تحولت موارد اقتصادية حيوية في السودان من أدوات للتنمية إلى أهم مصادر تمويل الحرب الممتدة على مدى أعوامها الثلاثة الماضية، فمع انهيار الرقابة الحكومية، خرج قطاع الصمغ العربي بالكامل تقريباً من سيطرة الدولة، وتحول إلى مصدر تمويل مرن وسريع لأطراف النزاع بخاصة قوات "الدعم السريع"،
كونه مصدراً للدولار النقدي المطلوب عالمياً، فضلاً عن سهولة تهريبه وتحويله مباشرة لشراء السلاح والوقود وتوفير سيولة تسيير العمليات الحربية. وسط القتال المستعر تنشط في صحارى دارفور الوعرة ومناطق بكردفان شبكات تهريب الصمغ العربي عبر حدود دول الجوار الأفريقي لتمول وتُغذي أوزار الحرب وتطيل أمدها، مما جعل المدنيين يدفعون ثمن الانهيار المعيشي،
وإعادة إنتاج العنف يوماً بعد يوم. وبسبب سيطرة قوات "الدعم السريع" وهيمنتها على مناطق الإنتاج الذي يرتكز على أشجار الهشاب والطلح المنتشرة بكثافة في ولايات دارفور الخمس وأقاليم كردفان الثلاثة، إلى جانب تحكمها في مسارات وشبكات التهريب الإقليمية الممتدة عبر الصحراء إلى كل من ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى، بات الصمغ العربي المهرب أكبر مصادر تمويل الحرب،
حيث تتم مقايضته بالوقود والسلاح. تمويل مباشر في السياق، قال المتخصص في الاقتصاد السياسي يوسف عبادي إن "قطاع الصمغ العربي تحول فعلياً إلى مصدر تمويل مباشر لأطراف الحرب، مما جعل المنتج هدفاً استراتيجياً للسيطرة،
وباتت تلك الأطراف خصوصاً ’الدعم السريع‘ تدفع ببعض مسلحيها للعمل في مناطق الإنتاج والأنشطة غير الرسمية في بيع الصمغ العربي لتحقيق مكاسب مالية فورية، وتوفير سيولة كبيرة تستخدم لشراء الأسلحة والمعدات العسكرية وتمويل العمليات الحربية". وأضاف أن "الأرباح الضخمة المتأتية من تجارة الصمغ العربي غير المشروعة لا تتولد داخل مناطق الإنتاج وحسب، بل عبر منظومة مالية ولوجيستية معقدة تمتد من مناطق الإنتاج إلى المعابر الحدودية،
ثم إلى شركات دولية، بما يسمح بتحويل الصمغ العربي سريعاً إلى سيولة تستخدم في شراء الأسلحة وتمويل العمليات العسكرية". وأوضح عبادي أنه "كلما طال أمد القتال توسعت عمليات تهريب الصمغ العربي عبر حدود دول الجوار الأفريقي، إلى جانب أن السيطرة العسكرية أصبحت تعني وضع اليد على موارد مناطق الإنتاج وتوظيفها في الدعم وتمويل الحرب".
تحكم في الإنتاج بدوره رأى المتخصص في الاقتصاد الكُلي إدريس سليمان أن "الحرب غيرت وظيفة الصمغ العربي جذرياً، إذ تجاوز دوره الاقتصادي ليصبح مورداً استراتيجياً، فقد أحكمت قوات ’الدعم السريع‘ سيطرتها على عدد من أهم مناطق الإنتاج في دارفور وأجزاء من كردفان، مستفيدة من جمع المنتج وتهريبه لتمويل عملياتها العسكرية".
وأشار إلى أن "مناطق الإنتاج الواقعة في القضارف وأجزاء من النيل الأزرق وسنار بقيت تحت نفوذ الجيش السوداني، وهو أيضاً يتحكم في المنتج ويوظفه لتمويل الحرب من خلال نقله إلى بورتسودان للتصدير والاستفادة من أرباح هذا القطاع". كلما طال أمد القتال توسعت عمليات تهريب الصمغ العربي عبر الحدود (أ ف ب) ولفت سليمان إلى أن "حرب السودان حولت موارد البلاد ومسارات التجارة إلى مصادر تمويل مباشرة للقوى المسلحة، باستخدام قطاع الصمغ العربي ونهب المنتجات كافة عقب السيطرة على أحزمة الإنتاج والاستيلاء على المحصول وتهريبه ليتم بيعه في أسواق دول الجوار والاستفادة من الأرباح في شراء الأسلحة وتمويل العمليات الحربية".
وواصل "طالما الصمغ العربي يهرب بكميات كبيرة، والأموال والسلاح لا ينقطعان وشبكات المصالح تتجذر، وتنمو طبقة أثرياء الحرب وتجار الأزمات فإن الصراع المسلح قد يطول، إذ يصعب وقفه من دون إغلاق الطريق أمام تدفقات الصمغ العربي المنهوب".
تحذير أممي من جهتها، دعت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان الدول والشركات والأطراف المرتبطة بصناعة الصمغ العربي في السودان إلى الالتزام بالقانون الدولي، محذرة من أن أرباح هذا القطاع تسهم في استمرار الحرب الأهلية هناك. وقالت المفوضية في تقرير لها إن "كميات كبيرة من المادة نقلت من مناطق تسيطر عليها قوات ’الدعم السريع‘،
وهربت إلى دول عبور مجاورة، إذ تصدر باعتبارها سلعاً منتجة محلياً، مما يجعل تتبعها أمراً صعباً". وأشار التقرير إلى أن "كميات من الصمغ العربي نقلت أيضاً من مناطق تسيطر عليها القوات المسلحة السودانية إلى بورتسودان للتصدير".
وحذر التقرير أيضاً من أن الشركات العاملة في هذا القطاع قد تتعرض لأخطار تتعلق بحقوق الإنسان ناجمة عن النزاع. وأبرز التقرير مثالاً في مايو (أيار) 2025 عندما أفادت تقارير بأن قوات "الدعم السريع" نهبت "بورصة الصمغ العربي" ومستودعاتها وأجزاء من السوق الأوسع نطاقاً في مدينة النهود عاصمة ولاية غرب كردفان، مما أثر في سبل رزق السكان المحليين. ووجدت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن العاملين في هذا المجال واجهوا تهديدات لسلامتهم،
وعانوا عمليات نهب واسعة النطاق من كيانات تشمل طرفي الصراع. ينتج السودان 80 في المئة من إجمال الإنتاج العالمي من الصمغ العربي (أ ف ب) في سياق متصل، حث مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك الشركات على ضمان عدم إسهامها في انتهاكات حقوق الإنسان، أو في استمرار النزاع.
وقال تورك "لا يمكن للشركات أن تواصل أعمالها كالمعتاد عندما تستورد من سلاسل القيمة المتأثرة بالنزاع"، وحث على إجراء تدقيق في مصادر مكوناتها. خطر التهريب على نحو متصل أوضح عضو شعبة مصدري الصمغ العربي في السودان كمال الطاهر أن "جزءاً كبيراً من الصمغ ينقل إلى خارج السودان عبر تجار محليين يدفعون رسوماً لقوات "الدعم السريع" وبعض الميليشيات، قبل أن يشق طريقه نحو دول الجوار عبر معابر غير رسمية وأسواق حدودية متشابكة".
ونوه إلى أن "السودان يواجه صعوبات حقيقية في تحقيق القيمة المضافة من الصمغ العربي، على رغم مكانته المحورية في التجارة الدولية". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وأفاد الطاهر بأن "القيمة السوقية للإنتاج الخام قبل الحرب كانت تراوح ما بين 120 و180 مليون دولار سنوياً، بينما يمكن أن تتصاعد إلى 600 - 800 مليون دولار عند تحويله إلى منتجات صناعية نهائية،
تشمل المستحلبات الغذائية والمكملات الصحية ومستحضرات التجميل والصناعات الدوائية، مما يعكس فجوة هائلة في العائدات المهدرة". ويرى عضو شعبة مصدري الصمغ العربي أن تراجع الأسعار المحلية إلى أقل من 25 دولاراً "للقنطار" (يعادل 100 كيلوغرام)، أفقد المنتجين الحافز،
تزامناً مع نزوح واسع ضرب مناطق الإنتاج في دارفور وأجزاء من كردفان، وترك كثيراً من المزارع تحت سيطرة المجموعات المسلحة لطرفي الحرب، مما جعل المنتج عرضة للتهريب إلى خارج البلاد لتحقيق مكاسب مالية فورية وتوفير سيولة لشراء الأسلحة والمعدات العسكرية. إجمال الإنتاج ينتج السودان 80 في المئة من إجمال الإنتاج العالمي من الصمغ العربي،
ويعمل في هذا القطاع أكثر من 5 ملايين نسمة في 13 ولاية مختلفة، ويحتل حزامه في البلاد مساحة تبلغ 500 ألف كيلومتر. وقاوم حزام الصمغ كل التحديات في السابق من الحظر الدولي، إذ أعفته الولايات المتحدة الأميركية من العقوبات التي فرضت على السودان لنحو 20 عاماً إبان فترة حكم الرئيس عمر البشير،
وسمحت بتصديره بتسهيلات كبيرة لأنه مادة أساسية لصناعة المشروبات الغازية، ويدخل في تركيب أنواع عدة من العقاقير الطبية، علاوة على صناعة الحلويات. ومع اشتداد القتال وتوسعه جغرافياً،
تراجعت قدرات الإنتاج والنقل والتخزين على نحو غير مسبوق، وتشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) إلى أن إنتاج موسم 2023/ 2024 هبط إلى أقل من 40 ألف طن، مقارنة بمتوسط تراوح بين 80 و100 ألف طن قبل الحرب، كذلك يهرب ما يزيد على 40 في المئة من الإنتاج عبر دول الجوار،
تشاد وجنوب السودان والسنغال، حيث يُعاد تصديره تحت تسميات منشأ مغايرة.