اتسمت العمليات العسكرية في السودان بـتصعيد واسع النطاق لحرب الطائرات المسيرة، واستهداف للبنية التحتية للطاقة، مما أدى إلى دخول مناطق واسعة في أزمة خدمات معقدة، ما يعني انتقال الصراع نحو مرحلة كسر عظم،
إذ يحاول الجيش خنق خطوط إمداد "الدعم السريع" جواً وبراً، بينما تلجأ الأخيرة إلى إستراتيجية حرب الاستنزاف المكثفة باستخدام سلاح المسيرات لضرب العمق الخدمي والاقتصادي للولايات الخاضعة لسيطرة الجيش. وتزامنت هذه الهجمات مع إدانات أممية واسعة لتصاعد نمط الضربات الجوية الانتقامية بأسلحة بعيدة المدى والمسيرات التي أصبحت تستهدف المنشآت المدنية الحيوية بصورة مباشرة. انفجارات قوية وبحسب مصادر ميدانية،
نفذت قوات "الدعم السريع" هجوماً واسعاً باستخدام الطائرات المسيرة استهدف خمس محطات تحويلية وتوليد رئيسة لنقل الكهرباء في مناطق سنجة، والفاو، والحواتة، ومشكور،
والجنيد، أسفرت عن أضرار بالغة وأدت إلى انقطاع التيار الكهربائي بصورة كاملة عن أربع ولايات هي: سنار، والقضارف، والنيل الأبيض،
والجزيرة، وسط تحذيرات رسمية من تهديد استقرار الشبكة القومية بأكملها. وأفادت مصادر عسكرية مقربة من الجيش بأن المسيرات التي استهدفت محطات الكهرباء في مناطق شرق السودان، الجنيد والحواتة والفاو،
انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية المتاخمة. وقالت شركة كهرباء السودان القابضة إن "الهجمات المسيرة أدت إلى إصابة شخصين ووقوع أضرار كبيرة وانقطاع التيار الكهربائي عن مناطق واسعة"، مشيرة إلى أنها استنفرت فرقها الفنية والهندسية لحصر الأضرار والبدء في أعمال الصيانة وإعادة التيار. وأشار مواطنون من مدن عدة إلى سماع دوي انفجارات قوية،
بالتزامن مع انقطاع الكهرباء في المناطق التي تعرضت للقصف. ودانت مجموعة "محامو الطوارئ" في بيان هذه الهجمات قائلة إنها "تأتي امتداداً لست هجمات سابقة استهدفت محطات كهرباء خلال أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، شملت الدبة ومروي وعطبرة والرصيرص وتندلتي والفاو"، محذرة من تداعيات استهداف البنية التحتية للكهرباء على تشغيل المرافق الصحية ومصادر المياه والخدمات الأساسية،
وحمَّلت المجموعة "الدعم السريع" مسؤولية الهجمات، عادَّةً أنها فاقمت معاناة المدنيين في المناطق المتضررة. وهذه هي المرة الثانية خلال أقل من أسبوع تستهدف طائرات مسيرة تابعة للجماعة محطات للكهرباء، حيث طاولت النيل الأبيض،
فضلاً عن محطة توليد كهرباء خزان ستيت قبل أن يتمكن الجيش من إسقاط أربع مسيرات الأسبوع الماضي، وهو ما وصفته الحكومة السودانية بأنه "نهج ممنهج لتدمير البنية التحتية". وكانت محطة كهرباء الفاو التحويلية قد تعرضت لهجمات مماثلة خلال الفترة الماضية، كان آخرها في يونيو (حزيران) الماضي،
حيث تسببت مسيرة في خروج المحطة عن الخدمة ساعات قبل أن تتمكن فرق الصيانة من إعادتها، واستهدفت مسيرات تابعة لـ"الدعم السريع"، في الأشهر الماضية، محطات كهرباء في كل من عطبرة ومروي وسنار وأم دباكر،
إضافة إلى مستودعات الوقود في بورتسودان والجيلي، ما أدى إلى انقطاعات واسعة للكهرباء وتفاقم أزمة الوقود. غارات مكثفة في الموازاة، شن طيران الجيش المسير سلسلة غارات جوية على مواقع وتحصينات "الدعم السريع" داخل مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور والتي تمثل مقر تحالف السودان التأسيسي الذي تتزعمه الجماعة،
ما أسفر عن مقتل عدد من أفراد تلك القوات، وطاولت عمليات القصف سوق المواشي ومنطقة المصانع، إضافة إلى مقرات تتخذها "الدعم السريع" مراكز لقيادتها وتجمعاتها في أمانة الحكومة، ومقر الفرقة 16 - مشاة،
وفق مصادر ميدانية أفادت ايضاً بسماع دوي انفجارات عنيفة متتالية شمال وشرق المدينة باتجاه المعسكرات والمقرات المفتوحة التي تتخذها الجماعة كقواعد لإدارة عملياتها، لافتة إلى أن عمليات القصف أحدثت حالاً من الرعب والارتباك السريع بين عناصر الجماعة. من جهته، قال الناطق باسم قوات العمل الخاص التابعة للجيش محمد ديدان إن مدينة نيالا شهدت تحليقاً مكثفاً للمقاتلات الحربية والطائرات المسيرة الاستراتيجية مؤكداً أن ما تم من ضربات أشبه بالجحيم،
وبيَّن ديدان أنه تم حتى الآن تحييد ستة أهداف داخل هذه المدينة، مضيفاً "الضربات الجوية كانت نوعية ومتصاعدة تعكس التفوق الاستخباراتي والقدرة الدقيقة على استهداف تحركات العدو". وبحسب ما أفاد مصدر طبي وشهود وكالة "الصحافة الفرنسية" اليوم الثلاثاء، أسفرت ضربة بمسيرة مساء أمس على سوق في نيالا عن مقتل 21 شخصاً وإصابة 40،
ولم يتمكن أحد عناصر الفرق الطبية في مستشفى نيالا من تحديد عدد مسلحي "الدعم السريع" بين الضحايا. شبح الخوف في السياق، أشارت منظمة العفو الدولية إلى وجود أقل من 70 ألف شخص في مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور حالياً، مقارنة بعدد المواطنين قبل الحرب حيث كان يصل عددهم إلى قرابة مليون نسمة،
وأوضحت المنظمة، في الذكرى الأولى لسقوط الفاشر بيد "الدعم السريع"، أن المساعدات الإنسانية تصل إلى المدينة بصورة محدودة، ويتعرض العاملون الإنسانيون والمدنيون لمراقبة دائمة من قوات الجماعة.
وبينت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية أنييس كالامار "أن ادعاءات 'الدعم السريع' بأن الفاشر باتت آمنة لعودة المدنيين إليها بعد المجازر المروعة التي شهدتها المدينة قبل عام هي أبعد ما تكون عن الحقيقة"، لافتة إلى أن شبح الخوف يخيِّم بظلاله الكثيفة على الفاشر اليوم، "فالرجال والنساء يخضعون لمراقبة دائمة من قوات الدعم السريع، وهم معرضون باستمرار لخطر الاحتجاز والتعذيب والقتل"،
وطالبت المنظمة بالإفراج فوراً عن المحتجزين في الفاشر، وشددت على ضرورة وضع حد لحالات التعذيب والقتل غير المشروع، إلى جانب العمل القسري. وسيطرت "الدعم السريع" على مدينة الفاشر في الـ26 من أكتوبر عام 2025،
وتُتهم هذه القوات بارتكاب جرائم ضد المدنيين، بما في ذلك جرائم ترتقي لدرجة الإبادة الجماعية وفقاً لتوصيف الأمم المتحدة. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) عقوبات جديدة إلى ذلك، فرضت المملكة المتحدة عقوبات على 15 من كبار قادة الجيش وقوات "الدعم السريع"،
للاشتباه في ضلوعهم في ارتكاب فظائع أثناء حصار وسقوط مدينة الفاشر، من بينها العنف الجنسي المرتبط بالنزاع. وأشارت وزارة الخارجية البريطانية، في بيان،
إلى أن العقوبات تشمل منع المشمولين بها من السفر إلى المملكة المتحدة وتجميد أرصدتهم، وأنها تهدف إلى ضمان كشف الأهوال التي وقعت في الفاشر ليعرفها العالم، وأفاد البيان بأن من بين المشمولين بالعقوبات حسين أبو جلك، وهو عقيد في "الدعم السريع" مرتبط بفظائع ارتكبت أثناء حصار الفاشر،
والنور أحمد آدم "القبة" الذي يُشار إلى تواجده ودوره البارز في حصار مدينة الفاشر والهجوم عليها، وفي أبريل (نيسان) الماضي انشق "القبة" عن "الدعم السريع" بعد خلافات مع قادتها ليعلن انضمامه للجيش مغادراً مواقع نفوذه في شمال دارفور. كما شملت القائمة العميد علي رزق الله "السافنا"، القائد الميداني السابق في "الدعم السريع" الذي انشق عن تلك القوات وانضم إلى الجيش أخيراً.
وقال وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند إن الحرب في السودان تسببت في كارثة إنسانية، مشيراً إلى أن التحقيقات التي موّلتها بلاده أظهرت استمرار استخدام الاغتصاب والتجويع كسلاح ضد السودانيين، بعد عام على الفظائع التي شهدتها الفاشر. توتر ونزوح في الوقت نفسه،
يشهد إقليم كردفان تصعيداً عسكرياً مستمراً يتمثل في ضربات جوية وهجمات بالمسيرات يشنها الجيش ضد تجمعات ومخازن عتاد تابعة لقوات "الدعم السريع" في مدن ومحاور مختلفة من الإقليم، في سياق سعي الجيش لتوسيع سيطرته الميدانية وتأمين خطوط الإمداد. وتأتي هذه الخطوات بعد التقدم الذي حققه الجيش أخيراً في محاور شمال كردفان وسيطرته على مناطق إستراتيجية مثل سودري، حيث يعيد الأخير تموضع وانتشار قواته استعداداً لمراحل قتالية جديدة.
وسط هذه الأجواء، تتواصل المعاناة الإنسانية وحركات النزوح للمدنيين من مناطق الاشتعال والتوتر داخل مدن الإقليم، وسط تحذيرات أممية مستمرة من تدهور الأوضاع الغذائية والمعيشية. وتشهد جبهة إقليم النيل الأزرق حالاً من التوتر والهدوء الحذر مع استمرار الاستعدادات الأمنية ونشر التعزيزات العسكرية،
عقب موجة من التصعيد والمواجهات المتقطعة، وتسعى "الدعم السريع" لمحاولة التقدم في بعض اتجاهات الاقليم، وسط تقارير عن موجات نزوح وتحذيرات مستمرة للمدنيين من تداعيات استمرار المواجهات وتداخل العمليات العسكرية مع الأوضاع الإنسانية. حراك عربي دبلوماسياً،
شهدت العاصمة الخرطوم حراكاً عربياً متمثلاً في زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي لتأكيد دعم الجامعة لوحدة السودان ومؤسساته الوطنية ورفض أي هياكل موازية للدولة، تزامناً مع مقترحات أميركية جديدة لهدن إنسانية موقتة تُختبر بها فرص السلام المتاحة. وقال فهمي، عقب لقائه رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان،
إن السودان يمثل أهمية خاصة في الوطن العربي، مشيراً إلى أدواره المشهودة في دعم القضايا العربية ونصرتها، ومشدداً على التزام الجامعة العربية بمساندته في الحفاظ على سيادته ووحدة أراضيه ودعم مؤسساته الوطنية، وأفاد بأن زيارته تعكس اهتمام العالم العربي بالقضية السودانية وضرورة معالجتها،
مؤكداً التزام الجامعة العربية بحماية مصالح السودان، في إطار القرارات الصادرة عن المجالس الوزارية العربية، سواء على المستوى الوزاري أو على مستوى القمة، وبين الأمين العام لجامعة الدول العربية أنه سيواصل حواراته ولقاءاته مع المسؤولين السودانيين ولجنة تهيئة الحوار السوداني،
مؤكداً انفتاحه على الاستماع إلى رؤاهم ومقترحاتهم في شأن سبل إرساء السلام واستعادة الأوضاع في السودان. وسبق أن كثفت جامعة الدول العربية تحركاتها الدبلوماسية لتنسيق المبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان، حيث استضافت في وقت سابق اجتماعات تشاورية بمشاركة أطراف ومنظمات دولية وإقليمية، بهدف توحيد جهود الوساطة ودعم مساعي وقف القتال،
إلى جانب تهيئة الظروف لإطلاق عملية سياسية شاملة بقيادة سودانية. 31 دولة تحذر من خطر المجاعة أصدرت وزارة الخارجية الأميركية أمس الإثنين، بياناً مشتركاً وقعت عليه 30 دولة أخرى، يؤكد الضرورة الملحة للتصدي لـ"التدهور الخطر" في الأمن الغذائي في السودان في ظل الحرب في هذا البلد.
وأدت الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023 إلى مقتل أكثر من 200 ألف شخص وتهجير ما يزيد على 13 مليون شخص، متسببة بأخطر أزمة جوع ونزوح في العالم، وفق جهات عاملة في المجال الإنساني. وجاء في البيان أن "خطر المجاعة خلال الأشهر المقبلة طبقاً لما حذر منه التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي،
يتطلب تحركاً عاجلاً"، مؤكداً "لا يمكن إضاعة الوقت إن أردنا إنقاذ أرواح ومنع حصول مجاعة". وأشار البيان إلى أن أكثر من 40 في المئة من سكان البلد، أي ما يقدر بـ19.5 مليون نسمة،
يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما يواجه 5 ملايين منهم مستويات طارئة. وحذر البيان من أنه "إذا لم يتم اتخاذ تدابير فورية لعكس المسار الحالي، فإن عدد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد قد يتخطى المستوى المتوقع البالغ 825 ألفاً"،
مشيراً إلى أنه من المتوقع أن يتضاعف عدد المناطق التي تواجه انعداماً للأمن الغذائي في السودان. ودعت الدول الموقعة الـ31 طرفي النزاع إلى "إزالة كل العراقيل أمام المساعدات الإنسانية وإتاحة وتيسير وصول إنساني كامل وآمن وسريع وبلا عوائق، وحماية العاملين الإنسانيين". وحمل البيان الذي أصدرته الولايات المتحدة توقيع أستراليا والنمسا وبلجيكا وبلغاريا وكندا وكرواتيا وقبرص والجمهورية التشيكية والدنمارك وإستونيا وفنلندا وفرنسا وألمانيا وإيرلندا وإيطاليا والمجر ولاتفيا ولوكسمبورغ ومالطا وهولندا والنرويج وبولندا والبرتغال ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا وإسبانيا والسويد وسويسرا والمملكة المتحدة.