريطانيا بسيادتها خلال الحرب العالمية الثانية، وجاء دمج إريتريا ضمن نظام فيدرالي نتيجة لانقسام في صفوف سكانها،
إذ سعى المسلمون إلى تحقيق استقلال كامل لدولة إريترية، بينما دعا المسيحيون الأرثوذكس إلى ضم إريتريا إلى إثيوبيا، التي كانت آنذاك تحت حكم ملكي مسيحي أرثوذكسي بقيادة هيلا سيلاسي، فجرى الاتحاد على هذا الأساس.
واندلعت الثورة الإريترية في منطقة القاش- بركة في سبتمبر 1961، وفي تلك الأثناء برز اسم أسياس أفورقي الذي أسس مع ملس زيناوي حركة "وياني تيغراي الثانية"، وهي النواة التي تشكلت منها لاحقاً "جبهة تحرير شعب تيغراي"، ثم دخلت "جبهة التحرير الإريترية" الساحة السياسية عام 1981،
بدعم منها، وعقب الإطاحة بنظام منغستو هيلا مريام في الـ21 من مايو (أيار) 1991، نالت إريتريا استقلالها في الـ24 من الشهر ذاته، وقد اقترن ذلك بشروط عدة منها،
استمرار إثيوبيا في استخدام الموانئ الإريترية على البحر الأحمر، عصب ومصوع، كبوابات بحرية لتجارتها الدولية، وبعد تولي أفورقي رئاسة إريتريا عام 1993،
نشبت خلافات بينه وبين زيناوي، إذ طالبت إريتريا بترسيم الحدود بين الدولتين، كذلك ظهرت خلافات حول الرسوم المفروضة على استخدام إثيوبيا للموانئ الإريترية، إضافة إلى قضايا تتعلق بالتجارة عبر الحدود.
أسفرت الحرب الحدودية بين إثيوبيا وإريتريا، التي دارت رحاها بين عامي 1998 و2000، عن مقتل ما بين 70 ألفاً و 100 ألف شخص (اندبندنت عربية - حسن حامد) وفي ظل هذه التطورات، كان السودان يشهد أحداثاً على طول حدوده الشرقية،
فخلال ثمانينيات القرن الـ 20، أعيد توطين مجموعات إثنية من أمهرة الذين نزحوا من منطقة وولو في إقليم بني شنقول- قوموز عقب موجة جفاف حادة، ويمتد الوجود التاريخي لمجموعتي قوموز وشينشا على جانبي الحدود بين غرب إثيوبيا وجنوب شرقي السودان، ولا سيما في محيط النيل الأزرق.
وخلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الـ 20، تلقت "الحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان" دعماً من حكومات إثيوبية متعاقبة، كانت على خلاف مع الأنظمة المتعاقبة في السودان، وفي الوقت ذاته،
سعت مجتمعات قوموز وبني شنقول في إثيوبيا إلى إيجاد حلفاء داخل الأنظمة السودانية المتعاقبة لدعم "حركة تحرير شعب بني شنقول"، ورأت في ذلك وسيلة لإنهاء تهميشها السياسي داخل إثيوبيا. وعقب عام 1991، أدت السياسات القائمة على أسس إثنية،
التي طبقتها حكومة أديس أبابا بقيادة "الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية" التي يهيمن عليها تيغراي، إلى تفاقم التوترات بين شعبي قوموز وشينشا الأصليين من جهة، وأمهرة الذين وصلوا إلى المنطقة في وقت لاحق من جهة أخرى، وقد اتهمت السلطات الإثيوبية السودان بتقديم الدعم لجماعات مسلحة تنتمي إلى "إثنية قوموز".
معضلة المنفذ على رغم أن الحرب في إقليم تيغراي تبدو القضية المحورية في الصراع الإثيوبي- الإريتري، لكن هناك مسألة أعمق تكمن في الخلفية، وهي قضية البحر الأحمر، فمنذ استقلال إريتريا عام 1993،
أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة، واعتمدت على موانئ الدول المجاورة، وأبرزها جيبوتي، لتسيير الجزء الأكبر من تجارتها البحرية،
وقد أسفرت الحرب الحدودية بين إثيوبيا وإريتريا التي دارت رحاها بين عامي 1998 و2000، عن مقتل ما بين 70 ألفاً و 100 ألف شخص، وفي الوقت ذاته، ظل تنفيذ قرار "لجنة الحدود بين إريتريا وإثيوبيا"،
الصادر عام 2002 متعثراً، على رغم تأكيد اللجنة أن ترسيمها للحدود نهائي وملزم، ونتيجة لذلك ظلت مسألة السيادة على المناطق الحدودية، بما في ذلك محيط بادمي ومنطقتي إيروب وزالامبيسا،
مصدراً للتوتر السياسي والاجتماعي، وفي يوليو (تموز) 2018، أعلن البلدان إنهاء حال الحرب والالتزام بتنفيذ قرار ترسيم الحدود، ولكن العلاقات تدهورت لاحقاً مع تصاعد التوترات في شأن وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر،
وتحديداً عبر ميناء عصب الإريتري. ولا تزال هذه المناطق الحدودية مسألة حساسة، لارتباطها الوثيق بالذاكرة السياسية لـ "جبهة تحرير شعب تيغراي" وبالخلافات المستمرة حول الحدود الإدارية والسيادة الإقليمية، وتحمل هذه التطورات أهمية مباشرة،
فخلال الأعوام الأخيرة، برزت مسألة الوصول إلى البحر كأولوية إستراتيجية رئيسة في خطاب آبي أحمد، وفي سبتمبر الماضي كشفت وزارة الخارجية الإثيوبية أن رسالة من أديس أبابا إلى أسمرة، أرسلت في فبراير (شباط) الماضي مطالبة بانسحاب القوات الإريترية من الأراضي الإثيوبية،
تركت الباب مفتوحاً أمام مفاوضات حول "جميع القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما في ذلك الشؤون البحرية والوصول إلى البحر الأحمر عبر ميناء عصب". وفي المقابل، ترى أسمرة أن حديث إثيوبيا المستمر عن "الحق في الوصول إلى البحر" قد يتحول من مطلب اقتصادي إلى مطلب سياسي وأمني ينتهك السيادة الإريترية،
إذ تكمن المعضلة الجوهرية في أن إثيوبيا بحاجة إلى منفذ بحري، بينما تسيطر إريتريا على الشريط الساحلي، ومع تفاقم الأزمة الداخلية في إثيوبيا، تتزايد أهمية البحر في حسابات القيادة الإثيوبية،
وفي الوقت ذاته، فكلما نظرت إريتريا إلى هذه الحاجة على أنها شكل من أشكال الضغط على سيادتها، زاد ميلها لعد الموقف تهديداً وجودياً. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) صراع موحد وبالنسبة إلى السودان الذي يتشارك حدوداً برية مع كلا البلدين،
ويمتلك ساحلاً على البحر الأحمر يضم موانئ عدة، فلا يعد بمنأى عن هذه المعادلة، فاندلاع مواجهة بين إثيوبيا وإريتريا قد يضع حدوده الشرقية أمام ضغوط أمنية جديدة، ويزيد احتمالات تدفق الأسلحة والمقاتلين واللاجئين،
وقد يؤدي إلى زيادة تشابك التحالفات الإقليمية مع الحرب الدائرة في الداخل. وقد حذّر مراقبون من أن التوترات في إقليم تيغراي، مقترنة بطموحات إثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر، قد تتقاطع مع الصراع في السودان،
وقد لا تقتصر الأخطار التي تواجه السودان على احتمال نشوب حرب بين جيرانه وحسب، بل تشمل أيضاً إمكان تحول منطقة البحر الأحمر والحدود الشرقية إلى امتداد للصراع السوداني ذاته. ويمكن أن تعرّض المواجهة بين إثيوبيا وإريتريا السودان لضغوط متضاربة، فمن ناحية قد تدفع المخاوف من النفوذ الإثيوبي،
وما قد يرافقه من تنسيق محتمل بين أديس أبابا وقوات "الدعم السريع"، بالخرطوم إلى تعميق تعاونها الأمني مع أسمرة، ومن ناحية أخرى فإن الدخول في مواجهة إقليمية قد يؤدي إلى استنزاف القدرات العسكرية السودانية، في وقت لا تزال فيه الجبهات الداخلية مشتعلة.
وفي حال تصاعد الصراع الإثيوبي - الإريتري ليتحول إلى مواجهة مباشرة وواسعة النطاق، فقد تسعى الأطراف المتحاربة إلى استغلال الأراضي السودانية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لتأمين الإمدادات،
أو تسهيل العمليات اللوجستية، وفضلاً عن ذلك قد تنشط جماعات مسلحة محلية شرق السودان، مدفوعة بانتماءاتها السياسية أو تداخلاتها الإثنية. ومن المرجح أن تؤدي هذه الديناميكية إلى إطلاق حلقة من التصعيد المتبادل،
إذ لم يعد الدعم الذي يقدمه كل طرف لحلفائه المحتملين مجرد أداة في سياق الحرب السودانية أو الصراع الإثيوبي، بل تحول إلى وسيلة للردع والانتقام وتغيير موازين القوى عبر الحدود، ويحذّر تحليل نشرته منصة "ذا نيو هيومانيترين" في الـ23 من مارس (آذار) الماضي، من احتمال نشوء "نظام صراع موحد"،
إذ تتشابك الحرب في السودان مع المواجهة القائمة بين إثيوبيا وإريتريا، مما يجعل احتواء إحدى الأزمتين أمراً بالغ الصعوبة، من دون معالجة روابطها بالأخرى. سيناريوهات محتملة يتجسد احتمال ترابط الصراعات المنفصلة،
في امتدادها بين السودان وإثيوبيا عبر الحدود المشتركة، بينما قد يتوسع الصراع في إثيوبيا ليصل إلى إريتريا عبر إقليم تيغراي، وبدورها ترتبط إريتريا بالبحر الأحمر الذي يتصل بدوره بحرب اليمن، وهكذا يمكن أن تتحول المنطقة بأكملها إلى سلسلة أمنية واحدة،
إذ يؤدي انفجار في إحدى حلقاتها إلى زيادة الضغط على الحلقات الأخرى، وهي ديناميكية تميز الأزمة الراهنة عن أزمات الماضي، ومع أن اندلاع حرب إقليمية أصبح أمراً حتمياً، لكن المنطقة لا تزال تقف عند مفترق طرق،
إذ إن العوامل التي تسير في مسار محدد مسبقاً نحو الحرب، قد تؤدي دوراً آخر في حسمها. وقد يؤدي السيناريو الأول إلى احتواء الأزمة من خلال "الاتحاد الأفريقي" وجهود الوساطة الإقليمية، أما السيناريو الثاني فقد يفضي إلى حرب بالوكالة تمتد عبر السودان وتيغراي والحدود الشرقية لإثيوبيا،
بينما يتمثل السيناريو الثالث في تصاعد الصراع على النفوذ والوصول إلى البحر، ليتحول إلى مواجهة مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا، وهذا من شأنه أن يقحم السودان في حسابات أمنية جديدة، حيث يصبح البحر الأحمر مسرحاً أوسع للأحداث،
وهو احتمال تعززه التطورات الأخيرة في اليمن. وفي هذه الحال، لن يكون الصراع مجرد حرب بين دولتين، بل معركة على الجغرافيا ذاتها،
على الموانئ والحدود والممرات البحرية والموارد والتحالفات، مما سيحدد مدى القدرة على إعادة رسم الخريطة الأمنية لمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ولعل أهم ما في التصعيد الحالي ليس مجرد قطع العلاقات الدبلوماسية بين إثيوبيا وإريتريا، بل وقوع هذا الانقسام السياسي في لحظة تتقلص فيها الفجوة بين الأزمات الداخلية والحروب الإقليمية بصورة كبيرة،
وفي المرحلة المقبلة، قد يصبح الشاغل الرئيس هو تعدد جبهات القتال في أنحاء القرن الأفريقي، فإذا تورطت كل الأطراف في هذه الصراعات، سواء بالمشاركة المباشرة أو بالتأثر بتداعياتها،
فقد لا يتبقى أحد لإخماد النار أو منع الوضع من الخروج تماماً عن السيطرة.