لم تكن سارة تتخيل أن بحثها عن النجاة من القلق ونوبات الهلع سيقودها إلى تجربة أكثر قسوة في حياتها. فبعد أشهر من التردد، قررت اللجوء إلى معالج نفسي يعمل في جلسات خاصة داخل شقة سكنية بأحد أحياء الخرطوم. في البداية،

بدا الأمر مريحاً لناحية الخصوصية التامة والوعود بالشفاء السريع. لكن مع مرور الوقت، بدأت الجلسات تنحرف عن مسارها بأسئلة شخصية متجاوزة الحدود المهنية والأخلاقية، ولمسات غير مبررة وضغوط نفسية مغلفة بلغة العلاج.

تقول سارة "كنت أعتقد أن ما يحدث جزء من العلاج، إلى أن أدركت أنني أُستغل". هذه القصة ليست حالاً فردية، بل تعكس ظاهرة آخذة في التوسع في البلاد،

حيث تنتشر حالات انتحال صفة أطباء نفسيين يستغلون هشاشة المرضى، خصوصاً النساء، داخل جلسات علاجية غير خاضعة للرقابة، تتخللها انتهاكات مالية ونفسية،

وفي بعض الحالات جنسية. ظاهرة متكررة يقول المتخصص في الطب النفسي هيثم خليفة "إن ظاهرة انتحال صفة معالجين نفسيين في السودان تمثل خطراً مركباً يتجاوز حدود الاحتيال التقليدي، ليصل إلى تهديد مباشر للصحة النفسية والسلامة الجسدية للمرضى، خصوصاً النساء".

ويتابع أن "العلاقة العلاجية في الطب النفسي تقوم أساساً على الثقة والخصوصية، وهي عناصر يمكن أن تتحول إلى أدوات استغلال إذا وقعت في يد شخص غير مؤهل أو غير ملتزم بالمعايير الأخلاقية". واستطرد خليفة "ما يزيد من تعقيد المشكلة هو السياق العام الذي تعيشه البلاد من نزاعات مسلحة ونزوح جماعي، مما أدى إلى ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية مقابل تراجع القدرة المؤسسية على تقديم خدمات علاجية منظمة.

هذا الفراغ خلق بيئة مثالية لدخول أشخاص يدّعون امتلاك مهارات علاجية، مستغلين حاجة الناس الماسة للدعم النفسي". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وواصل "كثير من المنتحلين يستخدمون لغة علمية مبسطة أو مصطلحات شائعة في علم النفس لإضفاء مصداقية على ممارساتهم، مما يجعل من الصعب على غير المتخصصين التمييز بينهم والأطباء الحقيقيين.

فالمريض في هذه الحال لا يبحث فقط عن علاج، بل عن شخص يستمع إليه من دون حكم، وهذا الاحتياج الإنساني العميق قد يُستغل بطرق مؤذية". وفي ما يتعلق بالنساء،

يؤكد خليفة أنهن "أكثر عرضة لهذا النوع من الانتهاك بسبب عوامل اجتماعية وثقافية، منها الخوف من الوصمة، والحرص على السرية، مما يدفع بعضهن إلى تفضيل الجلسات الخاصة غير الخاضعة للرقابة،

وبعض المنتحلين يدركون هذه الهشاشة ويستغلونها لفرض سلوكيات غير مهنية، قد تتطور إلى استغلال مالي أو حتى جنسي تحت غطاء العلاج". وحذر من الآثار طويلة المدى لهذه التجارب، مشيراً إلى أنها "قد تؤدي إلى تفاقم الاضطرابات النفسية،

وفقدان الثقة في أي تدخل علاجي لاحق، فبعض الضحايا يخرجون من هذه التجارب بصدمة إضافية، تجعلهم يرفضون طلب المساعدة مستقبلاً، وهو ما يفاقم حالهم ويعزلهم أكثر".

وشدد المتخصص في الطب النفسي على "ضرورة التحقق من مؤهلات أي معالج نفسي قبل بدء العلاج، من خلال الجهات الرسمية أو النقابات المهنية، وتعزيز التوعية المجتمعية بالصحة النفسية، وتوفير خدمات آمنة وميسورة الكلفة".

نتائج عكسية متخصص آخر في الطب النفسي هو أيمن جعفر، يشير إلى أن "الممارسات المرتبطة بانتحال صفة معالجين نفسيين تمثل خطراً يتجاوز كونه خرقاً أخلاقياً فردياً ليصل إلى تهديد مباشر للصحة النفسية على مستوى المجتمع". ويضيف جعفر، أن "مثل هذه التجارب قد تؤدي إلى نتائج عكسية خطرة،

من بينها تفاقم الاضطرابات النفسية لدى الضحايا، وفقدان الثقة في العلاج النفسي ككل، مما يدفع البعض إلى تجنب طلب المساعدة حتى في الحالات التي تستدعي تدخلاً عاجلاً". ولفت إلى أن "العلاقة العلاجية في الطب النفسي تقوم على أسس مهنية صارمة،

أبرزها وجود حدود واضحة تحكم التفاعل بين المعالج والمريض". مؤكداً أن "أي تجاوز لهذه الحدود، خصوصاً إذا كان ذا طابع جسدي أو مالي غير مبرر يُعد خرقاً مهنياً جسيماً لا يمكن تبريره تحت أي مسمى علاجي". ومضى المتخصص في الطب النفسي بالقول "من الأهمية بمكان التحقق من مؤهلات أي معالج قبل بدء جلسات العلاج،

من خلال الجهات الرسمية أو النقابات المهنية، ومن الخطأ الاعتماد على توصيات غير موثوقة أو إعلانات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. بالتالي فإن رفع الوعي المجتمعي، إلى جانب تشديد الرقابة،

يمثلان خط الدفاع الأول لحماية المرضى من الوقوع ضحايا مثل هذه الممارسات". جريمة متكاملة من جهته، أفاد الباحث في القانون الجنائي جبريل السيد، بأن "انتحال صفة طبيب في السودان يُعد جريمة مكتملة الأركان يعاقب عليها القانون"،

مؤكداً أن "التشريعات السودانية تجرّم بوضوح ممارسة أية مهنة طبية من دون ترخيص، وتفرض عقوبات قد تصل إلى السجن والغرامة، بخاصة إذا ترتب على ذلك ضرر مادي أو معنوي للضحايا". وتابع السيد أن "التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب النصوص القانونية،

بل في ضعف تطبيقها على أرض الواقع. فكثير من هذه الحالات لا تصل إلى مرحلة التقاضي بسبب طبيعتها الحساسة، إذ تحدث غالباً في أماكن مغلقة، من دون شهود،

مما يجعل عملية الإثبات معقدة من الناحية القانونية". وأكد أن "من أبرز العوائق أيضاً إحجام الضحايا عن التبليغ، نتيجة الخوف من الوصمة الاجتماعية أو التعرض للفضيحة، خصوصاً في القضايا التي تنطوي على أبعاد شخصية أو جنسية.

فهذا الصمت يمنح الجناة مساحة للاستمرار، ويُضعف من فعالية الردع القانوني". ونوه السيد إلى "وجود قصور في آليات الإبلاغ والمتابعة، إلى جانب ضعف الرقابة على الممارسات غير الرسمية في قطاع الصحة النفسية،

مما يسمح بانتشار أشخاص غير مؤهلين يمارسون العلاج من دون مساءلة". وبين أن "غياب سجل موحد أو منصة رسمية تتيح للمواطنين التحقق من تراخيص الأطباء يزيد من صعوبة التمييز بين المختصين الحقيقيين والمدعين، بخاصة في ظل التوسع في الإعلانات عبر الإنترنت". ويختم الباحث في القانون الجنائي بقوله إن "معالجة هذه الظاهرة تتطلب أكثر من مجرد نصوص قانونية،

إذ تستدعي تفعيل آليات الرقابة، وتبسيط إجراءات التبليغ، وتوفير حماية قانونية واجتماعية للضحايا، بما يشجعهم على كسر حاجز الصمت واللجوء إلى العدالة".

ثقافة الصمت وتلعب الثقافة المجتمعية دوراً محورياً في تعميق المشكلة. ففي كثير من الحالات، تخشى النساء من التبليغ، ليس فقط بسبب الخوف من الجاني،

بل أيضاً من رد فعل المجتمع، الذي قد يحمّلهن جزءاً من المسؤولية. تقول الناشطة النسوية هديل محمد، إن "الصمت الذي يحيط بحالات الاستغلال داخل جلسات العلاج النفسي،

على رغم كونه مفهوماً في سياق اجتماعي محافظ، يسهم بشكل مباشر في استمرار هذه الانتهاكات". واضافت أن "الخوف من الوصمة أو الفضيحة يدفع كثيراً من النساء إلى عدم التبليغ، مما يمنح الجناة مساحة أوسع للتحرك من دون مساءلة،

ويخلق دائرة مغلقة يصعب كسرها". وترى أن "التعامل مع هذه الظاهرة لا يمكن أن يتم بمعزل عن السياق الثقافي والاجتماعي، إذ إن النظرة السلبية للصحة النفسية، إلى جانب لوم الضحية،

يشكلان عائقاً أساسياً أمام أي محاولة للمواجهة، لذلك نحن بحاجة إلى خطاب مجتمعي جديد، يضع سلامة الضحايا في المقام الأول، ويمنحهن الدعم بدلاً من التشكيك أو الإدانة".

وأكدت أن "كسر هذه الحلقة يتطلب تغييراً تدريجياً في الوعي العام، من خلال حملات توعية تسلط الضوء على أهمية الصحة النفسية، وتعرّف بحقوق المرضى وآليات الحماية المتاحة لهم، فضلاً عن ضرورة توفير بيئة آمنة للنساء للإبلاغ عن الانتهاكات،

من دون الخوف من العواقب الاجتماعية أو القانونية". وفي ما يتعلق بالحلول، دعت إلى "تدخل متعدد المستويات، يشمل تشديد الرقابة على الممارسات النفسية،

وتفعيل القوانين القائمة، إلى جانب إنشاء منصات رسمية تتيح للمرضى التحقق من تراخيص الأطباء، وتوفير قنوات آمنة وسرية للإبلاغ، تضمن حماية المبلّغات وتمنع تعرضهن لأي شكل من أشكال الوصم أو الانتقام".

وخلصت الناشطة النسوية إلى القول، إن "بناء بيئة علاجية آمنة لا يقع على عاتق الضحايا وحدهن، بل هو مسؤولية جماعية تبدأ بالاعتراف بوجود المشكلة، وتمر بدعم الناجيات،

ولا تنتهي إلا بمحاسبة كل من يستغل الألم الإنساني لتحقيق مكاسب شخصية".