تتسارع خطوات الأزمة الاقتصادية في السودان نتيجة تدهور العملة الوطنية ووصولها إلى أدنى مستوى أمام العملات الأجنبية، وما ترتب عليها من تداعيات أدت إلى اشتعال الأسواق وفاقمت موجة الغلاء الجنونية في أسعار السلع الاستهلاكية التي تضرب الولايات كافة، لتلتهم المواطن البسيط في ظل حرب اقتصادية توسعت شرارتها منذ اندلاع النزاع بين الجيش وقوات "الدعم السريع" في منتصف أبريل (نيسان) 2023، وعجز الحكومة على رغم التدابير في وقفها والسيطرة عليها.
ويرى خبراء ومراقبون أن المواطنين والتجار على حد سواء يدفعون فاتورة الحرب الباهظة التي استنزفت المدخرات وأفقدتهم مصادر الدخل مع تآكل القدرة الشرائية، بعد فشلهم في مجاراة وتيرة الغلاء المتصاعدة مع تفش للجوع والمرض، بخاصة وسط الأطفال. وفي المقابل،
تتزايد الضغوط الإقليمية والدولية لإعادة الأطراف لطاولة المفاوضات، إلا أن الفجوة المتسعة بين مواقف القوتين تجعل الوصول إلى هدنة أو وقف لإطلاق النار هدفاً بعيد المنال، مما يعمق الأزمة في السودان وفتح الباب أمام سيناريوهات الفوضى الشاملة التي يصعب السيطرة عليها داخل الحدود الجغرافية السودانية. سلسلة إضرابات من جانبه،
يقول التاجر في سوق أم درمان مبارك إدريس إن "التجار في مدن العاصمة الثلاث الخرطوم وبحري وأم درمان نفذوا إضراباً مفتوحاً بإغلاق محالهم التجارية، بعد انهيار الجنيه الذي وصل إلى أدنى مستوى أمام العملات الأجنبية، مما أدى إلى شلل الأسواق وحال من الركود في حركة البيع والشراء، وبالتالي اشتعال أسعار السلع الأساسية،
لتتأزم أوضاع التجار التي ترافقت مع توقف التطبيقات المصرفية والصعوبة في الحصول على سيولة". وأضاف "في ظل الأزمة الاقتصادية، ارتفع الطلب على النقد الأجنبي بصورة كبيرة، مما أربك الأسواق التي دخلت في ولايات عدة بسلسلة إضرابات،
بدأت في مدينتي شندي وعطبرة بولاية نهر النيل، وامتدت إلى وسط البلاد مع تزايد الضغوط الحكومية وفوضى الرسوم على رغم توقف الأسواق، مما أسهم في تفاقم الأوضاع المعيشية للتجار والمواطنين". وتابع إدريس "السياسات الاقتصادية التي تنتهجها الحكومة في فرض الرسوم الباهظة لن تسهم في معالجة الأزمة الاقتصادية في البلاد،
بل ستقود إلى تدمير بعص القطاعات، إذ يضطر التجار إلى دفع ضرائب اتحادية وأخرى ولائية، فضلاً عن إيجارات المحال التجارية التي وصلت إلى أرقام خيالية، إلى جانب الزيادة المتصاعدة في أسعار الوقود التي أوقفت المصانع والإنتاج الزراعي".
وأشار التاجر إلى أن "الاحتجاج والإغلاق سيظلان مفتوحين إلى أن تحسم الحكومة فوضى الزيادات، التي تجاوزت القدرة على تحمل الأعباء المالية التي تهدد استمرار النشاط التجاري داخل الخرطوم". موجة جنونية إلى ذلك، أوضح المواطن معاوية إبراهيم،
وهو أحد المهتمين بالقضايا الاقتصادية وحركة الأسواق أن "ما يحدث من موجة ارتفاع في الأسعار لا يمكن وصفها إلا بالجنونية، إذ أفقدت التجار القدرة على وضع تسعيرة لبضائعهم، مما حدا بكثيرين منهم إلى إغلاق محالهم تحسباً لخسائر إعادة الشراء. ومن المستغرب أن الحكومة تطارد صغار تجار العملة والزج بهم في السجون ومصادرة أموالهم،
لكن ما الإجراء الذي ستتعامل معه مع الكبار الذين يستفيدون من انهيار العملة الوطنية عبر قنوات أوسع، والمساهمة في هذا التدهور من دون رقابة فعلية على تدفقات النقد الأجنبي وحصائل الصادرات". ونوه إلى أن "هؤلاء المضاربين يتاجرون بالمواد الغذائية والطبية والذهب والسلاح والوقود والعملات الأجنبية وغيرها بحرية مستغلين فوضى الحرب التي لا تزال تضرب بالبلاد، وكأن معاناة ملايين المواطنين وقود لثرواتهم في ظل استمرار الحرب وعدم وجود أفق في وقفها،
إذ لا يمكن التحدث عن تعاف اقتصادي لجهة أن طول أمد الصراع ينامي الحرب الاقتصادية ويزيد الضغوط على الاقتصاد الوطني والوصول به إلى مرحلة الانهيار الشامل، مما ينعكس سلباً على حياة المواطنين ويسهم في تراجع قدرتهم الشرائية في ظل ارتفاع كلفة المعيشة، وبالتالي يكون مجبراً على دفع فاتورة ارتفاع الأسعار وغلاء المواصلات والوقود، وتراجع فرص العمل والعجز في توفير احتياجات أسرته".
ودعا المهتم بالقضايا الاقتصادية في ختام حديثه إلى "ضرورة وقف الحرب واستعادة الاستقرار كونهما المدخل الأساس لوقف التدهور، فضلاً عن تهيئة الظروف أمام عودة الإنتاج والنشاط الاقتصادي في القطاعات كافة، وبالتالي تحسين أوضاع المواطنين". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) حرب اقتصادية الباحث المصرفي وليد دليل أشار إلى أن "الحرب التي لا تزال مستمرة تحارب المواطن في مأكله ومشربه وتعليمه وصحته،
وهي ليست أقل خطراً من السلاح، وإنما أشد فتكاً، إذ إنها تضرب العمق البنيوي للمجتمع وتهدد بإنتاج أجيال متهالكة عقلياً وبدنياً حتى مع انتهائها". وأوضح دليل أنه "لا بد أن ينتبه أصحاب الشأن من حكومة ومؤسسات نقدية ومجتمع دولي إلى معالجة الأزمة الاقتصادية كونها لا تقل إلحاحاً عن وقف النار،
بل قد تكون شرطاً لأي استقرار سياسي، لا سيما أن ما يحدث من ارتفاع الأسعار يلتهم المواطن البسيط، ويقضي على موائد الفقراء الذين يعانون في الأصل هشاشة اقتصادية، ومع توسعها لن تستثني أحداً".
ولفت إلى أن "الحرب الاقتصادية في البلاد يتساقط ضحاياها في صمت في ظل سعر صرف يتهاوى كل ساعة وتتربص به عصابات المضاربة من غير رادع قانوني أو ضمير". ومضى الباحث المصرفي قائلاً "حرب سعر الصرف تحولت من مؤشر اقتصادي إلى أداة نزف يومي على جيوب المواطنين، بعد أن ألغى بنك السودان المركزي الضوابط التي كانت تكبح تقلبات سعر الصرف ومنح المصارف حرية تعديله من دون سقف، مما أسهم ذلك في انهيار الجنيه بصورة متسارعة حين تجاوز حاجز 7 آلاف للدولار الواحد في سبتمبر (أيلول) الجاري،
ثم وصل تهاويه ليقترب من 8 آلاف جنيه في منتصف الشهر ذاته، ليواصل تدهوره الحاد حتى وصل إلى أدنى مستوى". تفاقم الأزمة على الصعيد ذاته، قال المحلل الاقتصادي الفاتح عثمان إن "الزيادات المتلاحقة انعكست مباشرة على الأسعار،
مما أسفر عن موجة غلاء طاولت مختلف السلع، لا سيما أن معظمها إما مستورد أو يعتمد على مدخلات إنتاج أجنبية". وأضاف عثمان أن "الانخفاض المتسارع لقيمة الجنيه تكمن في وجود خلل هيكلي وفجوة واسعة بين العرض والطلب على النقد الأجنبي، إذ إن الحرب تلعب دوراً محورياً في تفاقم الأزمة الاقتصادية،
وكانت أحد أبرز الأسباب في انحسار حجم الصادرات، إلى جانب لجوء ملايين السودانيين إلى دول الجوار، مما أدى إلى تحويل معظم مدخلات وتحويلات المغتربين لمساعدة ذويهم في مناطق اللجوء والنزوح، لتفقد البلاد أحد أهم مصادرها التغذوية من النقد الأجنبي".
واستطرد قائلاً "تهاوي سعر الصرف يعود لعوامل اقتصادية واقعية تمثلت في الضغوط الهيكلية لشح الموارد وزيادة الطلب المحدودة، التي تعد الأبرز لحركة سوق الصرف". وأشار إلى أن "الارتفاع الحاد في أسعار السلع يرجع إلى أن غالبية المصانع والشركات التجارية اتخذت قرار تجميد عمليات البيع والإنتاج، مما أحدث حالة من عدم اليقين والإرباك داخل الأسواق،
لا سيما أن هذه الحالة تعد موقتة وقد تتلاشى بمجرد استئناف المصانع نشاطها بصورة طبيعية ومن ثم إعلان قوائم أسعار جديدة". ولفت المحلل الاقتصادي إلى أن "معظم القاعات الإنتاجية والتجارية فضلت التوقف المرحلي عن طرح منتجاتها بانتظار اتضاح رؤية في شأن اتجاهات سعر الصرف واستقراره عند مستويات محددة سواء بالارتفاع أم الانخفاض، مما يهدف إلى تفادي الخسائر الناتجة من التقلبات السعرية السريعة، إذ إن الحركة السعرية للسلع أصبحت مرتبطة بسعر صرف الجنيه في ظل انسياب الواردات وتدفق المنتجات بسلاسة من أسواق رئيسة مثل مصر والسعودية والهند والصين،
فضلاً عن احتلال المصانع والشركات لمخزون هائل يغطي غالبية الاحتياجات الاستهلاكية". واستدرك في ختام حديثه بأنه "بات من الضروري في الوضع الراهن الاستعانة بقروض أو منح مالية من دول شقيقة وصديقة لتغذية شريان الاقتصاد وتحقيق استقرار سريع في سعر الصرف على المديين القصير والمتوسط، ومساندة الجهاز المصرفي في تلبية الطلب، إذ إن استدامة استقرار الجنيه على المدى الطويل تظل مرهونة بإحداث قفزة حقيقة في الإنتاج المحلي وتحفيز حصائل الصادرات مع ضرورة وضع الحكومة ملف دعم الإنتاج في صدارة أولوياتها لضمان التعافي الاقتصادي الشامل".