وسط تفاقم الأزمات في مراكز الرعاية الأولية في السودان، بدأ أطباء الأسرة والكوادر الصحية العاملين في هذه المراكز بولاية الخرطوم إضراباً متدرجاً احتجاجاً على تدهور الأوضاع الوظيفية والمالية وتوقف صرف المرتبات والحوافز لمدة طويلة، وهو ما اعتبرته "شبكة أطباء السودان" حقاً مشروعاً، وانتقدت تجاهل وزارة الصحة والجهات المسؤولة في التعامل بجدية مع مطالب العاملين،

في وقت حذرت تقارير من أن استمرار الإضراب يهدد بانهيار أكبر لخدمات الرعاية الصحية الأساسية في ظل ظروف الحرب الدائرة في البلاد أكثر من 42 شهراً. وتتمثل تداعيات هذا الإضراب في تفاقم معاناة المرضى وانهيار خدمة الوصول إلى العلاج، بحرمان مئات آلاف المواطنين من نقاط الاتصال الأساسية والرعاية الطبية الأولية، ما يدفعهم لمواجهة أخطار صحية قاسية في ظل الارتفاع الجنوني لأسعار الأدوية وتدهور الأوضاع الاقتصادية،

فضلاً عن تسبب الإضراب في شل جهود استعادة وتفعيل ما تم ترميمه أو تشغيله من مراكز صحية بعد الدمار الذي لحق بالقطاع جراء الحرب، إضافة إلى تحويل العبء إلى ما تبقى من مستشفيات أو أقسام عاملة، ما يزيد من تكدس الحالات ويضعف جودة الخدمة. في الأثناء،

أصدرت لجنة ممثلي أطباء الأسرة والكوادر الصحية بالمراكز الأولية في الخرطوم بياناً أوضح ان الإضراب بدأ في الـ24 من أغسطس (آب) الماضي، بصورة تدريجية على أن يتواصل وفق جدول محدد وصولاً إلى الإضراب الشامل، وأضاف البيان أن "الإضراب لا يعني الغياب عن العمل، وإنما حضور العاملين والأطباء إلى مقار عملهم والامتناع عن أداء المهام الفنية والإدارية مع التمسك بمطالبهم المهنية"،

وأشارت اللجنة إلى أن هذه الخطوة جاءت بعد مخاطبة جهات الاختصاص بالولاية، وعدم الوصول إلى معالجة الخطاب الذي ظل مطروحاً فترة طويلة، بينما يضع العاملون ملف الأجور والحوافز في مقدمة أسباب الاحتجاج. تراكم مشكلات في خطاب موجه إلى المدير العام لوزارة الصحة بولاية الخرطوم،

عرض ممثلو لجنة أطباء الأسرة والكوادر الصحية جملة من المطالب، مؤكدين أن الأزمة نتاج طبيعي لتراكم مشكلات أثرت في الاستقرار المهني والأداء الوظيفي، وطالبت اللجنة بمراجعة هيكل المرتبات بما يتناسب مع الحد الأدنى للأجور وطبيعة العمل والظروف المعيشية، إضافة إلى تضمين بدلات السكن والعدوى والوجبة والترحيل والملابس ضمن الاستحقاقات.

وطالبت بصرف متأخرات تشمل نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) عام 2023، ومرتبات عام 2024، إضافة إلى انتظام صرف حافزي الأداء والإدارة والبدلات وفروق الترقيات ومنح المناسبات الرسمية، ودعت اللجنة إلى وضع منشور واضح ومنظم للحوافز وتسريع إجراءات الترقيات وتعيين المتعاقدين وتوفيق أوضاعهم العملية.

تحديات صعبة في السياق قالت المواطنة بتول عبدالرحمن التي تقيم في محلية جبل أولياء إن "معظم السكان في العاصمة الخرطوم يعتمدون بصورة واسعة النطاق على المراكز الصحية الواقعة في محيط الأحياء السكنية التي تقدم الرعاية الصحية وتسهم في تعافي المرضى وإسعاف الحالات الحرجة، لكن الآن المراكز متوقفة عن العمل، مما يضع المواطنين أمام تحديات قاسية أبرزها العلاج خارج القطاع العام في ظل الأوضاع المعيشية المعقدة برفع فاتورة كلفة البقاء"، وأضافت "من المؤسف أن التوقف يأتي في وقت تنتشر فيه الأمراض مثل الملاريا وحمى الضنك والالتهابات بسبب تقلبات الطقس،

لا سيما أن المراكز الصحية تقدم خدمات علاجية عاجلة، بخاصة للأطفال وكبار السن والنساء الحوامل"، وتابعت "الأسر ليست لديها القدرة على تحمل نفقات العلاج في المستشفيات الخاصة، فضلاً عن كلفة التنقل بحثاً عن العلاج والدواء مع ندرته،

إضافة إلى الكشف والفحوصات المعملية، مما يبرز أهمية المراكز التي تقدم الرعاية الأولية بأقل كلفة"، وأشارت المواطنة إلى أن "مخاوف السكان تتصاعد حين يصبح الإضراب شاملاً وتتوقف بقية المراكز، ما يفاقم الحالة الصحية للمرضى،

لذلك الأمر يستدعي تدخلات عاجلة لحل الأزمة، حتى لا تدفع الأسر ثمن توقف المراكز ومزيداً من الفقد بسبب انهيار الخدمات الصحية". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) تدهور الخدمات من ناحيتها، رأت نازك إبراهيم العاملة في مجال التمريض أن "المراكز الصحية في خضم الحرب المستمرة في البلاد تعاني صعوبات جمة في تقديم الخدمة الطبية للمرضى في وقت تشهد إقبالاً كبيراً من المواطنين لتلقي العلاج،

على رغم تحملهم العبء الأكبر في توفير بعض المعينات"، وأوضحت إبراهيم أن "غرف الغيار والعمليات الصغيرة تنقصها مستلزمات أساسية، فضلاً عن نقص الأدوية في الصيدليات التي تتبع لها، لذلك شملت مذكرة المطالب تهيئة بيئة العمل باعتبارها لا تنفصل عن أوضاع العاملين"،

وتابعت أن "المراكز الصحية تواجه أيضاً نقص مقومات التشغيل، إذ إنها تفتقر إلى أنظمة الطاقة الشمسية في ظل انقطاع التيار الكهربائي أكثر من 10 ساعات في اليوم، إذ تعتبر حاجة ملحة في المعامل والعمليات الصغيرة"، ومضت العاملة في مجال التمريض قائلة "هذه الأوضاع تجعل ممارسة العمل الطبي أكثر صعوبة نظراً إلى عدم توفر بيئة صحية مناسبة للمرضى والعاملين".

تقاطع أزمات في المنحى نفسه، أوضح محمد خضر وهو طبيب متخصص في مجال المختبرات أن "استمرار الإضراب يضيف عبئاً جديداً على المواطنين خصوصاً المرضى الذين لا يجدون سبيلاً للعلاج غير المراكز الصحية التي تقدم خدمات الرعاية كافة من كشف وفحوصات معملية في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، مما يزيد من أهمية المراكز الصحية خصوصاً وسط الأحياء السكنية"، وأضاف خضر أن "العاملين في المراكز الصحية يشعرون بحزن حين يأتي مريض في أمس الحاجة إلى العلاج،

لكن ليس أمامهم غير الاعتذار عن إسعافه بسبب الإضرابات التي لا تناسب المهنة، وفي المقابل يأملون في الوصول إلى حلول سريعة تنهي الإضراب مع تمسكهم بمطالبهم في شأن الرواتب والحوافز والترقيات وتحسين بيئة العمل التي تفتقر إلى أبسط مقومات الخدمة"، ودعا خضر إلى الإسراع لإيجاد الحلول تفادياً لتبعات ما يتوقع أن تحدث، ولفت المتخصص في المختبرات إلى أن "التصعيد يرتبط بمدى قدرة وزارة الصحة الولائية في التوصل إلى حلول عملية سواء في ملف الأجور والمتأخرات أو توفير مستلزمات تشغيل المراكز الأساسية".

تدني الأجور على صعيد متصل قال الطبيب محمد عبدالله مدير أحد المراكز الصحية بمدينة أم درمان إن "تدني أجور العاملين في المراكز الصحية في ظل الأزمة الاقتصادية المستفحلة تسبب في تفاقم أوضاعهم المعيشية بصورة حادة، بالتالي أجبرهم على تنفيذ الإضراب، لا سيما عدم انتظام الحوافز وغياب بند الترقيات"، وأضاف عبدالله "من المؤسف أن راتبي الشهري نحو 200 ألف جنيه سوداني (نحو 25 دولاراً)،

وبصفتي رب أسرة أعجز عن تأمين أبسط الحاجات المنزلية غير رسوم المدارس، في حين يتقاضى بعض العاملين في الوظائف المساندة مثل عمال النظافة والحراسة 80 ألف جنيه (نحو2.5 دولار)"، وزاد "الاحتجاجات لا تقتصر على تحسين هيكل الرواتب فحسب، وإنما يطالب العاملون في المراكز الصحية بالالتزام بالحوافز والمستحقات المتراكمة،

إذ جرى تسلم حافز في فبراير (شباط)، وآخر في أبريل (نيسان) عام 2026، مما يعكس فجوة في عدم انتظام الحوافز، علاوة على توقف الترقيات التي من شأنها تحسين الأوضاع المعيشية بزيادة الراتب والبدلات بما يتناسب مع طبيعة العمل"،

ونوه الطبيب إلى أن "العاملين في المراكز الصحية والرعاية الأولية سعوا إلى حل المشكلات عبر الحوار قبل الدخول في الإضراب، وجرى تكوين لجنة للجلوس مع وزير الصحة بولاية الخرطوم لحل الأزمة، وما زالت المساعي جارية من الأطراف المعنية كافة، من ثم لا يزال الإضراب قائماً حتى الآن".