تقرير – القسم الاقتصادي تشهد البلاد، منذ اندلاع حرب العدوان على السودان في أبريل 2023 من قبل ميليشيا الدعم السريع، انهياراً اقتصادياً يتجلى في تضخم مرتفع وانخفاض لقيمة الجنيه وشح في السيولة. غير أن أخطر ما يواجه الاقتصاد حالياً هو تحول العملة نفسها إلى ساحة حرب،

عبر طباعة وتداول فئات نقدية مزورة خارج سيطرة بنك السودان المركزي، خاصة في مناطق سيطرة ميليشيا الدعم السريع في دارفور. هذا التطور ليس مجرد تزوير تقليدي، بل حرب عدوان ممنهجة،

تشكل آلية لتفتيت السيادة النقدية للدولة وتقويض أي جهود لاحتواء الأزمة. في 2024، أعلن بنك السودان المركزي سحب فئات قديمة من فئة 500 و1000 جنيه وإصدار فئات جديدة معززة أمنياً، بهدف السيطرة على الكتلة النقدية والحد من التزوير.

رفضت ميليشيا الدعم السريع هذه الخطوة ومنعت تداول العملة الجديدة في مناطقها، ما أدى إلى شح نقدي حاد هناك. وفي مايو 2026، ظهرت أوراق نقدية جديدة مؤرخة بمايو 2022،

تحمل توقيع محافظ بنك السودان السابق حسين يحيى جنقول، الذي عينه قائد الميليشيا محافظاً لبنك مركزي موازٍ في نيالا في 21 مايو 2026. أكدت تقارير رويترز أن هذه الأوراق جديدة وغير مستخدمة، وقال مصرفيون في نيالا إنها مطبوعة حديثاً،

رغم أنها تشبه العملة ما قبل الحرب. طباعة مزورة خارج السودان قالت مصادر مطلعة لـ(السوداني) إن العملات المزورة المتداولة في المناطق التي تحتلها الميليشيا في دارفور تتم طباعتها في مطابع خارج السودان. وأكدت ذات المصادر أن طائرة قادمة من خارج السودان هبطت أمس الأول في مطار نيالا، محملة بصناديق تحوي الفئة النقدية المزورة من فئة الألف جنيه،

تحاكي الفئة الجديدة التي عليها توقيع محافظ بنك السودان المركزي في الخرطوم. المدير العام لمطابع السودان للعملة محمد عبدالرحمن كروري، أكد في منتدى دولي بإسطنبول في سبتمبر 2026، أن بنك السودان المركزي هو الجهة الوحيدة المخولة قانوناً بإصدار العملة والتعاقد على طباعتها عبر المطابع الرسمية.

وأي عملية خارج هذا الإطار غير مشروعة وتمثل مساساً بسيادة الدولة. كما سبق أن أعلنت السلطات في الخرطوم في 2025 ضبط خلايا ومصانع تزوير مرتبطة بميليشيا الدعم السريع في شرق الخرطوم، تضم ماكينات طباعة ومواد خام. التضخم والفجوة في ظروف حرب العدوان التي دمرت الإنتاج والبنية التحتية،

وأدت إلى انكماش الناتج المحلي بنحو 40% وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن أي زيادة في الكتلة النقدية دون زيادة مقابلة في الناتج الحقيقي تؤدي حتماً إلى ارتفاع مستوى الأسعار (التضخم). وبالتالي فإن ما يحدث الآن من تدهور في قيمة الجنيه السوداني تسهم فيه العملات المزورة التي تضخها الميليشيا وداعموها الإقليميون بصورة كبيرة. وثقت تقارير سابقة استخدام الدعم السريع لعملات مزورة ومطبوعة خارج النظام الرسمي لدفع رواتب مقاتليه وتمويل عملياته.

عندما تدخل هذه الأوراق إلى السوق، خاصة إذا استُخدمت لشراء سلع من مناطق سيطرة القوات المسلحة أو ذهب من المعدنين، فإنها تزيد الطلب على السلع والخدمات الحقيقية دون زيادة العرض، ما يرفع الأسعار فوراً.

كما تُستخدم لشراء العملات الأجنبية، ما يضغط على سعر الصرف الموازي. انهار الجنيه من نحو 500 جنيه للدولار قبل الحرب إلى مستويات تجاوزت 5000 جنيه في 2026، ووصل في السوق الموازي في أكتوبر 2026 إلى حوالي 9000 جنيه للدولار في بعض التعاملات،

بينما بقيت أسعار البنوك الرسمية أقل بكثير (حوالي 4300-5000). هذه الفجوة تعكس فقدان الثقة بالعملة وانتشار التعامل بالدولار في المعاملات الكبرى. بلغ التضخم 26.14% في أغسطس 2026، منخفضاً من 41.61% في يوليو وفق تصريحات رسمية،

لكنه يبقى مرتفعاً. وتشير بعض التقديرات البديلة، مثل تلك المرتبطة بسوق الصرف، إلى ضغوط سعرية أعلى من الأرقام الرسمية،

بسبب استمرار الحرب وتراجع قيمة الجنيه وتزوير العملات الذي تنتهجه الميليشيا، وتأثر سلاسل التوريد. كذلك ارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل حاد. على سبيل المثال،

سجلت تقارير محلية ارتفاعاً كبيراً في أسعار السكر والمواد الغذائية وأسعار المحروقات. عندما يشتري حائزو العملة المزورة سلعاً من مناطق سيطرة القوات المسلحة — وقد ضبطت السلطات السودانية العديد من الشاحنات المحملة بالبضائع كانت في طريقها إلى المناطق التي تحتلها الميليشيا — أو ذهباً من مناطق التعدين، ينتقل الضغط التضخمي إلى الاقتصاد السوداني ككل. الذهب،

الذي يُهرب بكميات كبيرة ويُعد مصدراً رئيسياً للعملة الأجنبية، يُشترى بهذه الأوراق ثم يُصدر أو يُهرب، ما يحرم الدولة من إيرادات حيوية ويغذي الطلب على الدولار. والنتيجة الحتمية لهذا التزوير الممنهج هي تآكل القوة الشرائية للمواطن العادي،

وزيادة صعوبة استيراد السلع الأساسية. خلق نظام نقدي موازٍ يرى بروفيسور سليمان مكاوي، الخبير الاقتصادي، أن هذا النموذج يمثل شكلاً جديداً من الحرب الاقتصادية،

وقال لـ(السوداني): “ما يحدث ليس مجرد سرقة موارد أو تهريب ذهب، بل خلق نظام نقدي موازٍ يضعف العملة رمز سيادة الدولة الأساسي”. وأضاف: “تعيين محافظ سابق لقيادة بنك موازٍ، وتداول أوراق تحمل توقيعه،

يعطي غطاءً شكلياً لعملية خارج الرقابة الرسمية، والهدف الأوسع تقويض جهود السلطات المركزية لاحتواء الأزمة النقدية وإعادة الثقة بالعملة”. واعتبر بروفيسور مكاوي هذا التزوير الممنهج أشد تأثيراً من المسيرات أو الضربات الجوية في بعض الجوانب، لأنه يصيب مباشرة لقمة عيش المواطنين ويعمق الانقسام الجغرافي الاقتصادي،

مما يهدد وحدة الدولة على المدى الطويل. ميليشيا تطبع.. وحكومة تستدين! أكد الخبير الاقتصادي والصحفي المخضرم د.

خالد التجاني النور، في تحليله العميق لـ(السوداني)، أن استخدام ميليشيا الدعم السريع عملات مزورة في المناطق خارج سيطرتها يمثل إحدى أدوات العدوان الاقتصادي على الدولة السودانية، ضمن سلسلة وسائل استهدفت موارد البلاد واقتصادها منذ اندلاع الحرب.

وأوضح التجاني أن هذه العملات المزورة، إلى جانب التلاعب بالسيولة في مناطق الدعم السريع، تُعد جزءاً من الضغط على الاقتصاد الوطني، لكنها لا تفسر وحدها التسارع الحاد في انخفاض سعر صرف الجنيه السوداني خلال الأشهر السبعة أو الثمانية الماضية.

وأشار إلى أن السنوات الأولى من العدوان، منذ أبريل 2023، شهدت تراجعاً اقتصادياً يمكن وصفه بالمعقول نسبياً في ظل ظروف حرب ضارية، دون انهيار كامل،

بينما تسارعت وتيرة التدهور مؤخراً لأسباب تتجاوز آثار الحرب والتزوير. غياب الرؤية وأرجع د. التجاني هذا التسارع إلى سوء إدارة الملف الاقتصادي من قبل الحكومة، وغياب رؤية وبرنامج وخطة واضحة،

واضطراب السياسات المالية والنقدية. ولفت إلى أن الاستدانة المفرطة من بنك السودان المركزي، التي تجاوزت الحدود القانونية البالغة 15% من الإيرادات المتوقعة، أدت إلى طباعة أموال وزيادة السيولة،

وبالتالي ارتفاع التضخم وانخفاض سعر الصرف، وهي ممارسات كانت قائمة حتى قبل الحرب بسبب ضعف استقلالية البنك المركزي. كما انتقد د. التجاني الإنفاق الحكومي المرتفع وغير الضروري في ظل ظروف الحرب،

حيث تتصرف الحكومة وكأنها في وضع طبيعي، مع وجود ترهل إداري وعدد كبير من الوزارات والمؤسسات، بدلاً من تشكيل حكومة طوارئ رشيقة محدودة العدد ذات كفاءة عالية وتطبيق تقشف صارم في الإنفاق المدني. وفي ملف الذهب،

أشار د. التجاني إلى أن السودان أنتج نحو 70 طناً العام الماضي بقيمة تقارب 10 مليارات دولار، لكن ما وصل رسمياً إلى البنك المركزي لم يتجاوز نحو 15 طناً (حوالي 1.6 مليار دولار)، بينما سُجل الباقي في بند التهريب بقيمة تصل إلى نحو 8 مليارات دولار.

ووصف الأمر بأنه ليس تهريباً تقليدياً بقدر ما هو تصدير تقوم به جهات نافذة تتحكم في العائدات خارج نظام الخزينة الموحدة، مما يفقد الدولة السيطرة على مواردها. الصورة الكاملة وأكد التجاني أن العملات المزورة وعمليات التهريب أدوات حرب حقيقية، لكنها لا تقدم الصورة الكاملة،

مشدداً على ضرورة تفعيل الخزينة الموحدة، واحترام قانون البنك المركزي، وإعلان برنامج اقتصادي واضح، وتشكيل حكومة طوارئ رصينة قادرة على إدارة الموارد بكفاءة وفرض تقشف حقيقي،

للحد من التدهور المتسارع في سعر الصرف والقوة الشرائية للمواطنين. تحليل فريق (السوداني) تكشف الأدلة المتاحة من تقارير وبيانات وضبطيات سابقة عن اختلال نقدي بنيوي يتمثل في تداول عملة خارج نطاق السيطرة الرسمية داخل المناطق التي يحتلها الدعم السريع، وهو اختلال يولد آثاراً تضخمية واضحة ومثبتة علمياً عبر توسع غير منضبط في الكتلة النقدية دون أي التزام بمعايير الطباعة أو قواعد الإصدار. وفي غياب رقابة مركزية على قاعدة النقود وعمليات الإصدار،

تتسارع ديناميكية الانهيار التضخمي من خلال حلقة مفرغة من تآكل القوة الشرائية وفقدان الثقة بالعملة المحلية، بما يحول عملية الطباعة غير المشروعة إلى مصدر موازٍ للسيولة يهدد استقرار الأسعار ويزيد من تكاليف المعاملات ويعمق التشوهات في الأسواق. تتطلب مواجهة هذا الواقع تعزيز الرقابة على الحدود والمطارات، ولا سيما في ضوء التقارير التي تربط رحلات الشحن بالدعم السريع عبر تشاد وليبيا،

وهي تقارير موثقة من الأمم المتحدة، إلى جانب تكثيف التعاون الدولي لكشف مصادر الطباعة غير المشروعة وتتبع سلاسل التمويل المرتبطة بها، فضلاً عن تبني إجراءات نقدية داخلية صارمة تستهدف استعادة السيطرة على المعروض النقدي وإعادة بناء الثقة في العملة. وفي غياب هذه الإجراءات،

يظل المواطن السوداني يتحمل فاتورة حرب اقتصادية لا تقل خطورة عن حرب العدوان التي تشنها ميليشيا الدعم السريع وداعموها في الإقليم والعالم، حيث يتحول التضخم الجامح وتآكل المدخرات إلى أداة إفقار منهجية توازي في آثارها التدميرية العمليات العسكرية المباشرة.