مع اندلاع الحرب في الخرطوم بين الجيش وقوات "الدعم السريع" قبل 40 شهراً، ظهرت الأسواق العشوائية في مناطق مختلفة من مدن العاصمة الثلاث، الخرطوم وبحري وأم درمان، مشكلة استجابة مباشرة لانهيار مؤسسات الدولة والنظام الاقتصادي الرسمي،
إذ توقفت سلاسل الإمداد التقليدية، وأغلقت الأسواق المركزية أبوابها، وتعرضت مناطق تجارية رئيسة مثل السوق العربي والسوق المركزي بالخرطوم، وسوق أم درمان،
وسوق بحري لأضرار كبيرة. هذا الانهيار، وما صاحبه من انعدام الرقابة، ولد فراغاً اقتصادياً واسعاً،
دفع آلاف الباعة والتجار إلى البحث عن بدائل فورية لمواصلة نشاطهم. توفير بدائل يقول الباحث الاقتصادي محمد الفاتح، "في الأحياء السكنية، وعلى أطراف الطرق الرئيسة،
بدأت تتشكل أسواق صغيرة بصورة تلقائية، إذ يعرض الباعة سلعاً محدودة، تتراوح بين المواد الغذائية الأساسية والسلع اليومية. ومع مرور الوقت،
توسعت هذه النقاط لتتحول إلى أسواق مكتملة نسبياً، تضم عشرات وربما مئات الباعة". وتابع الفاتح أن "هذه الأسواق لم تنشأ نتيجة تخطيط، بل كرد فعل مباشر على الحاجة،
إذ أصبح القرب من المستهلك عاملاً حاسماً، في ظل صعوبة التنقل وارتفاع تكاليف النقل". وأردف قائلاً إن "نشأة الأسواق العشوائية في الخرطوم تمثل استجابة طبيعية لانهيار الاقتصاد الرسمي، إذ يسعى الأفراد إلى توفير بدائل تضمن استمرار تدفق السلع،
حتى في غياب الدولة"، لافتاً إلى أن "هذه الظاهرة ليست جديدة في سياقات النزاعات، لكنها في حالة الخرطوم اتخذت حجماً غير مسبوق، بسبب شدة الانهيار المؤسسي".
وبين أن "الأسواق العشوائية تعتمد على المرونة، إذ يمكن إنشاؤها بسرعة، وتفكيكها أو نقلها عند الحاجة، وهو ما يجعلها مناسبة للبيئات غير المستقرة"،
مشيراً إلى أن "غياب التكاليف الرسمية، مثل الإيجارات والضرائب، أسهم في انتشارها، لكنه في المقابل يولد تحديات تتعلق بالجودة والسلامة".
وأكد الباحث الاقتصادي أن "هذه الأسواق تلعب دوراً مهماً في توفير السلع، لكنها تظل مؤشراً على خلل عميق في بنية الاقتصاد". إدارة خفية من جهته، أوضح المتخصص في الاقتصاد غير الرسمي أحمد النور أنه "مع توسع الأسواق العشوائية،
برزت الحاجة إلى نوع من التنظيم الداخلي، لتفادي الفوضى الكاملة. وفي هذا السياق، ظهرت مجموعات محلية أو أفراد يديرون هذه الأسواق،
سواء عبر تنظيم أماكن الباعة، أم فرض رسوم غير رسمية مقابل الحماية أو استخدام الموقع". وأضاف النور أنه "في بعض الحالات، تكون هذه الإدارة نابعة من لجان أحياء،
لكنها في حالات أخرى ترتبط بمجموعات مسلحة أو أفراد يفرضون نفوذهم بالقوة. فهذا النمط من الإدارة يعكس غياب الدولة، لكنه في الوقت نفسه ينتج نظاماً بديلاً، قد يفتقر إلى الشفافية أو العدالة".
ورأى أن "إدارة الأسواق العشوائية تمثل نموذجاً لما يعرف بالحكم غير الرسمي، إذ تنشأ هياكل تنظيمية خارج إطار الدولة". واستطرد "هذه الهياكل قد تكون بسيطة، لكنها تلعب دوراً مهماً في ضبط النشاط الاقتصادي،
حتى وإن كان ذلك بوسائل غير قانونية"، مبيناً أن "فرض الرسوم مقابل الحماية أو التنظيم ليس بالضرورة دليلاً على الاستغلال فقط، بل يعكس أيضاً حاجة السوق إلى نوع من الاستقرار". وزاد أن "غياب الرقابة يفتح الباب أمام ممارسات تعسفية،
مثل فرض رسوم مرتفعة أو إقصاء بعض الباعة، كما أن تعدد الجهات التي تدير هذه الأسواق يزيد من تعقيد المشهد، إذ قد تتداخل الصلاحيات، أو تنشأ صراعات على السيطرة".
ومضى المتخصص في الاقتصاد غير الرسمي في القول إن "هذا النمط من الإدارة يصعب دمجه لاحقاً في الاقتصاد الرسمي، ما لم يجر التعامل معه ضمن سياسات شاملة". اقتصاد بديل وفي ظل تعطل الأسواق الرسمية، أصبحت الأسواق العشوائية جزءاً أساسياً من دورة الاقتصاد اليومية،
بل مصدراً رئيساً للسلع بالنسبة لكثير من السكان. فهي توفر المواد الغذائية والوقود، وحتى بعض الخدمات، مما يجعلها عنصراً حيوياً في الحياة اليومية.
لكن هذا الدور يأتي مع تحديات، مثل غياب الرقابة الصحية، وعدم استقرار الأسعار، وضعف الجودة في بعض الأحيان.
اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ويقول الباحث في اقتصاديات النزاعات جمال عبدالرحمن، إن "الأسواق العشوائية لا يمكن النظر إليها فقط كظاهرة سلبية، بل كجزء من آلية التكيف الاقتصادي في أوقات الأزمات". وأردف عبدالرحمن أن "هذه الأسواق تسهم في إبقاء الاقتصاد في حدوده الدنيا،
من خلال ضمان توفر السلع، حتى في ظل انهيار المؤسسات"، منوهاً إلى أن "غياب الرقابة لا يعني بالضرورة غياب التنظيم، بل وجود صورة مختلفة منه،
تعتمد على العلاقات المباشرة بين البائع والمشتري". وواصل أن "عدم استقرار الأسعار يعكس غياب المرجعيات الرسمية، مثل التسعير الحكومي أو الرقابة على الأسواق". ولفت المتخصص في اقتصاديات النزاعات إلى أنه "على رغم أهمية هذه الأسواق،
إلا أنها لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً، لأنها تفتقر إلى مقومات الاستدامة، كما أن الاعتماد الطويل عليها قد يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد غير رسمي يصعب إصلاحه". رؤية متوازنة مصير الأسواق العشوائية مرتبط بمستقبل الدولة نفسها،
فمع استمرار الحرب، لا يبدو أن هذه الأسواق ستختفي قريباً، بل قد تستمر في التوسع. لكن السؤال الأهم يتعلق بمستقبلها في حال عودة الاستقرار.
فهل سيتم دمجها في الاقتصاد الرسمي، أم سيتم تفكيكها؟ وهل يمكن تنظيمها من دون الإضرار بمصادر دخل آلاف الأسر؟ توضح الباحثة في مجال التخطيط الحضري نادية خليفة أن "التعامل مع الأسواق العشوائية يتطلب رؤية متوازنة،
تأخذ في الاعتبار دورها الاقتصادي والاجتماعي معاً، فتفكيك هذه الأسواق بصورة مفاجئة قد يؤدي إلى أزمات معيشية، خصوصاً للباعة الذين يعتمدون عليها كمصدر دخل رئيس". وبينت خليفة أن "الحل يكمن في تنظيمها تدريجاً،
من خلال توفير بدائل رسمية، مثل أسواق مخططة أو مساحات مخصصة للبيع. كما أن دمج هذه الأسواق في الاقتصاد الرسمي يتطلب سياسات مرنة، تعترف بواقعها،
بدلاً من تجاهله". وأشارت إلى أن "نجاح هذه العملية يعتمد على استعادة دور الدولة، وبناء ثقة بين المؤسسات والمجتمع". وزادت خليفة أن "الأسواق العشوائية ليست مجرد ظاهرة موقتة،
بل مؤشر على تحولات عميقة، يجب التعامل معها بجدية في مرحلة ما بعد الحرب". وخلصت الباحثة في التخطيط الحضري إلى القول إنه "في الخرطوم، لم تعد الأسواق مجرد أماكن للبيع والشراء،
بل تحولت إلى انعكاس مباشر لتحولات الدولة والمجتمع. وبين الحاجة والتنظيم غير الرسمي، تستمر الأسواق العشوائية في لعب دور محوري، في انتظار ما ستسفر عنه المرحلة المقبلة".