لم تعد المعارك المحيطة بمدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان تقتصر على التحركات العسكرية ومواقع السيطرة، بل امتدت تداعياتها إلى حياة السكان، من الغذاء والمياه إلى الخدمات الصحية والأدوية، فالمدينة التي استقبلت آلاف الأسر الفارة من القتال المشتعل بين الجيش وقوات "الدعم السريع" قرابة 43 شهراً،

تواجه ضغوطاً متزايدة على بنيتها الخدمية والاقتصادية. وتحذر تقارير أممية من أن استمرار الاضطرابات الأمنية وتعطل طرق الإمداد يهددان بتفاقم الأوضاع الإنسانية، وسط تراجع خيارات الوصول وتأثر خدمات المياه والكهرباء، مما يطرح تساؤلات حول قدرة الأبيض على استيعاب مزيد من النازحين وتأمين حاجات سكانها.

نزوح متصاعد لا يظهر ضغط النزوح في الأبيض من خلال أعداد الوافدين وحدها، بل في التحولات التي طرأت على حياة السكان داخل الأحياء والمنازل، فمعظم الأسر النازحة لا تقيم في مراكز إيواء منفصلة، وإنما تتوزع بين المجتمعات المستضيفة،

لتتقاسم معها موارد محدودة أصلاً، من السكن والغذاء إلى المياه والخدمات الأساسية. ويقول أحمد الزبير، الباحث في الشؤون الإنسانية وإدارة النزوح،

إن "حجم أزمة النزوح في مدينة مثل الأبيض لا يمكن قياسه من خلال أعداد الموجودين في مراكز الإيواء وحدها، إذ إن جزءاً كبيراً من حركة النزوح يحدث خارج هذه المراكز، عبر استضافة الأسر الوافدة لدى أقارب أو معارف أو عائلات محلية، وهو نمط يجعل الحاجات الإنسانية أقل ظهوراً في الإحصاءات،

لكنه لا يقل تأثيراً في الواقع المعيشي". وأضاف الزبير أن "الأسرة المستضيفة تصبح شريكاً غير مباشر في تحمل أعباء النزوح، من دون أن تكون بالضرورة مؤهلة اقتصادياً أو معيشياً لذلك، فإضافة أفراد جدد إلى المنزل تعني زيادة استهلاك الغذاء والمياه وارتفاع النفقات اليومية،

فضلاً عن الضغط على المساحات السكنية والخدمات الصحية والتعليمية". وزاد الباحث قوله "مع استمرار تدفق النازحين، تتحول الضيافة التي تبدأ باعتبارها استجابة اجتماعية طارئة إلى عبء طويل الأمد، خصوصاً مع تراجع مصادر الدخل وارتفاع أسعار السلع الأساسية،

وفي هذه الحالة، لا يقتصر التأثر على الوافدين، بل يمتد إلى السكان الذين كانوا يواجهون أصلاً ظروفاً اقتصادية صعبة". ويرى الزبير أنه "من أبرز التحديات صعوبة تحديد الحاجات الفعلية،

لأن الأسر النازحة موزعة داخل الأحياء، وبعضها ينتقل من منزل إلى آخر أو يغادر المدينة مجدداً بحثاً عن ظروف أفضل، مما يفرض على الجهات الإنسانية تطوير آليات للرصد تتجاوز مراكز الإيواء، لتشمل المجتمعات المستضيفة نفسها".

ويشدد الباحث في الشؤون الإنسانية وإدارة النزوح على أن "الاستجابة الإنسانية لا ينبغي أن تقتصر على توفير الغذاء للنازحين، بل يجب أن تشمل دعم الأسر المستضيفة وتحسين خدمات المياه والصحة، إلى جانب توفير المساعدات النقدية التي تتيح للعائلات تحديد أولويات إنفاقها". ويحذر الزبير من أن استمرار الضغط على المجتمعات المسضيفة من دون تدخل مناسب قد يضعف قدرتها على مواصلة الاستضافة،

ويزيد احتمالات انتقال الأسر النازحة مجدداً، بما يفتح دورة جديدة من النزوح وعدم الاستقرار. أسواق مختنقة في أسواق الأبيض، لا تقف الأزمة عند توافر السلع،

بل تمتد إلى قدرة السكان على شرائها، فمع اضطراب طرق الإمداد وارتفاع كلف النقل، تتزايد أسعار الحاجات اليومية، بينما يتراجع دخول كثير من الأسر بفعل النزوح وتوقف الأنشطة الاقتصادية،

لتصبح المعيشة أكثر صعوبة. المحلل الاقتصادي ناجي خالد قال "لا يمكن قراءة أزمة الأسواق في الأبيض باعتبارها مجرد ارتفاع في الأسعار، فهي ترتبط بمجموعة من العوامل المتداخلة، تبدأ من اضطراب حركة الإمداد وتنتهي بتراجع القدرة الشرائية للمستهلكين،

فعندما تتأثر الطرق التي تربط المدينة بمناطق الإنتاج ومراكز التوزيع، ترتفع كلفة نقل السلع، وقد تتراجع الكميات التي تصل إلى الأسواق، خصوصاً إذا واجهت الشاحنات أخطاراً أمنية أو تأخيرات على الطرق".

وتابع خالد "يؤدي ذلك إلى زيادة الأعباء على التجار، الذين يضطر بعضهم إلى تحمل كلف إضافية لتأمين البضائع ونقلها، ثم ينعكس جزء من هذه الكلف على السعر النهائي، لكن ارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة وجود نقص كامل في السلع،

فقد تكون البضائع متاحة، إلا أن تكلفتها تصبح أعلى من قدرة شريحة واسعة من السكان على الشراء". حجم أزمة النزوح في مدينة مثل الأبيض لا يمكن قياسه (أ ف ب) ويرى المحلل الاقتصادي أن "هذه المعادلة تتفاقم مع تراجع النشاط الاقتصادي وفقدان مصادر الدخل، خصوصاً لدى الأسر التي اضطرت إلى مغادرة مناطقها أو توقفت أعمالها بسبب الحرب،

فالأسرة التي كانت تعتمد على دخل يومي أو نشاط تجاري صغير قد تجد نفسها أمام أسعار متزايدة من دون مورد ثابت، مما يغير نمط استهلاكها ويدفعها إلى تقليل الإنفاق على الغذاء أو تأجيل شراء بعض الحاجات الأساسية". وأردف خالد "من المهم التمييز بين ثلاثة عوامل عند تقييم وضع الأسواق، نقص المعروض،

وارتفاع كلف النقل، وضعف القدرة الشرائية، فلكل عامل أسبابه وتداعياته، ولا يمكن تحديد حجم تأثيره من خلال متابعة الأسعار وحدها،

ويتطلب ذلك رصد أسعار السلع الأساسية بصورة دورية، ومقارنة الكميات المتاحة بتدفقات الإمداد، إلى جانب متابعة كلف النقل وهوامش البيع". واختتم المحلل الاقتصادي حديثه بالقول إن "استقرار الأسواق لا يرتبط بوصول البضائع فقط،

بل بانتظام تدفقها وقدرة السكان على الوصول إليها وشرائها، ولذلك فإن معالجة الأزمة تتطلب تأمين طرق الإمداد، ودعم النشاط التجاري المحلي، وتوسيع المساعدات النقدية والغذائية للأسر الأكثر تضرراً،

حتى لا يتحول اضطراب التجارة إلى أزمة أوسع في الأمن الغذائي والمعيشة". المياه والصحة في الأبيض، أصبح الحصول على المياه الآمنة والخدمات الصحية أمراً غير مضمون بالقدر الكافي، فالأضرار التي طاولت البنية التحتية،

إلى جانب زيادة أعداد السكان والنازحين، تضع المرافق الخدمية أمام حاجات تفوق قدرتها، وتضاعف الأخطار على الفئات الأكثر هشاشة. المتخصص في المياه والإصحاح البيئي هيثم عوض يقول إن "التعامل مع تراجع إمدادات المياه في المدن المتأثرة بالنزاع لا يمكن التعامل معه باعتباره مشكلة خدمية منفصلة،

لأنه يرتبط بصورة مباشرة بالصحة العامة والظروف المعيشية للسكان، فعندما تتضرر محطات الضخ أو تتأثر إمدادات الكهرباء والوقود اللازمة لتشغيلها، تتراجع كميات المياه المتاحة، ويضطر السكان إلى البحث عن مصادر بديلة قد لا تكون خاضعة للرقابة الصحية المطلوبة".

واستطرد عوض أن "خطورة الوضع تزداد في المناطق التي تستقبل أعداداً كبيرة من النازحين، حيث يرتفع الاستهلاك اليومي للمياه بالتزامن مع زيادة الضغط على شبكات الصرف الصحي ومرافق النظافة، وفي مثل هذه الظروف، لا يقتصر تأثير نقص المياه على صعوبة الاستخدام المنزلي،

بل يمتد إلى ارتفاع احتمالات التلوث وانتشار الأمراض، خصوصاً بين الأطفال وكبار السن والأشخاص الذين يعانون ضعفاً في المناعة". ولفت المتخصص في المياه والإصحاح البيئي إلى أن "محدودية المياه الآمنة تؤثر في قدرة المرافق الصحية نفسها على العمل، إذ تحتاج المستشفيات والمراكز العلاجية إلى إمدادات منتظمة لأغراض النظافة والتعقيم ورعاية المرضى،

وأي انقطاع طويل أو نقص في الكميات المتاحة قد يعرقل تقديم بعض الخدمات، حتى عندما تتوافر الكوادر الطبية والأدوية". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ومضى المتخصص في المياه والإصحاح البيئي في القول "تتضاعف هذه التحديات مع تراجع الأمن الغذائي وارتفاع معدلات سوء التغذية، لأن الأطفال الذين يعانون نقصاً في التغذية يصبحون أكثر عرضة للمضاعفات الصحية،

وقد تتفاقم حالهم في بيئة تفتقر إلى المياه النظيفة والرعاية الطبية المنتظمة، لذلك، فإن الاستجابة لا ينبغي أن تقتصر على توفير مياه الشرب بصورة طارئة، بل يجب أن تشمل صيانة المنشآت المتضررة،

وتأمين الوقود والكهرباء اللازمين للتشغيل، ومراقبة جودة المياه، ودعم المرافق الصحية بالإمدادات الضرورية، فاستمرار الخدمة لا يقل أهمية عن توفيرها بصورة موقتة،

خصوصاً في مدينة تواجه ضغطاً سكانياً وإنسانياً متزايداً". شريان الإمداد قدرة الأبيض على مواجهة الأزمة الإنسانية لا تتوقف عند حجم المساعدات المتاحة، بل ترتبط بقدرة الشاحنات على الوصول إليها، فكلما تقلصت طرق الحركة وارتفعت الأخطار الأمنية،

أصبحت إمدادات الغذاء والدواء والوقود أكثر عرضة للتأخير وارتفاع الكلفة، واتسعت الضغوط على السكان. الباحثة في سلاسل الإمداد مفيدة أشرف تقول إن "طرق الإمداد تمثل أحد المحددات الرئيسة لقدرة المدن المتأثرة بالنزاع على الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي. فوجود السلع في مناطق الإنتاج أو مراكز التوزيع لا يعني بالضرورة وصولها إلى السكان،

إذ تتوقف العملية على سلامة الطرق، وتوافر وسائل النقل والوقود، وقدرة التجار والمنظمات الإنسانية على تنفيذ عمليات الشحن والتوزيع بصورة منتظمة". وأضافت أشرف أنه "في حالة الأبيض،

تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بسبب موقع المدينة ودورها في استقبال النازحين وخدمة مناطق أخرى من شمال كردفان، فتقلص خيارات الوصول لا ينعكس على الأسواق المحلية وحدها، بل قد يؤثر أيضاً في حركة المساعدات والسلع المتجهة إلى المجتمعات المحيطة، التي تعتمد بدرجات متفاوتة على الممرات التجارية والإنسانية المرتبطة بالمدينة".

وتابعت الباحثة "من الناحية الاقتصادية، تؤدي الأخطار الأمنية على الطرق إلى زيادة كلف النقل والتأمين، وقد تدفع بعض التجار إلى تقليل حجم الشحنات أو تأجيلها، بينما يضطر آخرون إلى البحث عن مسارات بديلة أطول وأكثر كلفة،

وتنعكس هذه الكلف في نهاية المطاف على أسعار السلع، حتى في الحالات التي لا يحدث فيها انقطاع كامل للإمدادات". وواصلت أشرف حديثها "بالنسبة إلى المنظمات الإنسانية، فإن محدودية الوصول تفرض تحديات إضافية تتعلق بتخطيط العمليات وتحديد الأولويات وضمان وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجاً،

فالتأخير في وصول شحنة غذائية أو طبية قد تكون له تداعيات أكبر في المناطق التي تعاني أصلاً نقصاً في الخدمات، ولا تمتلك مخزوناً كافياً لمواجهة انقطاع الإمدادات". ونوهت الباحثة إلى أنه "من المهم التمييز بين إغلاق الطرق بصورة كاملة وبين تراجع إمكانية استخدامها أو ارتفاع الأخطار المرتبطة بها، فالأوضاع قد تتغير من فترة إلى أخرى،

وقد يستمر مرور بعض الشحنات على رغم الصعوبات، لكن انتظام الحركة يظل عاملاً أساساً، لأن وصول مساعدات متفرقة لا يوفر بالضرورة استجابة مستدامة للحاجات اليومية". وخلصت الباحثة في سلاسل الإمداد إلى القول "تتطلب مواجهة هذه التحديات حماية الممرات التجارية والإنسانية،

وتسهيل حركة العاملين والإمدادات، إلى جانب دعم قدرات التخزين والتوزيع داخل المدينة، فالأمن الإنساني في الأبيض لا يرتبط فقط بما يتوافر من غذاء ودواء، بل أيضاً بقدرة السكان على الوصول المستمر إليهما".