✒️ أحمد القرشي وجّه رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بإلغاء قرارات حظر استيراد عدد من السلع، وإعفاء الدقيق والأرز والبقوليات وزيوت الطعام والخضروات والفواكه من الرسوم الجمركية،

وفتح استيراد الخضروات والفواكه أمام جميع التجار، بعد استدعاء وزير المالية ووزيرة التجارة على خلفية الأزمة المعيشية الخانقة. خطوات تصحيحية شجاعة تستدعي التدخل الشامل للإنقاذ إنها خطوة رئيسية شجاعة لتدارك تداعيات اقتصادية واجتماعية قد تبلغ حد الكارثة، وإعادة الاعتبار لقوت الناس في بلد أنهكته الحرب والغلاء واضطراب الإمدادات.

لكن قيمتها الحقيقية ستُقاس بسرعة تنفيذها، وبمقدار ما تخففه من الأسعار، لا بمجرد صدورها. غير أن شجاعة التصحيح تفرض سؤالاً لا يجوز تجاوزه،

كيف بلغت السياسات الاقتصادية هذا القدر من التخبط حتى استدعت تدخلاً مباشراً من رأس الدولة؟ وأين كانت دراسات الأثر والتنسيق بين الوزارات قبل اتخاذ قرارات تمس حياة الملايين؟ إن حماية الإنتاج الوطني لا تكون بصناعة الندرة، ولا بإغلاق الأسواق قبل توفير البدائل.

وما يحتاجه السودان سياسة اقتصادية متماسكة تحمي المنتج والمستهلك معاً، لا قرارات متناقضة يدفع المواطن ثمنها. والأخطر أن تصبح إدارة الدولة سلسلة من التدخلات الاستثنائية؛ تتعثر المؤسسات، وتتفاقم المعاناة،

ثم يأتي التصحيح بعد وقوع الضرر. فالدولة القوية ليست التي تنجح في إطفاء الحرائق فحسب، وإنما التي تمتلك مؤسسات قادرة على منع اشتعالها. البرهان مسؤوليته تاريخية لقيادة انتقال وطني شامل وهنا تتجاوز مسؤولية البرهان التاريخية معالجة أزمة الأسعار إلى قيادة انتقال وطني شامل،

عبر صيغة دستورية جديدة، علمية ومدروسة، تحدد اختصاصات مؤسسات الحكم، وتؤسس لانتقال مدني منظم،

وجيش وطني واحد، وقضاء مستقل، ومشاركة سياسية واسعة تنتهي إلى تفويض شعبي حر. فبعد عظيم التضحيات،

لم يعد كافياً إنقاذ البلاد من خطر آني؛ المطلوب إنقاذ مستقبلها من إعادة إنتاج أسباب المحنة. وليس في هذه الدعوة انتقاص من تضحيات المؤسسة العسكرية ودورها في الحفاظ على الدولة، بل تطلع إلى استكمال تلك التضحيات بإنجاز سياسي ودستوري يجعل السودان أكبر من الأشخاص والمناصب والظروف الاستثنائية. وقد تكون أعظم خدمة يقدمها البرهان لوطنه أن يتحمل مسؤولية قيادة هذا التحول،

وأن يضع أسس دولة تستطيع الاستمرار دون الحاجة إلى تدخله في كل أزمة. مواجهة الخطر المحدق بالسودان وأهله تستدعي من المسؤولين نضجاً واتزاناً ورفعة؛ فالنقد لا يهدم الحكومة، وإنما يحميها من أخطائها، والهيبة الحقيقية تُكتسب بالعدل والإنجاز وخدمة الناس.

من إنقاذ الدولة لحكمة بنائها لقد آن للسودان أن ينتقل من شجاعة إنقاذ الدولة إلى حكمة بنائها؛ من إدارة الضرورات إلى تأسيس الشرعية، ومن سلطة الأشخاص إلى قوة المؤسسات. فالتضحيات العظيمة لا ينبغي أن تنتهي إلى مجرد بقاء الدولة، بل إلى ولادة دولة تستحق تلك التضحيات.