لم تقتصر تداعيات الحرب السودانية، المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023، على ساحات القتال وحدها، بل امتدت إلى البنية المؤسسية للدولة،
فأصابت بالشلل قطاعات حيوية كانت تعاني أصلاً من هشاشة مزمنة. وكان التعليم من بين أكثر هذه القطاعات تعرضاً للضرر، إذ أفضت الحرب إلى تعطيل الدراسة في مساحات واسعة من البلاد، وخروج آلاف المدارس من الخدمة بفعل الدمار أو النزوح أو إعادة توظيفها كمراكز لإيواء المدنيين،
وانقطعت المسارات التعليمية لملايين الطلاب في واحدة من أكبر الأزمات التعليمية التي شهدها السودان في تاريخه الحديث. وخلال ثلاثة أعوام من الحرب، تشكلت خريطة تعليمية غير متجانسة، فرضتها اعتبارات النزوح والأوضاع الأمنية وتباين قدرة الولايات على استئناف الدراسة.
وفي ظل انتقال أعداد كبيرة من السودانيين إلى دول الجوار، برزت تحديات إضافية تتعلق باستمرار التعليم والاختبارات والاعتراف الأكاديمي، مما جعل قضية توحيد التقويم الدراسي واستعادة الحد الأدنى من الانتظام المؤسسي أولوية متقدمة لدى صناع السياسات التعليمية. في هذا السياق،
أقرت وزارة التربية والتعليم السودانية تقويماً دراسياً موحداً للتعليم العام داخل السودان وخارجه، يقضي ببدء الدراسة في الأول من سبتمبر (أيلول) من كل عام، واعتماد الـ13 من أبريل موعداً ثابتاً لانطلاق اختبارات الشهادة الثانوية السودانية. ويكتسب القرار أهمية خاصة لكونه أول إطار زمني قومي موحد يعتمد منذ اندلاع الحرب،
كذا يعكس توجهاً لإعادة بناء انتظام العملية التعليمية على أسس موحدة، وربط المدارس السودانية ومراكز الاختبارات بالخارج بمنظومة زمنية واحدة، في محاولة للحد من آثار التشتت الذي أفرزته الحرب واستعادة قدر من الانضباط والاستقرار في قطاع ظل من أكثر القطاعات تأثراً بتداعياتها. آثار معقدة وفي حين فرضت الحرب دماراً واسعاً على المؤسسات التعليمية في مناطق القتال المباشر،
فإن آثارها امتدت بصورة أكثر تعقيداً إلى الولايات التي استقبلت موجات النزوح الكبرى، إذ واجهت الأنظمة التعليمية المحلية ضغوطاً استثنائية تجاوزت قدراتها الاستيعابية. وقد أدى انتقال ملايين النازحين إلى ولايات أكثر استقراراً إلى ارتفاع كثافة الفصول الدراسية بصورة حادة، واستنزاف الموارد التعليمية المحدودة،
في ما تحولت آلاف المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين، مما قلص المساحات المتاحة للتعليم وأربك انتظام العملية الدراسية. ودفعت الأوضاع الاقتصادية المتدهورة أعداداً متزايدة من الأسر إلى إخراج أطفالها من المدارس، سواء بسبب فقدان مصادر الدخل أو ارتفاع كلف المعيشة أو اللجوء إلى عمالة الأطفال كآلية للبقاء.
أدى انتقال ملايين النازحين إلى ولايات أكثر استقراراً إلى ارتفاع كثافة الفصول الدراسية بصورة حادة (أ ف ب) وتشير أحدث تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) إلى أن السودان يواجه إحدى أشد الأزمات التعليمية في العالم، إذ إن نحو 19 مليون طفل خارج أسوار المدارس، ويواجه أكثر من 5 ملايين طفل في مناطق أقل تأثراً بالنزاع تحديات مرتبطة بإعادة فتح مدارسهم، إذ يظل مصيرها غير مؤكد.
في ما ظلت أكثر من 10 آلاف مدرسة مغلقة أو خارج الخدمة، خصوصاً في دارفور وكردفان والمناطق الأكثر تضرراً من النزاع. واستخدمت آلاف المدارس الأخرى كمراكز إيواء للنازحين، مما فاقم أزمة الوصول إلى التعليم.
وتشير بيانات "اليونيسيف" إلى أن إعادة فتح المدارس خلال عام 2025 أسهمت في خفض عدد الأطفال خارج التعليم إلى نحو 8 ملايين في بعض المناطق التي استعادت الحد الأدنى من الاستقرار، إلا أن الفجوة التعليمية المتراكمة لا تزال ضخمة وتهدد جيلاً كاملاً بخسائر طويلة الأمد في رأس المال البشري. وفي هذا السياق، حذرت منظمة "إنقاذ الطفولة" من أن ملايين الأطفال السودانيين فقدوا ما يقارب 500 يوم دراسي منذ اندلاع الحرب،
وهو انقطاع يتجاوز في بعض المناطق آثار الإغلاقات التي شهدها العالم خلال جائحة "كورونا"، بما يجعل الأزمة التعليمية في السودان واحدة من أكثر التداعيات عمقاً واستدامة للحرب الجارية. توسع مراكز الخارج مع لجوء ملايين السودانيين إلى دول الجوار، شهدت المدارس السودانية في الخارج توسعاً في أعداد الطلاب والمؤسسات التعليمية،
وأصبحت تستوعب شريحة متزايدة من الطلاب الذين تعذر عليهم الالتحاق بالمدارس داخل السودان أو الاندماج في الأنظمة التعليمية للدول المستضيفة. وتتوزع هذه المؤسسات بين مدارس "الصداقة" التابعة لوزارة التربية والتعليم السودانية في مصر وليبيا وتشاد، ومدارس أهلية ومجتمعية تديرها الجاليات السودانية، أو مؤسسات تعليمية خاصة في دول الخليج وشرق أفريقيا وأوروبا،
إضافة إلى عشرات مراكز اختبارات الشهادة السودانية المنتشرة في السعودية والإمارات وسلطنة عمان ودول أخرى. وفي إطار سعيها إلى استعادة قدر من الانتظام المؤسسي، أكدت السفارات السودانية بالخارج عدم الاعتراف بأي "عام ممتد" أو برامج دراسية تسبق الموعد الرسمي. غير أن واقع التعليم السوداني بالخارج يظل متفاوتاً بين دولة وأخرى.
ففي السعودية، حيث يتركز عدد كبير من الأسر السودانية التي غادرت البلاد خلال الحرب، ينظر كثير من أولياء الأمور إلى توحيد التقويم الدراسي بوصفه خطوة ضرورية للحفاظ على الاعتراف الأكاديمي بالشهادة السودانية، وضمان انتقال أبنائهم بين المدارس ومراكز الاختبارات من دون تعقيدات إجرائية.
ويقول مصطفى يوسف أحد أفراد الجالية السودانية في الرياض إن "توحيد التقويم الدراسي يضع حداً لحال التباين التي نشأت خلال أعوام الحرب، ويمنح الأسر قدراً أكبر من اليقين عند التخطيط للمسار التعليمي لأبنائها". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وفي مصر، أدى التوسع السريع للمدارس المجتمعية إلى ظهور أكثر من 300 مؤسسة تعليمية قبل أن تبدأ السلطات المصرية منذ عام 2024 إجراءات لتقنين أوضاعها وإخضاعها للأطر القانونية والتنظيمية المصرية.
وفي مارس (آذار) الماضي ناقش وزيرا التربية والتعليم السوداني والمصري التهامي الزين ومحمد عبداللطيف آليات تنظيم المدارس السودانية ونظم التقييم والاختبارات وتوفيق أوضاع المؤسسات التعليمية السودانية العاملة هناك. ويرى محمود الطاهر، ولي أمر لطالبين بإحدى المدارس السودانية في القاهرة، أن القرار "يوفر إطاراً أكثر استقراراً للعملية التعليمية،
لكنه يظل مرتبطاً بمدى نجاح جهود تقنين المدارس وضمان استمرارها". وفي ليبيا، التي تضم إحدى أقدم مدارس الصداقة السودانية، تؤكد هيبات قسم الله والدة ثلاثة من الطلاب بإحدى المدارس السودانية،
أن أهمية القرار تكمن في "ربط الطلاب بالخارج بمنظومة تعليمية موحدة، بما يحافظ على قيمة الشهادة السودانية ويحد من آثار التشتت الذي فرضته الحرب". تحديات ماثلة تحولت المخاوف التي أثيرت مطلع هذا العام في شأن احتمال انقسام منظومة التعليم الثانوي في السودان إلى واقع عملي مع شروع الإدارة التابعة لتحالف "تأسيس" المدعوم من قوات "الدعم السريع" في تنظيم اختبارات للشهادة الثانوية داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها. فبعد اكتمال اختبارات الشهادة السودانية التي أجرتها وزارة التربية والتعليم السودانية في أبريل الماضي،
داخل البلاد وخارجها، بمشاركة 564 ألف طالب وطالبة موزعين على أكثر من 3 آلاف مركز، انطلقت في يونيو (حزيران) الجاري اختبارات موازية من مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور خارج إشراف وزارة التربية والتعليم التابعة للحكومة السودانية. وبينما رفضت الخرطوم الخطوة وعدتها إجراء يفتقر إلى الشرعية القانونية،
رأى تربويون أن خطورتها تتجاوز البعد التعليمي إلى ما قد تفضي إليه من تكريس للانقسام المؤسسي في أحد أهم الرموز الوطنية الجامعة، وهو الشهادة السودانية. غير أن أزمة التعليم في السودان أعمق من الجدل حول الاختبارات، فالحرب ألحقت أضراراً جسيمة بمقومات العملية التعليمية نفسها،
سواء في الولايات المتأثرة بالقتال أو تلك التي استقبلت موجات النزوح. ففي مناطق النزاع، خرجت مدارس كثيرة من الخدمة بفعل الدمار أو النهب أو استخدامها كمراكز إيواء، بينما واجهت الولايات الآمنة نسبياً اكتظاظاً حاداً في الفصول واستنزافاً للموارد التعليمية نتيجة التدفقات السكانية الكبيرة.
تحولت آلاف المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين، مما قلص المساحات المتاحة للتعليم (اندبندنت عربية - حسن حامد) ويقول المعلم بإحدى مدارس ولاية نهر النيل فتحي الخليل "إن التحدي لم يعد فتح المدارس فحسب، بل توفير تعليم ذي جودة مقبولة في ظل النقص الحاد في المعلمين والوسائل التعليمية وارتفاع الكثافة الصفية". وتفاقمت الأزمة مع اضطراب رواتب المعلمين وتراجع قيمتها الفعلية بفعل التضخم،
مما دفع أعداداً منهم إلى مغادرة المهنة أو البحث عن مصادر دخل بديلة. وتشير صباح عوض الكريم، وهي أم نازحة من الخرطوم إلى أن الضغوط المعيشية دفعت كثيراً من الأسر إلى تأجيل تعليم أبنائها أو إخراجهم من المدارس، فيما اتجه بعض الأطفال إلى العمل لمساندة أسرهم.
وبين تراجع التحصيل الدراسي واتساع الفاقد التعليمي والضغوط النفسية التي خلفتها الحرب، يواجه السودان اليوم تحدياً يتجاوز استئناف الدراسة إلى إنقاذ جيل كامل من آثار واحدة من أعمق الأزمات التعليمية في تاريخه الحديث. مصير التعليم يبقى مستقبل التعليم في السودان رهيناً بمسار الأزمة السياسية والعسكرية ذاتها، وبما إذا كانت ستؤول إلى تسوية تحفظ الحد الأدنى من وحدة الدولة ومؤسساتها،
أو إلى مزيد من التشظي الذي يرسخ أنظمة تعليمية متوازية. وفي كلتا الحالين، لا يمكن فصل مصير القطاع عن معادلة الموارد الوطنية، إذ يتراجع الإنفاق التعليمي لمصلحة متطلبات الحرب،
وتتسع فجوات التمويل أمام خطط التعافي، بما يهدد استدامة أية تدخلات إصلاحية ما لم تبن على توافق سياسي وتمويل متعدد الأطراف. غير أن المشهد لا يخلو من محددات قد تعيد تشكيل مسار التعليم، في مقدمها قدرة دول الجوار على استيعاب الأعباء المتزايدة للاجئين السودانيين،
ومدى استعدادها للدخول في ترتيبات تعليمية مشتركة. كذا يبرز غياب خطط تشغيل مرنة للقطاع التعليمي داخل السودان، بما في ذلك ضعف بدائل التعليم الطارئ، وتراجع البنية الإدارية القادرة على إدارة ازدواجية الواقع التعليمي بين الداخل والخارج.
وتشير تجارب التدخلات الدولية إلى أن الاستجابة، على رغم أهميتها، لا تزال دون مستوى حجم الأزمة. فقد موَّل الاتحاد الأوروبي برامج تعليمية بقيمة 32 مليون دولار عبر منظمة "أنقذوا الأطفال"،
استفاد منها نحو 56 ألف طفل في ست ولايات. وأطلقت "اليونيسكو" مبادرة "متحدون لاستعادة التعليم في السودان" ضمن خطة 2025- 2027 بكلفة تقديرية تبلغ 580 مليون دولار، لم يؤمن منها سوى جزء محدود حتى الآن. وفي السياق ذاته،
أعادت "اليونيسيف" وشركاؤها إدماج أكثر من 2.4 مليون طفل عبر مئات مراكز التعلم، بينما خصص صندوق "التعليم لا ينتظر" منحاً طارئة لدعم الأطفال اللاجئين، من بينها مليونا دولار في مصر تستهدف أكثر من 20 ألف طفل. إن استعادة جودة التعليم تتطلب إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمعلم،
عبر ضمان الرواتب والتأهيل المهني وتثبيت الكوادر، مع إدماج الدعم النفسي في العملية التعليمية بوصفه جزءاً بنيوياً لا هامشياً. وفي هذا السياق، يمكن لمفهوم "النفير" المجتمعي أن يشكل رافعة محلية مساندة،
لكنه يظل غير كافٍ من دون تدخل مؤسسي ودعم دولي منظم.