دفعت الخسائر المتلاحقة في كردفان ومحاور القتال الوسطى قيادة قوات "الدعم السريع" إلى إعادة ترتيب أولوياتها العملياتية على نحو يكشف عن ضغوط تتجاوز فقدان المواقع إلى تآكل القدرة على المناورة والاحتفاظ بقوة قتالية متماسكة. فالتراجع من النقاط الحاكمة لم يكن مجرد انحسار جغرافي، إذ مسّ شبكة الحركة والإمداد التي تصل دارفور بوسط البلاد، وضيّق هامش المناورة أمام الوحدات المنتشرة في مسارح متباعدة،
فيما استعادت القوات المسلحة والقوات المساندة لها زمام المبادرة في عدد من المحاور ذات القيمة العملياتية. وفي ظل هذا التحول، اتجهت قيادة "الدعم السريع" إلى توسيع التعبئة داخل الحواضن القبلية والاستعانة بالإدارات الأهلية لتعويض الخسائر البشرية والمحافظة على كثافة القوة في الجبهات، في خطوة تعكس انتقال الحرب من استنزاف الوحدات إلى استنزاف المجتمعات التي توفر لها القدرة على التجنيد والاستمرار.
غير أن هذه الآلية، مهما وفرت من رصيد بشري، لا تعالج بالضرورة الاختلالات التي أصابت منظومة الإمداد والقيادة والسيطرة والانتشار. وتزداد أهمية كردفان لأن السيطرة عليها لا تمنح مكاسب ميدانية فحسب،
بل تتحكم في عمق استراتيجي يصل غرب السودان بوسطه، ويؤثر مباشرة في قدرة كل طرف على نقل القوات والعتاد وفتح محاور متزامنة. ومن هنا يمكن فهم التصعيد الأخير بهجمات المسيرات على العاصمة الخرطوم والأبيض ومواقع أخرى باعتباره محاولة لنقل الضغط إلى العمق، وتعويض تراجع الحركة البرية بإرباك المراكز الخلفية واستنزاف الخصم.
وفي المقابل، يؤكد الفريق عبد الفتاح البرهان أن الجيش لا يقاتل قبائل أو مكونات سودانية، وإنما "الدعم السريع" بوصفها قوة متمردة، داعياً الإدارات الأهلية في دارفور إلى عدم دفع أبنائها نحو مزيد من الانخراط في القتال.
وتشير هذه التطورات، في مجملها، إلى حرب تتجه بصورة متزايدة نحو اختبار القدرة على تعبئة الموارد، وحماية خطوط الاتصال،
وإدارة الاستنزاف، أكثر من كونها سباقاً للسيطرة على المدن وحدها. إرث قديم سبقت الإدارة الأهلية قيام الدولة السودانية الحديثة، إذ نشأت من حاجة المجتمعات الزراعية والرعوية إلى سلطة محلية تضبط الأرض والمياه والمراعي،
وتفصل في النزاعات، وتحفظ التوازن بين الجماعات في ظل اتساع البلاد وضعف المركز. وفي دارفور وكردفان، استندت هذه البنية إلى إرث سلطنتي الفور وسنار،
وإلى نظام "الحواكير" و"الجودية" والأعراف، فأصبح قادتها من النظار والعمد والمشايخ والمقاديم والوجهاء وسطاء بين المجتمع والسلطة. وحين فرض الاستعمار البريطاني نظام "الحكم غير المباشر"، وجد في تلك البنية أداة فعالة لإدارة الأطراف بأقل كلفة.
فقننت سلطات الزعامات التقليدية بموجب ترتيبات قانونية بدأت مع قانون عام 1922، وأبقي لهم القضاء العرفي والسلطات الإدارية والمالية، مقابل تحصيل الضرائب، وتوفير العمالة،
وفض النزاعات، وحفظ الأمن المحلي. وحصلوا في المقابل على الرواتب والحماية والامتيازات والاعتراف الرسمي، فتحولت سلطة اجتماعية تاريخية إلى جزء من جهاز الدولة الاستعمارية.
حين يصبح المجتمع مخزون القوة الأخير تكون الحرب قد انتقلت من استنزاف القوات إلى استنزاف البنية الاجتماعية (اندبندنت عربية- حسن حامد) بعد الاستقلال، أبقت الحكومات الوطنية على مكانتهم الاجتماعية والاقتصادية، لكنها سعت إلى الحد من نفوذهم السياسي لمصلحة الدولة المركزية والهوية الوطنية. واتجه بعض زعماء الطوائف إلى العمل الحزبي،
فارتبطت طائفة "الختمية" بالحركة الاتحادية وحزبها، فيما ارتبطت طائفة "الأنصار" بحزب الأمة. وفي عام 1973، ألغى نظام جعفر النميري الإدارة الأهلية،
ووصفها بالتخلف والتبعية، واستعاض عنها بهياكل الحكم الشعبي المحلي. غير أن إلغاء المؤسسة لم ينه نفوذها الاجتماعي. إذ أعاد رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي الاعتبار إلى دورها بعد 1986،
قبل أن يعيد النظام السابق توظيفها بصورة أكثر سياسية وأمنية، مستقطباً بعض قياداتها بالامتيازات والنفوذ، ومستخدماً شبكاتها في التعبئة وحماية السلطة، الأمر الذي عمّق الانقسامات القبلية والإثنية في دارفور.
وبعد احتجاجات ديسمبر (كانون الأول) 2018، عادت الحكومات الانتقالية إلى الاستعانة بها لاحتواء النزاعات في دارفور وشرق السودان وجنوب كردفان والنيل الأزرق. وفي عام 2019، تحرك المجلس العسكري بقيادة نائب رئيس المجلس،
وقتها، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، لاستقطاب زعمائها عبر لقاءات ومؤتمرات تشاورية، مما أثار اعتراض "قوى الحرية والتغيير".
وهكذا استمرت الإدارة الأهلية بين وظيفتها الاجتماعية الأصلية وتوظيفها السياسي المتزايد، حتى غدت في الحرب الراهنة مورداً للتعبئة والتأثير في موازين القوة المحلية. موارد القوة في الحرب الحالية، تحولت الإدارة الأهلية في دارفور وكردفان من جهاز اجتماعي يعمل على فض النزاعات وحماية توازنات القبائل،
تدريجاً إلى مورد من موارد القوة، وإلى ساحة تتقاطع فيها التعبئة العسكرية مع الشرعية المحلية. وباتت قدرة التأثير في النظار والعمد والمشايخ ذات قيمة تتجاوز بعدها الرمزي، لأنها تفتح الطريق إلى التجنيد،
وتأمين الحركة، وضبط المجتمعات، وإسناد الوجود العسكري بغطاء محلي. واستفادت قوات "الدعم السريع" من هذا الواقع في بناء نفوذها داخل مناطق سيطرتها،
مستندة إلى الامتدادات القبلية وشبكات الولاء القديمة، بالتوازي مع السعي إلى استمالة قيادات أهلية أو إنتاج مراكز قيادة محلية أكثر انسجاماً مع ترتيباتها. وفي بعض الحالات، تحولت العلاقة إلى ضغط مباشر،
وفق روايات منشقين وشهادات محلية، بما جعل بعض الزعامات أمام معادلة شديدة القسوة: التكيف مع القوة المسيطرة، أو دفع كلفة الرفض في بيئة لا توفر حماية مؤسسية كافية. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ونتيجة لذلك عزل في مايو (أيار) العام الماضي 11 عمدة في شمال دارفور،
بينما أقالت سلطات جنوب دارفور 71 من قيادات الإدارة الأهلية، بينهم سبعة نظار، كما طاولت قرارات مماثلة 37 قيادياً في غرب دارفور، وفي غرب كردفان أقيل عدد من الزعماء والقيادات بتهم التعاون مع "الدعم السريع".
لم يعد الصراع يدور فقط حول كسب الزعامات، بل حول إعادة تعريف من يملك حق تمثيل القبيلة. وتبرز هنا حال موسى هلال وحميدتي، إذ يتداخل التنافس على النفوذ داخل الرزيقات مع اختلاف نموذجي الشرعية: زعامة أهلية تاريخية في مواجهة قيادة عسكرية بنت نفوذها عبر الحرب.
وقد اتخذ هذا التنافس لاحقاً بعداً عملياً، ففي سبتمبر (أيلول) الماضي أعلن "مجلس الصحوة" بقيادة هلال اتفاقاً مع القوة المشتركة المتحالفة مع الجيش لتشكيل قوة عسكرية لحماية الطرق والأسواق والموسم الزراعي. وهكذا أصبحت الإدارة الأهلية إحدى الجبهات غير المرئية للحرب، من يسيطر عليها لا يحصل على ولاء اجتماعي فحسب،
بل يقترب من السيطرة على البيئة البشرية التي تنتج المقاتلين، وتؤمن خطوط الحركة، وتحدد اتجاهات التعبئة. ومع استمرار الحرب،
يؤدي هذا التسييس المتبادل إلى تفكيك إحدى آخر آليات الوساطة المحلية، ويحول الانقسام داخل القبيلة إلى امتداد طبيعي للانقسام العسكري، بما يجعل إعادة بناء الدولة بعد الحرب أكثر تعقيداً من مجرد وقف إطلاق النار. تعويض النقص يكشف انتقال قيادة "الدعم السريع" إلى التعبئة القبلية المباشرة في دارفور بعد التطورات الأخيرة في كردفان عن إجراء لتعويض النقص العددي، ومحاولة لإعادة بناء القدرة القتالية من قاعدة اجتماعية تقع في عمق مناطق نفوذها.
فقد أظهرت خسائر الجبهات الوسطى أن الاحتفاظ بالمبادرة يحتاج إلى تدفق مستمر للمقاتلين بالتركيز على التجنيد المحلي، على إثر انحسار شبكات المقاتلين العابرة للحدود. في هذا السياق اكتسب خطاب حميدتي، أواخر يوليو (تموز) الماضي،
في شأن "فك الرسن" دلالة عملياتية واضحة، فالمصطلح، في بيئة غرب السودان، يستدعي تعبئة الرجال عبر الروابط القبلية وإطلاقهم إلى مسارح القتال.
ولم يعد الرهان على الإدارة الأهلية مقتصراً على طلب الولاء السياسي، بل اتجه إلى تحويل نفوذها الاجتماعي إلى قوة بشرية قابلة للتعبئة. لم يعد الصراع يدور فقط حول كسب الزعامات، بل وإعادة تعريف من يملك حق تمثيل القبيلة (اندبندنت عربية- حسن حامد) وتشير البيانات المنسوبة إلى "الدعم السريع" إلى استجابة قيادات محلية لهذا النداء،
بينها الشرتاي إبراهيم عبدالله محمد، الذي أعلن عن دفعه أربع كتائب من أبناء الفور، فضلاً عن إعلان قيادات أهلية عربية في غرب ووسط دارفور تجهيز 11 كتيبة، وإعلان وسط دارفور تعبئة آلاف المقاتلين،
فيما نسب إلى قبيلة البني هلبة الدفع بنحو ألف مقاتل بقيادة موسى السميح قاسي. القيمة الحقيقية لهذا التحول لا تكمن في العدد وحده، فالمقاتل القبلي قد يرفد القوة سريعاً، لكنه لا يعوض بالضرورة نقص القيادة والسيطرة والتدريب والانضباط في ظل انشقاقات القيادات المتتالية.
كذلك فإن عسكرة الروابط الأهلية تنقل الحرب من تنافس على السلطة إلى صراع على الجماعات، وتحول الناظر والعمدة من وسيط محلي إلى طرف في المعركة، وهو تحول يهدد بتفكيك آليات الوساطة نفسها، ويجعل أية تسوية لاحقة أكثر صعوبة،
لأن الحرب تكون قد أعادت توزيع الولاءات والسلاح والسلطة داخل المجتمع، لا بين طرفيها العسكريين فقط. توقعات محتملة قد تصبح الإدارات الأهلية، أحد آخر الموارد التي تستطيع قوات "الدعم السريع" اللجوء إليها لتعويض استنزاف قواتها،
لكن ذلك لا يعني أنها قادرة وحدها على قلب ميزان الحرب. فالتعبئة القبلية تستطيع إنتاج كثافة بشرية سريعة، وتأمين حواضن محلية، وحماية طرق الحركة والمناطق الخلفية،
لكنها لا تنتج تلقائياً قوة عسكرية قادرة على تنفيذ عمليات مركبة أو الاحتفاظ بأرض مكشوفة أمام خصم يمتلك منظومات أكثر انتظاماً في القيادة والنيران والاستطلاع. والسيناريو الأرجح أن يتحول هذا الاستنفار إلى قوة إسناد واستنزاف أكثر منه أداة لاستعادة المدن. وقد تستخدم المجموعات الجديدة في حماية خطوط الإمداد، وتأمين المناطق الريفية،
وشن هجمات محدودة، وفتح محاور ثانوية لإجبار الجيش على تشتيت قواته. أما استعادة مراكز حضرية أو عقد عملياتية فقد تبقى مرتبطة بقدرة "الدعم السريع" على توفير القيادة والسيطرة والغطاء الناري واللوجستيات، وهي عناصر لا يعوضها ارتفاع عدد المجندين.
وثمة احتمال آخر، وهو أن يؤدي اتساع التعبئة إلى تحويل دارفور وكردفان إلى ساحات تجنيد متنافسة، فتتداخل الحدود بين الانتماء القبلي والاصطفاف العسكري، وتبدأ كل جماعة في بناء قوة لحماية مجالها ومصالحها.
عندها تصبح الإدارات الأهلية جزءاً من بنية الحرب لا وسيطاً فيها، وتتراجع فرص قدرتها على التفاوض أو احتواء النزاع. أما السيناريو الأقل ترجيحاً، فهو أن تنجح التعبئة في توفير كتلة بشرية كبيرة ومتجانسة نسبياً،
بالتزامن مع تحسن الإمداد وتنسيق العمليات واستمرار الضغط على الجيش في أكثر من محور، وحينها يمكن أن تمنح "الدعم السريع" قدرة على إبطاء خسائره أو شن هجمات مضادة محدودة. لكنها لن تعكس الاتجاه العام للحرب ما لم تترجم الكتلة البشرية إلى قدرة عسكرية منظمة ومستدامة. لذلك،
فإن اللجوء المتزايد إلى الإدارات الأهلية قد يكون في ذاته مؤشراً على ضيق الخيارات أكثر مما هو دليل على امتلاك ورقة حاسمة، فحين يصبح المجتمع مخزون القوة الأخير، تكون الحرب قد انتقلت من استنزاف القوات إلى استنزاف البنية الاجتماعية التي تستند إليها.