في حرب لم تعد تدور على جبهات القتال وحدها، برز الذهب بوصفه أحد أهم مصادر التمويل التي تُبقي النزاع مستمراً في السودان. فالمعدن الأصفر، الذي ظل لعقود ركيزة للاقتصاد السوداني ومصدراً رئيساً للنقد الأجنبي،

تحول منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 إلى شريان مالي يغذيها ويطيل أمدها، في ظل انهيار مؤسسات الدولة واتساع شبكات التهريب والتجارة غير الرسمية. ويكتسب الذهب أهمية استثنائية في الحالة السودانية، فقيمته المرتفعة وسهولة نقله وتسييله،

فضلاً عن الطلب العالمي المتزايد عليه، جعلته مورداً يصعب تعقبه. وتذهب تقارير أممية ودولية إلى أن السيطرة على مناطق التعدين ومسارات تصدير الذهب أصبحت محفوفة بالأخطار، خصوصاً مع استخدام "الدعم السريع" عائداته في شراء السلاح وتأمين خطوط الإمداد وتمويل شبكات النفوذ.

في هذا السياق، أقر مجلس الاتحاد الأوروبي حظراً على شراء أو استيراد أو نقل الذهب ذي المنشأ السوداني، كما حظر بيع أو توريد أو نقل أو تصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، وهما مادتان أساسيتان تستخدمان في عمليات استخراج الذهب،

بما يهدف إلى تقييد سلاسل الإمداد المرتبطة بالقطاع. ومن خلال تقييد التجارة في الذهب السوداني والحد من الوصول إلى المواد الكيماوية المستخدمة في تعدينه واستخراجه، يهدف الاتحاد الأوروبي إلى تقليص الموارد المتاحة التي تسهم في استمرار الحرب. ويتضمن القرار استثناءات محددة،

إذ لا تسري القيود المفروضة على الزئبق والسيانيد على السلع المخصصة للأغراض الإنسانية، أو لحالات الطوارئ الصحية العامة، أو للاستجابة للكوارث. ويمثل القرار تحولاً لافتاً في سياسة العقوبات الأوروبية،

إذ ينتقل من استهداف أفراد وكيانات في "الدعم السريع" إلى استهداف نشاطه بالكامل والذي يمول العمليات العسكرية. ويرافق هذين الحظرين وفقاً للقرار، منع تقديم الخدمات ذات الصلة، بما في ذلك المساعدة الفنية وخدمات الوساطة والمساعدة المالية.

ويقول الاتحاد الأوروبي إن هذه الإجراءات تستهدف تقليص الموارد المالية التي تسهم في إطالة أمد القتال، في حرب خلفت إحدى أكبر الأزمات الإنسانية وأكثرها تعقيداً في العالم، وأدت إلى نزوح ولجوء ملايين السودانيين وارتكاب انتهاكات واسعة للقانون الدولي الإنساني. اترى تقديرات مستقلة أن الإنتاج الفعلي للذهب في السودان أعلى بكثير من المعلن رسمياً بسبب اتساع التهريب وضعف الرقابة (اندبندنت عربية - حسن حامد) ترسيخ المكانة ارتبط السودان بالذهب منذ فجر الحضارات التي ازدهرت على ضفاف النيل،

حتى غدا جزءاً من هويته التاريخية قبل أن يصبح أحد أعمدة اقتصاده الحديث. فمنذ عصور مملكة كوش، التي قامت في شمال السودان قبل أكثر من 3 آلاف عام، شكلت مناجم الذهب المنتشرة بين النيل والصحراء الشرقية أحد أهم مصادر الثروة في المنطقة،

وأسهمت في ترسيخ مكانة الممالك النوبية بوصفها قوة اقتصادية وسياسية مؤثرة في العالم القديم. وتشير كتابات المؤرخين الإغريق والرومان إلى أن هذه الأراضي كانت من أغزر المناطق إنتاجاً للذهب، وأن قوافل المعدن النفيس كانت تنطلق منها إلى مصر القديمة قبل أن تشق طريقها إلى أسواق البحر المتوسط. ويذهب عدد من علماء المصريات والمؤرخين إلى أن اسم "النوبة" قد يكون مشتقاً من الكلمة المصرية القديمة "نبو" (Nub) التي تعني الذهب،

وهو تفسير تاريخي شائع يعكس عمق الارتباط بين المنطقة وثروتها المعدنية. وارتبطت مناطق مثل وادي العلاقي والصحراء الشرقية في المدونات التاريخية بروايات "أرض الذهب"، واستقطبت عبر قرون طويلة الرحالة والتجار والمنقبين عن الثروة، لتصبح جزءاً من شبكة طرق القوافل التي ربطت وادي النيل بسواحل البحر الأحمر ووسط أفريقيا.

ولم يكن الذهب مجرد سلعة تجارية، بل كان مورداً استراتيجياً مول الجيوش وأسهم في تشييد المعابد والقصور وعزز نفوذ الممالك القديمة، فيما تميط المكتشفات الأثرية اللثام عن مئات المناجم والآبار وأدوات الطحن والصهر. وتشير دراسات أثرية إلى أن الذهب المستخرج من بلاد النوبة كان يمد مصر الفرعونية بجزء كبير من حاجاتها من المعدن،

وهو ما يفسر الحضور الكثيف للذهب النوبي في الكنوز الملكية، بما فيها مقتنيات مقبرة توت عنخ آمون، قبل أن يحتفظ المعدن بمكانته خلال العصور الإسلامية بوصفه مورداً رئيساً للتجارة العابرة للصحراء، ولاحقاً ركناً متجذراً في الثقافة السودانية،

إذ ظل الذهب رمزاً للمكانة الاجتماعية، ويُهدى في المناسبات ويُورث عبر الأجيال. الأرباح الضخمة المتأتية من تجارة الذهب غير المشروعة لا تتولد داخل المناجم فحسب، بل عبر منظومة مالية ولوجستية معقدة (أ ف ب) مشروع توسعي ظلت هذه الشهرة المرتبطة بالذهب على مدى قرون عاملاً مؤثراً في حسابات القوى الإقليمية الساعية إلى التوسع جنوب وادي النيل.

فعندما أطلق محمد علي باشا حملته على السودان عام 1820، بعدما وطد سلطته في مصر، كان البحث عن الذهب أحد أبرز الدوافع الاقتصادية التي استند إليها مشروعه التوسعي. فقد كانت التقارير والروايات المتداولة آنذاك تتحدث عن ثروات معدنية كبيرة في بلاد النوبة وسنار وكردفان،

وكان والي مصر يطمح إلى تسخير هذه الموارد لتمويل مشروعه الطموح لبناء دولة مركزية وجيش حديث، في وقت كانت حروبه وإصلاحاته العسكرية والإدارية تستنزف موارد الخزانة. غير أن الذهب لم يكن الهدف الوحيد، إذ سعت الحملة أيضاً إلى تجنيد آلاف الرقيق السودانيين لتشكيل جيش نظامي يقلل الاعتماد على الجنود الألبان والأتراك،

وملاحقة فلول المماليك الذين فروا إلى دنقلا عقب سقوط دولتهم في مصر، وإحكام السيطرة على طرق التجارة الممتدة بين مصر ووسط أفريقيا، والاستفادة من موارد السودان الزراعية والحيوانية، فضلاً عن تأمين مجرى النيل وتعزيز النفوذ المصري باتجاه منابعه.

 وتظهر المراسلات الرسمية وتقارير الإدارة التركية - المصرية أن البحث عن مناجم الذهب ظل حاضراً في توجيهات محمد علي، حتى وإن جاءت نتائج أعمال الاستكشاف أقل من التوقعات التي غذتها الروايات عن ثراء السودان المعدني. ومع ذلك، لم يفقد الذهب مكانته بوصفه مورداً استراتيجياً استقطب الحكام والقوى الاستعمارية على امتداد القرنين الـ19 والـ20،

قبل أن يعود في القرن الـ21 إلى قلب المشهد السوداني، ليس باعتباره ركيزة للاقتصاد الوطني فحسب، وإنما بوصفه أحد أهم مصادر تمويل الحرب. يهيمن التعدين الأهلي على قطاع الذهب،

إذ يوفر ما بين 85 و90 في المئة من إجمالي الإنتاج في السودان (غيتي) مكامن الذهب منذ فقدان الخرطوم نحو ثلاثة أرباع إنتاجها النفطي عقب انفصال جنوب السودان عام 2011، تحول الذهب إلى المصدر الأول للنقد الأجنبي، وإلى ركيزة يعتمد عليها الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي معاً. وتمتد مكامن الذهب عبر مساحة شاسعة من البلاد،

من ولايات نهر النيل والبحر الأحمر والشمالية، إلى شمال كردفان وولايات دارفور، فضلاً عن مواقع في النيل الأزرق وجنوب كردفان. وتبرز مناطق جبل عامر في شمال دارفور،

وأرياب في البحر الأحمر، وأبو حمد والعبيدية وبربر، ودنقلا ووادي العلاقي، باعتبارها من أهم مراكز الإنتاج،

إذ أعادت آلاف مواقع التعدين الأهلي رسم الخريطة الاقتصادية والاجتماعية لتلك المناطق. وعلى رغم أن السودان لا يمتلك بورصة وطنية متخصصة لتداول الذهب على غرار بورصات شنغهاي أو دبي أو لندن، فإن الذهب السوداني يدخل بصورة غير مباشرة إلى السوق العالمية، إذ يُعاد تصدير جزء كبير منه بعد خروجه عبر دول وسيطة،

قبل أن يجد طريقه إلى مراكز التكرير والتداول العالمية، مما جعل سلاسل الإمداد السودانية محل تدقيق متزايد من الحكومات والمنظمات الدولية. وتشير تقديرات هيئة الأبحاث الجيولوجية السودانية إلى امتلاك البلاد احتياطات واعدة، فيما يُصنف السودان بين أكبر منتجي الذهب في أفريقيا بإنتاج رسمي يراوح ما بين 60 و70 طناً سنوياً،

بينما ترى تقديرات مستقلة أن الإنتاج الفعلي أعلى من ذلك بكثير بسبب اتساع التهريب وضعف الرقابة. ويهيمن التعدين الأهلي على القطاع، إذ يوفر ما بين 85 و90 في المئة من إجمال الإنتاج، ويؤمن مصدر دخل مباشر لنحو 1.4 مليون شخص،

وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة والمنتدى الحكومي الدولي المعني بالتعدين. غيرت الحرب وظيفة الذهب جذرياً، إذ تجاوز دوره الاقتصادي ليصبح مورداً استراتيجياً، فقد أحكمت قوات "الدعم السريع" سيطرتها على عدد من أهم مناطق التعدين في دارفور وأجزاء من كردفان،

مستفيدة من استخراج الذهب وتهريبه لتمويل عملياتها العسكرية، فيما بقيت المناجم الواقعة في شرق وشمال السودان تحت نفوذ الحكومة. وتشير دراسات بحثية إلى أن نحو 60 في المئة من الذهب المنتج في ولايات الشمال ونهر النيل والبحر الأحمر يغادر البلاد عبر مسارات تهريب، وهو ما حرم الخزانة العامة من مليارات الدولارات،

ورسخ اقتصاداً موازياً يصعب إخضاعه للرقابة. يؤمن التعدين الأهلي مصدر دخل مباشر لنحو 1.4 مليون شخص ​​​​​​في السودان (غيتي)​​​​​​ حجم التسرب مع استمرار الحرب، لم تعد خسائر السودان تُقاس بالأراضي المدمرة أو البنية التحتية المنهارة فحسب، بل أيضاً بالأطنان المفقودة من الذهب.

فقبل اندلاع النزاع كان الإنتاج الرسمي يناهز 87 طناً سنوياً، قبل أن يتراجع بصورة حادة خلال الأشهر الأولى للحرب مع تعطل عدد كبير من المناجم وسلاسل التوريد. غير أن هذا الانخفاض في الإنتاج الرسمي يخفي واقعاً أكثر تعقيداً، إذ تشير تقديرات متداولة في الأوساط الحكومية والاقتصادية إلى أن ما يقارب 100 كيلوغرام من الذهب تغادر السودان يومياً عبر قنوات التهريب،

بما يعادل عشرات الأطنان منذ اندلاع الحرب، في تدفق غير مشروع بات يشكل أحد أهم مصادر تمويل اقتصاد الحرب. وفي هذا السياق، أعلن وزير المعادن السوداني نور الدائم طه،

في أبريل الماضي، أن الحكومة أعدت حزمة إجراءات للحد من التهريب، تشمل إنشاء منظومة رقابة إلكترونية على الإنتاج والنقل، وتشكيل قوة مشتركة من الأجهزة العسكرية والأمنية لتأمين مناطق التعدين والمعابر،

إلى جانب مراجعة سياسات شراء الذهب وتصديره وتقديم حوافز للمصدرين لتشجيعهم على استخدام القنوات الرسمية. وأكد الوزير أن السودان يحتل المرتبة الأولى عربياً والثالثة أفريقياً في إنتاج الذهب، معتبراً أن "استعادة السيطرة على القطاع تمثل أولوية اقتصادية وسيادية". وتنسجم هذه التصريحات مع بيانات الشركة السودانية للموارد المعدنية،

الذراع الرقابية لوزارة المعادن، التي أعلنت أن إنتاج الذهب خلال العام الماضي بلغ نحو 70 طناً، في حين أظهرت بيانات بنك السودان المركزي أن الصادرات الرسمية لم تتجاوز 14.5 طناً، وهو فارق كبير يعكس حجم التسرب إلى الأسواق غير الرسمية،

ويبرز التحدي الذي تواجهه الدولة في استعادة السيطرة على أكثر قطاعاتها الاقتصادية قيمة. تحولات مفصلية بعد انفصال الجنوب، وجدت الخرطوم نفسها أمام أزمة مالية دفعتها إلى البحث عن بديل سريع للعملات الصعبة. عندها انتقل الذهب من قطاع هامشي إلى أولوية اقتصادية وسياسية،

وشجعت الحكومة، بصورة مباشرة وغير مباشرة، التوسع في التعدين الأهلي، الذي استوعب مئات الآلاف من السودانيين الفارين من البطالة والتضخم،

قبل أن يتحول لاحقاً إلى مصدر رزق لما يقارب مليون شخص. وفي الوقت نفسه، بدأت الشركة السودانية للموارد المعدنية بفرض الرسوم والضرائب على أسواق التعدين، فيما منح نظام الرئيس السابق،

عمر البشير، امتيازات واسعة لشركات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية وجهاز الأمن، إلى جانب شركات أجنبية، ولا سيما الروسية،

في إطار سياسة هدفت إلى تعويض الإيرادات النفطية المفقودة. وشهد عاما 2011 و2012 ثلاثة تحولات مفصلية أعادت رسم الاقتصاد السياسي للذهب في السودان. فإلى جانب الصدمة الاقتصادية التي أحدثها الانفصال، أدى اكتشاف احتياطات ضخمة في جبل عامر شمال دارفور إلى إطلاق واحدة من أكبر موجات التنقيب الأهلي في أفريقيا،

تزامناً مع الارتفاع القياسي في أسعار الذهب عالمياً، مما جعل المعدن النفيس البديل الأكثر واقعية للنفط. واستجابة لذلك، افتتحت الحكومة عام 2012 مصفاة السودان للذهب في الخرطوم تحت إشراف بنك السودان المركزي،

وألزمت مرور الذهب المخصص للتصدير عبرها، بينما حظرت تصدير الخام غير المكرر. وفي العام نفسه، ارتفعت مساهمة الذهب إلى نحو 60 في المئة من إجمال الصادرات السودانية،

ليصبح المصدر الأول للعملات الأجنبية. غير أن الطفرة الذهبية لم تترجم إلى استقرار اقتصادي، بل سرعان ما تحولت إلى محور للصراع على السلطة والثروة. ففي جبل عامر،

الذي كان ينتج في ذروة نشاطه نحو 15 طناً سنوياً ويستقطب عشرات الآلاف من المعدنين، اصطدمت الإدارة الأهلية التي نظمت عمليات التعدين بمساعي الحكومة المركزية لفرض سيطرتها. وبعد فشل المفاوضات، سيطرت قوات "حرس الحدود" بقيادة موسى هلال على المنطقة،

قبل أن تنتزعها منها لاحقاً قوات "الدعم السريع" بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، التي أحكمت عبر "شركة الجنيد" سيطرتها على معالجة مخلفات الذهب وشبكات التجارة. مسار تصاعدي ويأتي قرار مجلس الاتحاد الأوروبي امتداداً لمسار تصاعدي من الضغوط السياسية والعقوبات التي بدأها التكتل منذ اعتماد الإطار القانوني الخاص بالسودان في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عقب اندلاع الحرب.

فمنذ ذلك الحين، وسع الاتحاد الأوروبي بصورة متدرجة قائمة العقوبات لتشمل شخصيات وكيانات اعتبرها مسؤولة عن تقويض الاستقرار والانتقال السياسي، قبل أن يخلص، بعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال،

إلى أن العقوبات الفردية لم تحدث أثراً ملموساً. وخلال هذه الفترة، كرر الاتحاد الأوروبي، في بيانات مجلسه ووزراء خارجيته،

الدعوة إلى وقف دائم لإطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، واستئناف عملية سياسية تقود إلى حكم مدني، كان آخرها في أعقاب المؤتمر الدولي الثالث في شأن السودان في برلين،

في أبريل الماضي، إذ تعهد باستخدام "جميع الأدوات المتاحة"، بما فيها العقوبات الاقتصادية، لاستهداف ما وصفه بـ"اقتصاد الحرب".

 يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تضييق المساحات التي تتحرك من خلالها عائدات الذهب داخل النظام المالي العالمي، ورفع كلفة الاتجار به بالنسبة إلى الشركات والوسطاء والمؤسسات المالية. ويحمل القرار بعداً جيوسياسياً يتمثل في الحد من قدرة الشبكات الخارجية، بما فيها شركات ووسطاء في أسواق إقليمية ودولية،

على الاستفادة من الذهب السوداني أو توظيفه في الالتفاف على العقوبات، بما ينسجم مع السياسة الأوروبية الأوسع الرامية إلى تجفيف الموارد المالية للنزاعات المسلحة، بدل الاكتفاء بمعاقبة الأفراد. ويستند القرار إلى تقديرات أممية وتقارير صادرة عن مؤسسات بحثية دولية،

بينها فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان، ومنظمة "غلوبال ويتنس"، خلصت إلى أن الذهب أصبح ركيزة أساس لاقتصاد الحرب، مع استخدام عائداته في شراء السلاح،

وتمويل العمليات العسكرية، وتعزيز شبكات التهريب والتجارة غير المشروعة. ولا يفرض القرار حظراً عالمياً شاملاً على صادرات الذهب السوداني، إذ تظل العقوبات مقتصرة على الولاية القانونية للاتحاد الأوروبي.

وبذلك لا تمنع بيع الذهب إلى أسواق خارج الاتحاد، لكنها تغلق السوق الأوروبية أمام الذهب السوداني وتحظر على المشغلين الأوروبيين المشاركة في أي معاملة تتعلق به، حتى وإن جرت عبر أطراف ثالثة أو مراكز تجارة وسيطة. أما التنفيذ،

فيعتمد على أنظمة الرقابة الجمركية والمالية في الدول الأعضاء، إلى جانب قواعد التحقق من منشأ الذهب ومتطلبات العناية الواجبة المفروضة على المستوردين وشركات التكرير والمؤسسات المالية. ويتيح التشريع الأوروبي فرض عقوبات على محاولات الالتفاف على القيود، بما في ذلك استخدام شركات واجهة أو إعادة تصدير الذهب بعد تغيير بلد المنشأ،

مع الاستفادة من تبادل المعلومات بين سلطات الجمارك ووحدات الاستخبارات المالية والأجهزة الرقابية الأوروبية لتعقب أي مسارات تهدف إلى التحايل على العقوبات. عقوبات موجهة تكشف التجربة الممتدة منذ اندلاع الحرب في السودان أن العقوبات الدولية، على رغم تصاعدها تدريجاً، لم تنجح في إحداث تحول جوهري في اقتصاد الحرب،

لأن معظمها استهدف أشخاصاً وكيانات بعينها، بينما بقيت الشبكات المالية والتجارية العابرة للحدود، التي تشكل البنية الحقيقية لتجارة الذهب، تعمل بكفاءة عالية.

فقد فرضت الولايات المتحدة، إلى جانب المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، عقوبات على أفراد وشركات مرتبطة بقوات "الدعم السريع"، من بينها شركات تعدين وواجهات تجارية،

إلا أن تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة، ومنظمتي "غلوبال ويتنس"، و"ذا سنتري" (تعملان في مجال التحقيق وكشف الفساد والانتهاكات المرتبطة بالحروب والموارد الطبيعية)، خلصت إلى أن هذه الإجراءات لم تمس الحلقة الأكثر أهمية في سلسلة الإمداد،

والمتمثلة في شبكات التهريب والمصافي وشركات الوساطة، ومراكز التجارة الإقليمية التي يعاد عبرها تصدير الذهب ودمجه في السوق العالمية. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وفي هذا السياق، يرى كبير مستشاري السياسات لشؤون السودان في مؤسسة "ذا سنتري" للأبحاث في واشنطن برايان أديبا،

والذي يعنى بدراسة الشبكات المالية التي تغذي الصراع العنيف، أن "الأرباح الضخمة المتأتية من تجارة الذهب غير المشروعة لا تتولد داخل المناجم فحسب، بل عبر منظومة مالية ولوجيستية معقدة تمتد من مناطق التعدين إلى المعابر الحدودية، ثم إلى شركات الشحن والتكرير والتجارة الدولية،

بما يسمح بتحويل الذهب سريعاً إلى سيولة تستخدم في شراء الأسلحة وتمويل العمليات العسكرية. ولهذا، فإن استهداف شركات منفردة أو أفراد، مهما بلغت أهميتهم،

لا يؤدي إلا إلى إعادة تشكيل الشبكات نفسها بأسماء جديدة ومسارات بديلة. ومن هذه الزاوية، يرى مراقبوان أن العقوبات الأوروبية الأخيرة تمثل تحولاً نوعياً، إذ انتقلت من استهداف الأفراد إلى استهداف نشاطهم".

وتؤكد المحامية وصال عبدالله أن هذا النهج ينسجم مع مفهوم "العقوبات الموجهة"، الذي يركز على تعطيل الموارد التي تمول الحرب، مع تجنب الإضرار المباشر بالسكان المدنيين عبر استثناءات إنسانية ملزمة قانوناً. وتؤكد أن "مع ذلك،

فإن فاعلية هذه العقوبات ستظل رهناً بمدى اتساع نطاق التنسيق الدولي، لأن الاتحاد الأوروبي لا يمثل سوى جزء من السوق العالمية للذهب. فإذا استمرت مراكز التكرير والتجارة داخل دول أخرى في استقبال الذهب السوداني من طريق شبكات التهريب العابرة للحدود، وهي قادرة على تغيير مساراتها وإخفاء منشأ المعدن،

فإن أثر العقوبات سيبقى محدوداً، وإن كان يرفع الكلفة القانونية والمالية على المتعاملين، ويضيق تدريجاً مساحة الحركة أمام اقتصاد الحرب. ولهذا،

فإن النجاح الحقيقي لا يتطلب معاقبة المنتج وحده، بل استهداف سلسلة القيمة بأكملها، من المنجم إلى المصافي مروراً بشركات النقل والوسطاء والمؤسسات المالية، باعتبارها الحلقة التي تمكن الذهب من التحول من مورد طبيعي إلى وقود يُطيل أمد الحرب".

تأثير محدود من جهة أخرى، قال الأكاديمي والباحث الاقتصادي محمد الناير إن "بيانات وتقارير بنك السودان المركزي لا تشير إلى وجود أي صادرات رسمية من الذهب السوداني إلى دول الاتحاد الأوروبي خلال العامين الأخيرين، وهو ما يحد عملياً من الأثر المباشر للقرار الأوروبي على حركة الصادرات الحالية". وأوضح أن "قيمة صادرات الذهب السوداني للدولة خلال عام 2025 بلغت نحو 1.5 مليار دولار،

توزعت بواقع 865 مليون دولار إلى الإمارات، و517 مليون دولار إلى مصر، و77 مليون دولار إلى سلطنة عمان، و40 مليون دولار إلى قطر،

و30.5 مليون دولار إلى إثيوبيا، ونحو 6.5 مليون دولار إلى الأردن، من دون تسجيل أي صادرات إلى دول الاتحاد الأوروبي". وأضاف أن "صادرات الربع الأول من عام 2026 بلغت نحو 371 مليون دولار،

منها 225 مليون دولار إلى مصر، و102 مليون دولار إلى سلطنة عمان، و34 مليون دولار إلى إثيوبيا، ونحو 9 ملايين دولار إلى قطر"،

مؤكداً أن "السوق الأوروبية لم تكن ضمن وجهات الذهب السوداني خلال هذه الفترة". ويرى الناير أن "القيمة الفعلية للقرار الأوروبي ستتوقف على ما إذا كانت الدول المستوردة للذهب السوداني تعيد تصديره إلى الأسواق الأوروبية"، موضحاً أن "الوجهات التي يرجح السودان توسيع صادراته إليها، مثل الصين وروسيا والهند وتركيا،

لا تستورد الذهب في كثير من الحالات بغرض إعادة بيعه وإنما لتعزيز احتياطاتها الاستراتيجية لدى البنوك المركزية، في ظل سباق عالمي متزايد على تنمية احتياطات الذهب باعتباره أحد أهم الأصول الآمنة". ويشير إلى أن "هذا التوجه يقلل من احتمالات تأثر صادرات السودان بالقيود الأوروبية، طالما استمرت الأسواق البديلة في استيعاب الإنتاج".

وأفاد الناير بأن "جوهر القرار الأوروبي يرتبط بمحاولة الحد من الموارد المالية التي تستفيد منها قوات "الدعم السريع" لإطالة أمد الحرب، أكثر من كونه يستهدف الدولة السودانية واقتصادها بصورة مباشرة". وأوضح أن "عائدات الذهب، من منظور المالية العامة،

تمثل مورداً سيادياً يدخل ضمن الموازنة العامة للدولة وميزانها التجاري، ويستخدم في تمويل الإنفاق على الخدمات الأساس والقطاعات الحكومية". وأضاف أن "القرار، في حد ذاته،

لن يؤدي إلى تراجع إنتاج الذهب، بل قد يدفع السلطات إلى تعزيز الاحتفاظ بجزء أكبر من الإنتاج ضمن احتياطات بنك السودان المركزي، بما يتيح استخدامه كضمان للحصول على التمويل، ودعم استقرار سعر صرف الجنيه السوداني،

شريطة إحكام السيطرة على عمليات التهريب، وتنويع الصادرات، وتقليص الاعتماد المفرط على الذهب بوصفه المصدر الرئيس للنقد الأجنبي".   تكشف التجربة الممتدة منذ اندلاع الحرب في السودان أن العقوبات الدولية،

على رغم تصاعدها تدريجاً، لم تنجح في إحداث تحول جوهري في اقتصاد الحرب (اندبندنت عربية - حسن حامد) تنسيق أوسع على رغم أن من المبكر اعتبار العقوبات الأوروبية نقطة تحول حاسمة في مسار الحرب، فإنها قد تمثل بداية انتقال نوعي في مقاربة المجتمع الدولي، من معاقبة الأفراد والكيانات إلى استهداف اقتصاد الحرب نفسه.

ويذهب عدد من الباحثين في اقتصاد النزاعات إلى أن الذهب لم يعد مجرد سلعة تصديرية في السودان، بل أصبح البنية المالية التي تتيح استمرار العمليات العسكرية، وهو ما يجعل أي قيود على تداوله تستهدف، بصورة غير مباشرة،

القدرة على تحويل السيطرة الميدانية إلى موارد مالية مستدامة. وفي هذا السياق، تبدو قوات "الدعم السريع" الطرف الأكثر عرضة للتأثر، بالنظر إلى ما وثقته تقارير الأمم المتحدة وبعض المنظمات الدولية من اعتمادها على شبكات استخراج وشراء وتهريب الذهب،

ولا سيما في دارفور وأجزاء من كردفان، لتمويل شراء الأسلحة ودفع رواتب المقاتلين وتأمين سلاسل الإمداد. وإذا نجح الاتحاد الأوروبي في توسيع نطاق العقوبات مستقبلاً ليشمل شركات الوساطة والمصافي وشركات النقل والتأمين، والمؤسسات المالية التي تيسر تداول الذهب السوداني،

فقد ترتفع كلفة الالتفاف على العقوبات، حتى وإن لم تتوقف التجارة غير المشروعة بالكامل. في المقابل، لن يكون هذا المسار كافياً ما لم يترافق مع تنسيق أوسع مع مراكز تجارة الذهب الإقليمية والدولية،

وتشديد متطلبات الإفصاح عن منشأ الذهب، وإخضاع المصافي والوسطاء لقواعد أكثر صرامة في مجال العناية الواجبة. وتجمع الأدبيات المتخصصة على أن الذهب، بعد صهره وإعادة دمغه،

يصبح من أكثر السلع قابلية لإخفاء المنشأ، وهو ما يمنح شبكات التهريب قدرة كبيرة على تغيير المسارات والتكيف مع الضغوط القانونية. وعلى الجانب الحكومي، قد تمثل العقوبات حافزاً لإعادة هيكلة إدارة القطاع بدل الاكتفاء بردود الفعل السياسية،

إذ يدعو اقتصاديون ومسؤولون سابقون في قطاع التعدين منذ أعوام إلى توسيع مشتريات "بنك السودان المركزي" من الذهب، والاحتفاظ بجزء أكبر من الإنتاج ضمن الاحتياطات الرسمية، بما يعزز قدرة الدولة على استخدام الذهب كأصل سيادي يدعم الاستقرار النقدي ويُستخدم كضمان للحصول على التمويل الخارجي، بدلاً من تصديره الخام في ظل ظروف استثنائية.

ويتوقع أن تتجه الحكومة، إذا استقرت الأوضاع الأمنية، إلى تشديد الرقابة على منافذ التهريب وتطوير أنظمة التتبع والاعتماد، وتوسيع قنوات الشراء الرسمية،

وربما إنشاء سوق أو بورصة وطنية للذهب تخضع لرقابة البنك المركزي والجهات التنظيمية، بما يسمح بتسعير أكثر شفافية، وربط الإنتاج المحلي بالأسواق الدولية وفق معايير الامتثال ومكافحة غسل الأموال. غير أن نجاح هذه السيناريوهات سيظل رهناً بإنهاء الحرب واستعادة الدولة سيطرتها على مناطق التعدين،

لأن أي إصلاح مؤسسي سيبقى محدود الأثر ما دامت المناجم، وطرق النقل، وسلاسل التصدير، خاضعة لتوازنات عسكرية أكثر منها اقتصادية.