منذ انطلاق شرارة الحرب منتصف أبريل (نيسان) من داخل العاصمة الخرطوم، اتبع الجيش السوداني استراتيجية النفس الطويل لاستنزاف قدرات قوات "الدعم السريع" وإنهاكه عسكرياً ولوجيستياً واقتصادياً، بالتحصن الدفاعي والتركيز على قطع وتجفيف إمدادات العدو العسكرية، وتمكن عبر إضعاف قدراتها القتالية وشل حركتها من إنهاء سيطرتها على العاصمة الخرطوم،
فهل تنجح الاستراتيجية ذاتها في تفكيك قوات "الدعم السريع" بإقليمي دارفور وكردفان؟ أم تقود إلى مزيد من تطويل أمد الحرب؟ بديل المسيرات في السياق، يرى الباحث في إدارة الأزمات والتفاوض بمركز البحوث والدراسات الاستراتيجية،
القائد السابق للفرقة السادسة للجيش، اللواء أمين إسماعيل مجذوب، أن سياسة الاستنزاف التي اتبعها الجيش في حربه مع "الدعم السريع" خلفت نقصاً حاداً في عناصره البشرية التي تمثل عصب قواته البرية المقاتلة بما فيها قيادات ميدانية كبيرة ومؤثرة، وهو ما دفعها إلى سد تلك الفجوة بالتوسع في استخدام الطائرات المسيرة لوقف النزف البشري من جانب ولاعتمادها على كوادر فنية قليلة في تشغيلها.
ويشير إسماعيل إلى أن "الميليشيات تلجأ للاستخدام الكبير للمسيرات في ضرب المواقع المدنية والعسكرية ليس لتحقيق نصر عسكري بل كمحاولة للضغط على الحكومة وإجبارها على الجلوس للتفاوض، ولتحسين موقفها التفاوضي في الوقت نفسه وهى تتابع المشاورات الإقليمية والدولية الحثيثة من أجل الوصول إلى حلول وطنية مستدامة للأزمة عبر حوار سوداني شامل. استنزاف الانشقاقات يردف المتحدث "تدرك ميليشيات ’الدعم السريع‘ أن تعويض ما خسرته من قوى بشرية مقاتلة ومعدات عسكرية يحتاج إلى زمن طويل وموارد أوسع، وعلى رغم عدم انقطاع الدعم الخارجي الذي ما زالت تتلقاه بطرق مختلفة،
فإن خطط الجيش نجحت إلى حد كبير في قطع وشل خطوط إمدادها". وبسبب نقص العنصر البشري بخاصة بعدما أحدثت الانشقاقات المتسارعة والمتواصلة نوعاً من استنزاف جديد لقوتها المقاتلة وفاقمت التصدعات ووسعت فجوات وأزمات الثقة بداخلها، لم تعد الميليشيات وفق إسماعيل، قادرة على التحرك بعيداً من حواضنها وبعض موارد إمدادها في دارفور.
وظل الجيش يعمل على فرض حصار جوي على تشكيلات قوات "الدعم السريع" الميدانية بدارفور وكردفان، ومنع قوافل الدعم والإمداد الواردة من الخارج من دخول السودان، سواء عبر الصحراء أو الحدود الغربية مع تشاد لدارفور، بتوجيه ضربات جوية لقوافل الإمداد قبل وصولها إلى المستودعات والفرق الميدانية.
صراع مركب على نحو متصل يرى الباحث في وحدة الشؤون الأفريقية بمركز "تقدم للسياسات" بلندن، ذو النون سليمان، أن الحرب السودانية لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين الجيش وقوات "الدعم السريع"، بل تحولت بمرور الوقت إلى صراع مركب متعدد المستويات،
تتداخل فيه الحسابات الميدانية المعقدة بالملفات السياسية والإقليمية الجيوسياسية تحولات المشهد من المواجهة الخاطفة إلى الاستنزاف الممتد. أحرز الجيش السوداني تقدماً ميدانياً في بعض المناطق (أ ف ب) يشير سليمان، إلى بروز عامل الزمن بوصفه المتغير الحاكم والـمُحدد الأساس للسلوك الاستراتيجي للأطراف المختلفة، وأصبح أداة تُدير بها معظم القوى المنخرطة في الأزمة عملياتها،
منطلقة من فرضية أن الحرب باتت عملية طويلة الأمد لإعادة تشكيل موازين القوى وصياغة قواعد اللعبة السياسية والمجتمعية الجديدة، أكثر من كونها جولة عسكرية خاطفة قابلة للحسم السريع أو التسوية المفاجئة. تصاعد الضغوط وأضاف الباحث بمركز "تقدم للسياسات"، "تتفاوت رؤى الطرفين في تعاملهما مع المدى الزمني للصراع،
إذ يرى كل منهما في إطالة أمد المعركة فرصة لتعزيز موقعه وصياغة معادلة النصر من منظوره الخاص، لكن الجيش بات يتعامل مع عامل الوقت كداعم لموقعه التفاوضي والسياسي، لا سيما بعد استعادته المبادرة في مناطق حيوية بالخرطوم ووسط البلاد، وذلك استناداً إلى قناعة بأن تصاعد الضغوط الشاملة على 'الدعم السريع' كفيل بتآكل خطوط إمدادها وإنهاك قدراتها البشرية والتسليحية".
أوضح الباحث أن الجيش يستثمر كذلك عامل الشرعية المؤسسية عبر تفعيل مؤسسات الدولة تدريجاً من العاصمة الإدارية الموقتة، مما يعزز اعتراف المجتمع الدولي به بوصفه الممثل الشرعي الوحيد، مما جعله يتجنب الاندفاع نحو أي وقف مبكر لإطلاق النار من دون شروط حاسمة، حتى لا يمنح خصمه فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة تنظيم صفوفه،
مراهناً على أن استمرار الاستنزاف الطويل سيعظم مكاسبه في أي تفاوض مرتقب. رهان الوقت في المقابل، بحسب سليمان، تراهن قوات "الدعم السريع" على أن الوقت يعمل لصالحها عبر تحويل السيطرة الميدانية الموقتة إلى واقع سياسي وإداري وديموغرافي يصعب تجاوزه،
وتتحرك هذه الاستراتيجية نحو ترسيخ النفوذ في أجزاء واسعة من دارفور وكردفان والنيل الأزرق، مع تسريع إنشاء هياكل حكم وإدارة موازية، الأمر الذي يتجلى بوضوح في تعيين مسؤولين لمؤسسات حيوية كالبنك المركزي، وإصدار أوراق نقدية،
وإدارة امتحانات الشهادة الثانوية بشكل مستقل، وكلها خطوات يعتبر الباحث أن قوات "الدعم السريع" تسعى من خلالها إلى فرض سلطة الأمر الواقع، لإجبار القوى الإقليمية والدولية على التعامل مع هذه المعطيات كشريك لا غنى عنه في صياغة أي حل مستقبلاً. في جانب القوى المدنية والسياسية،
يرى الباحث بمركز "تقدم للسياسات"، أن القوى المدنية والسياسية وعلى النقيض من الأطراف المسلحة، تفتقر إلى أدوات الحسم الميداني أو القدرة على تغيير الوقائع على الأرض بالقوة العسكرية، مما يجعل رهانها على الزمن رهان اضطرار يقوم على ترقب تغير البيئة السياسية العامة وتحلل قدرات الطرفين المتحاربين،
فضلاً عن عدم التجانس في قراءتها للمستقبل، في وقت يعوق فيه ارتباط الصراع السوداني بمصالح وحسابات إقليمية متباينة، تشكيل جبهة ضغط موحدة لإنهاء الحرب. عوامل وظروف من جانبه يعتقد الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية،
ضوالبيت الدسوقي، أن نجاح استراتيجية الإنهاك والاستنزاف والنفس الطويل في العاصمة الخرطوم ليس بالضرورة أن يتكرر تلقائياً في إقليمي كردفان ودارفور، لأن العوامل والظروف العسكرية والجغرافية التي تجعل من تلك الاستراتيجية أكثر فاعلية تختلف من منطقة إلى أخرى، فالخرطوم منطقة حضرية كثيفة،
بينما تمتد كردفان ودارفور على مساحات شاسعة وصحراوية وشبه صحراوية، مما يمنح القوات المتحركة مجالاً أكبر للمناورة وإعادة الانتشار. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) يضيف الدسوقي قوله "في أجزاء واسعة من دارفور وبعض كردفان تتمتع قوات ’الدعم السريع‘ بقرب أكبر من عمقها التقليدي وحواضنها الاجتماعية مما يسهل عمليات التجنيد المحلية لتعويض الفاقد البشري، بجانب توفر شبكات الإمداد العابر للحدود لتعويض الخسائر المادية في الآليات والمعدات،
مما يضعف من فعالية حرب الاستنزاف، بل قد تستثمر سياسة النفس الطويل في ترسيخ واقع السيطرة الميدانية وبناء هياكلها التنظيمية بخاصة في إقليم دارفور الذي يضم طرقاً ومسارات عدة". إضعاف تدريجي ويشير الدسوقي إلى أن طبيعة القتال في حرب المدن تستنزف القوات المهاجمة والمدافعة بصورة مختلفة عن القتال في المناطق المفتوحة، ويبدو أن الجيش لا يهدف من وراء رهانه على الاستنزاف الطويل الأمد،
لتحقيق نتائج سريعة في إقليمي كردفان ودارفور، بقدر ما يسعى إلى الإضعاف التدريجي لقدرات الطرف الآخر البشرية واللوجيستية، وبدأت آثار ذلك تتبدى بالفعل في لجوء "الدعم السريع" للاعتماد أكثر على حرب المسيّرات كوسيلة أقل كلفة بشرية، وتتمظهر أيضاً سلسلة الانشقاقات التي بدأت تضرب صفوفها ولا تزال مستمرة.
لذلك وفق الباحث الأمني، فإن نجاح خطة الاستنزاف في الخرطوم لا يعني نجاحها تلقائياً بالقدر ذاته في كردفان ودارفور، إذ تعتمد على مدى القدرة على مواصلة الضغط العسكري وحرمان الطرف الآخر من إعادة بناء قوته بقطع الإمدادات وتجفيف مصادر تعويض قوته البشرية. تدفق السلاح على المنحى ذاته يقول المراقب العسكري،
عزالدين حسن بشير "تهدف استراتيجية الاستنزاف من المنظور الحربي العام إلى إضعاف قوة الخصم وقدرته القتالية بشكل متزايد مع مرور الوقت، وصولاً إلى مرحلة انهيار خطوطه الدفاعية والهجومية". وبحسب بشير، لا يمكن اعتبار الانشقاقات الفردية أو المحدودة التي تحدث داخل صفوف "الدعم السريع" أو تزايد اعتمادها على الطائرات المسيّرة،
من مؤشرات نجاح استراتيجية الجيش في استنزاف قدراته البشرية وموارده اللوجيستية، بما يضعف قدرته على الصمود أمام ضغوط الحرب الطويلة الأمد، ما ظل تدفق الأسلحة والتمويل العابر للحدود مستمراً. إنهاك متبادل يؤكد بشير أن من البديهي أن تفرض أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب استنزافاً كبيراً على الطرفين،
فالجيش السوداني أيضاً يتحمل من جانبه خسائر بشرية ومادية ولوجيستية كبيرة كلما طال أمد الحرب، مما يرهن نجاح استراتيجيته في إنهاك الطرف الآخر بمدى قدرته على تحمل كلفة الحرب المتزايدة والمحافظة على تماسك قواته وتفوق قدراته القتالية على خصمه. نفذ طيران الجيش غارات جوية على مواقع لقوات "الدعم السريع" (رويترز) يستطرد المتحدث قوله "على رغم خبرة الجيش العسكرية الطويلة، فإنه تعرض أيضاً لقدر من الإنهاك على الأرض،
ولجأ إلى استخدام الطيران الحربي التقليدي والمسيرات لتقليل الخسائر البشرية وسط المقاتلين في المواجهات البرية، بجانب استخدام الحرب النفسية والاستخباراتية واستثمار التناقضات الاجتماعية والقبلية داخل مكونات ’الدعم السريع‘ من أجل تفكيك الخصم من الداخل، والتي بدأت تؤتي ثمارها في مظاهر التصدع الداخلي والانشقاقات على الصعيدين العسكري والسياسي". تحرير العاصمة منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من ثلاثة أعوام اعتمد الجيش استراتيجية دفاعية بالتحصن داخل حاميته بهدف استنزاف وإنهاك العدو وقطع إمداداته العسكرية،
في محاولة لتفادي تفاقم الخسائر وسط المدنيين والبنية التحتية بالعاصمة حيث كانت قوات "الدعم السريع" تحتمي بالأعيان المدنية ومنازل المواطنين، والمنشآت الحيوية داخل الخرطوم. نجحت الخطة التي اتبعها الجيش باستهداف مبكر لمراكز القيادة والسيطرة بضربات جوية ومسيرة وإنهاك قدرات "الدعم السريع" اللوجيستية، مع مواصلة تدمير خطوط إمداده البشرية أو بالأسلحة والعتاد والمحروقات،
قبل الشروع في أي هجمات برية متعددة الاتجاهات، مما حرمها من استخدام تكتيك حرب المدن والعصابات أو تنظيم تحركات دفاعية فعالة، ونجح بالفعل بعد نحو عام كامل في إجبار قوات الخصم على الانسحاب من العاصمة نحو إقليمي كردفان ودارفور. وبنجاح قوات الجيش في تحرير جسري الفتيحاب والنيل الأبيض من جهة أم درمان،
مكنه ذلك من تحقيق تقدم ميداني واسع داخل المدينة وتضييق الخناق على قوات "الدعم السريع" بداخلها، وأجبرها على الفرار نحو جسر جبل أولياء جنوب الخرطوم. شكلت معركة تحرير الخرطوم انقلاباً في موازين القوى لصالح الجيش، وسمح لقطاع واسع من النازحين واللاجئين بالعودة إلى الديار،
ثم خسرت "الدعم السريع" بعد ذلك سيطرتها على بقية ولايات وسط وجنوب البلاد في سنار والنيل الأبيض.