في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، شهدت العاصمة السودانية الخرطوم نهاية إرهابي عالمي الشهرة يدعى إيليش راميريز سانشيز، وإن ذاعت شهرته باسم آخر ولقب مختلف. أما الاسم فـ"كارلوس"،
أحد أسمائه المستعارة الكثيرة، واللقب هو "الثعلب"، "كارلوس الثعلب". التصق به الاسم ورافق الصورة الأولى التي نشرت له عام 1975،
وهو في الـ25، وقد أصبح بالفعل إرهابياً دولياً، "مغروراً، يرتدي سترات ضيقة،
وأحذية إيطالية، وربطات عنق أنيقة، وفي بعض الأحيان يحيي بطله الشخصي تشي غيفارا" بقبعة مماثلة لقبعته الشهيرة. وكان كذلك "راقصاً بارعاً،
تطيب له الفنادق الراقية وقوائم النبيذ المنتقاة، ويحب النساء ورفقتهن، والتنقل من مكان إلى آخر وفي كل ذراع من ذراعيه فاتنة". والآن؟
"هو الآن شيخ مسن، وجهه متغضن وعالمه محدود بزنزانة في دير سابق يُعد من أشد سجون فرنسا تأميناً وحراسة. بات يكرر كلامه، ويجتهد ليتذكر التفاصيل،
وإن بقيت أسماء قليلة محفورة في ذاكرته، فلا تزال أسماء من خانوه أو أهانوا رجولته تستنفر غضبه القديم"، ذلك جزء مما كتبه جوبي واريك في مقالة نشرتها "نيويورك تايمز" الشهر الماضي. وواريك صحافي سابق في "واشنطن بوست"،
تخصص في شؤون الأمن الوطني، وكانت مقالته تلك مجتزأ من كتاب صدر له لاحقاً عن "كارلوس" بعنوان (الثعلب: قيام وانهيار كارلوس... أول سوبر إرهابي في العالم) عن دار نشر "سكريبنر" في قرابة 350 صفحة تمثل في تقدير "كيركوس ريفيوز"، "ملحمة من ملاحم الجريمة تبث في قارئها إحساس روايات الإثارة".
لكن غاية واريك من كتابه تتجاوز الإثارة، إذ يكتب في المقالة المذكورة في ما سبق ["نيويورك تايمز"- 23 يوليو (تموز) 2026] أن نمط الإرهاب المرتبط باسم "كارلوس" بدأ ينبعث من جديد، وأنه خلافاً لإرهاب "القاعدة" لا يكاد يبالي بالأيديولوجيا أو التعصب الديني. وه كما خلال عهد "كارلوس"،
إرهاب مصالح وأعمال فوضى تحاك في السر، وينفذها مجرمون بالنيابة عن حكومات ترمي إلى إيذاء أعداء جيوسياسيين. ففي نسخة 2026 من "الإرهاب المأجور"، يستعمل "ثعالب" أيامنا منصات التواصل الاجتماعي المشفرة للمشاركة في ما يطلق عليه بعضهم مصطلح "اقتصاد العنف السريع".
ويمضي واريك في وصف الظاهرة، فيقول إن "الأدلة المتراكمة لدى أجهزة تنفيذ القانون في الغرب تشير إلى انفجار هذه الحالات التي توشك جميعاً أن تكون مرتبطة بروسيا أو بإيران". منذ عام 2022، بعد هجوم روسيا الشامل على أوكرانيا وفي غمرة الصراعات التي أدى إليها هجوم حركة "حماس" عام 2023 على إسرائيل،
توصل محققون إلى أن قرابة 300 عملية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية عُهد بها إلى أشخاص مستقلين يعتقد بأن أجهزة الأمن الروسية أو الإيرانية جندتهم. وتراوح جرائمهم ما بين جرائم حرق استهدفت رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال ربيع العام الماضي، وتفجيرات لمعبد يهودي، وغير ذلك وما يماثله.
في مظاهرة أمام وزارة الخارجية في كراكاس يوم 28 يونيو 2013، للمطالبة بإعادته من فرنسا حيث يقضي عقوبة السجن حالياً (أ ف ب) لمصلحة القضية في استعراضه للكتاب ["نيويورك تايمز"- 10 أغسطس (آب) 2026] كتب دوايت غارنر أن "كارلوس استاء حتماً عام 1975 حينما انتشرت في أرجاء العالم أول صورة تلتقط له. وكان في الـ25، ويظهر في تلك الصورة الملتقطة بالأبيض والأسود،
مرتدياً سترة جلدية، ونظارة بيضاوية داكنة، ويرتسم على وجهه برود آثم. وباتت تلك الصورة أشهر صورة في النصف الثاني من القرن الـ20،
فظهرت في ملصقات المطلوبين للإنتربول، وفي الصفحات الأولى من صحف العالم ومجلاته. وكان يكفيه سوءاً أن نشر الصورة كشف عن هويته"، ولكنه ظهر فيها شبيهاً بالضفدع (وكان شبه متنكر عند التقاط الصورة من أجل جواز سفر مزيف)،
"ولا بد من أنه تألم أيضاً بسبب ظهوره ممتلئاً، إذ كان يعاني امتلاء جسمه منذ طفولته حتى إنهم لقبوه بـ’إل غوردو‘ [وتعني ’البدين‘ في الإسبانية والعهدة على الذكاء الاصطناعي]، وحتى في فترات نحوله كان يمقت ثدييه الممتلئين، حتى إنه أجرى جراحة تجميلية لإزالتهما،
فلعلها، خلافاً للأساطير المشاعة عنه، هي عملية التجميل الوحيدة التي أجراها". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ويشير دوايت غارنر إلى أن كتاب واريك "الشامل الذي يحقق متعة قرائية عظيمة" يطرح "جمعاً كبيراً من تناقضات الثعلب،
من بينها أنه كان فنزويلياً ولكنه أصبح أشهر إرهابي يعمل لمصلحة القضية الفلسطينية، وأنه كان قاتلاً عديم الرحمة ولكنه كان يعد نفسه إنسانياً، وأنه كان يحتقر الإمبريالية الغربية ولكنه وقع في سحر بريقها". ولعل خلفية جوبي واريك باعتباره مراسلاً صحافياً مخضرماً لـ"واشنطن بوست" في شؤون الأمن القومي هي التي جعلت تركيزه في مقالته وكتابه ينصب على طبيعة الإرهاب الذي مارسه "كارلوس الثعلب" خلال المرحلة الأخيرة من حياته،
بعدما انفصل عن القضية الفلسطينية وبات، بحسب رواية واريك، مرتزقاً يستعمله كل من يملك دفع ثمنه. ويرتبط كتاب "الثعلب" بكتاب سابق لواريك فاز بجائزة "بوليتزر" وهو كتاب "الرايات السود: قيام داعش"،
إذ يطرح الكتاب الجديد تاريخاً للإرهاب في مرحلة مبكرة، ويفصّل كيف أسهمت أعمال "كارلوس" في وضع النموذج الذي اتبعه بعد ذلك تنظيما "القاعدة" و"داعش". كان "كارلوس"، بحسب ما ينقل غارنر عن واريك،
ينتمي إلى فصيل جديد شديد الحركية قوي الكاريزما، إذ انضم إلى "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" عام 1970، وأصبح على مدى العقدين التاليين من أهم الإرهابيين المطلوبين في العالم، ويتعقب واريك أعماله الوحشية،
وتخطيطه الدقيق لها. "ومن ذلك أنه في لندن أطلق رصاصة في وجه جوزيف سيف الصهيوني المالك لسلسلة متاجر ’ماركس أند سبنسر‘ العملاقة (التي كارلوس، مصداقاً لطبيعة شخصيته، يتسوق فيها أحياناً)،
ولكن الحظ حالف الملياردير اليهودي فنجا، إذ انحشرت الرصاصات في المسدس بعد الطلقة الأولى". "وفي مطار أورلي بباريس، قاد كارلوس مرتين فرقاً لإطلاق صواريخ أرض- جو على طائرات تابعة لشركة ’العال‘ الجوية الإسرائيلية،
مرة منهما كانت من أعلى سطح مبنى المطار. وفي المرتين أخطأت الصواريخ هدفها". "وفي شارع تجاري في باريس عام 1974، رمى كارلوس قنبلة يدوية على حشد من المتسوقين،
فقتل اثنين وجرح 34. وكان بين الضحايا فتاة صغيرة فقدت يدها. وبعد أقل من سنة قتل كارلوس عنصرين تابعين لمديرية الأمن الإقليمي، وهي وكالة الاستخبارات الفرنسية،
وقتل أحد قادته في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بسبب خيانته له". قاتلاً عديم الرحمة ولكنه كان يعد نفسه إنسانياً (علاف الكتاب- أمازون) "ودأب كارلوس ورجاله على احتجاز الرهائن، وكان من أشهر هذه الوقائع ما شهده اجتماع لمنظمة ’أوبك‘ في فيينا ذات يوم جليدي البرودة في ديسمبر (كانون الأول) عام 1975، في أشهر عملية اختطاف جماعي لمسؤولين حكوميين في واقعة واحدة،
وتحول الحدث إلى مشهد تلفزيوني ضخم، حصل فيه الخاطفون على طائرة نمسوية من طراز ’دي سي 9‘ لينقلوا فيها عشرات الرهائن، واستمر عرض الدراما على الشاشات طوال يومي المفاوضات، إلى أن هبطت الطائرة في الجزائر ثم في طرابلس ثم في الجزائر من جديد.
وأخيراً أُفرج عن الرهائن، وإن تعرض ثلاثة منهم للذبح في بداية العملية". ويحدد دوايت غارنر سبب تلك العمليات جميعاً في القضية الفلسطينية، إذ يكتب أن "كارلوس" وأستاذه وديع حداد،
قائد الجناح العسكري لـ"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، كانا يعتقدان بأن العالم "لم يعُد يبالي بمأساة الفلسطينيين وكفاحهم من أجل استعادة أرض أسلافهم. ولم تكُن الأصولية الإسلامية في جوهر اهتمامهما وإنما كانت كراهية اليهود كذلك. فعقدا العزم على أن يجعلا الغرب يرى فلسطين،
وإن كانت الوسيلة لتحقيق ذلك هي استهداف غير الإسرائيليين". ويلتفت غارنر إلى جانب كوميدي بعض الشيء في ذلك العصر المغاير، فيكتب أن ثمة شيئاً مضحكاً في مشاهدة السلطات الغربية وهي تسمح لـ"كارلوس" ومن معه بالإفلات من بين أيديهم المرة تلو المرة، وفي أن رجال الاستخبارات الفرنسية كانوا لا يحملون المسدسات طوال الوقت،
وفي أن المعتقلين من الإرهابيين كانوا يتلقون أحكاماً بالسجن لفترات وجيزة وقد يخرجون قبل انقضائها لحسن السير والسلوك، وأن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لم يكُن فيها قسم لمكافحة الإرهاب، وأن أمن المطارات كان متساهلاً إلى حد سخيف. "وينتبه واريك إلى أشكال أخرى للكوميديا السوداء،
من بينها شراء طعام ’الكوشير‘ اليهودي عن طريق الخطأ لمجموعة ضخمة من الفلسطينيين بدلاً من طعام المسلمين (الحلال)، أو أن تتعطل أسلحة الإرهابيين، أو أن يضلوا الطريق، أو أن يُطلق على إرهابي ألماني اسم ’شينتسل‘ لأنه لا يأكل غيره"،
و"الشينتسل" هو الاسم الألماني لصدور الدجاج أو شرائح اللحم المغطاة بفتات الخبز المقلية في الزيت، فتخيلوا مسخرة أن يحمل إرهابي اسم "بانيه". ومن الطرائف أيضاً أن "أحد زملاء كارلوس شعر بالعطش خلال حصار ’أوبك‘ فتناول جرعة من زجاجة عثر عليها، ولم يكُن تذوق من قبل المياه الغازية فظن أنه تسمم،
وأصابته نوبة سعال حادة، فأخذت أسلاك التفجير المعلقة حول عنقه تهتز". ولا يغفل الكتاب الجانب السيري المبكر من حياة "كارلوس" أو سنوات تكوينه. "ولد كارلوس لأسرة مرموقة في كاراكاس عام 1949.
كان والده محامياً وشيوعياً متحمساً يحتفظ بصورة ضخمة لستالين في البيت، وأطلق على كل ابن من أبنائه الثلاثة اسم فلاديمير إيليتش أوليانوف المعروف باسم لينين، فكان اسم كارلوس عند مولده هو إيليتش راميريز سانشيرز، أما ’كارلوس‘ فمحض لقب التصق به،
ولقب ’الثعلب‘ نفسه التصق به بسبب الاعتقاد بأنه قرأ ’يوم الثعلب‘ لفريدريك فورسايث، وهي من الروايات الأكثر مبيعاً عام 1971 وتحكي حكاية قاتل ذي دم بارد. وأحب كارلوس اللقب وقال إن ’الثعلب حيوان شديد اللطف. مفترس طبعاً،
لكنه شديد الجمال‘". شيوعية موسكو "أتم كارلوس الدراسة الابتدائية في فنزويلا، ثم سافر إلى والدته في لندن ليلتحق بالمدرسة الثانوية، رغبة من أسرته في أن يكتسب شيئاً من الثقافة.
وبإصرار من أبيه التحق بكلية في جامعة باتريس لومومبا بموسكو، وكانت خلال الحقبة السوفياتية مخصصة للطلبة الأجانب. وهناك التقى الفلسطينيين للمرة الأولى وبدأ في بطء يتطرف"، على حد تعبير دوايت غارنر.
"رأى كارلوس أن شيوعية موسكو الكلاسيكية المتزمتة لا تناسبه، إذ أراد أن يكون ثورياً مقداماً على غرار تشي غيفارا، وفي ذلك الوقت كانت ’الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين‘ تنسب نفسها إلى الماركسية، فسافر كارلوس إلى لبنان،
واجتاز الفحص، وانضم إلى الجبهة، ودخل على حد تعبير واريك ’في معركة لا تخصه‘". "أدرك حداد،
أستاذ كارلوس، أن بين يديه نجماً محتملاً، إذ كان كارلوس قناصاً خبيراً، وكان يتحدث الفرنسية والروسية والإنجليزية فضلاً عن الإسبانية،
وكان أبيض البشرة، قادراً بسبب ذلك على الاندماج في أماكن يصعب على الإرهابيين من أبناء الشرق الأوسط أن يندمجوا فيها". غاية واريك من كتابه تتجاوز الإثارة (مواقع التواصل) "وفي نهاية المطاف اختلف كارلوس وحداد، وبدأ كارلوس بتكوين فريقه الإرهابي الخاص.
وبدأ عهده الذهبي، وبلغت شهرته ذروتها في ما بين عامي 1975 و1985، ثم بدأت الأموال بعد ذلك تتضاءل، وكان لكارلوس نمط يحبه ويحرص عليه فـ’ليس معنى أننا نحارب من أجل الثورة أن نأكل القمامة‘ كما قال ذات مرة،
فبدأ يعمل لحسابه الخاص، ويقبل بعمليات من أجل المال فقط. وكان لتلك العمليات منطق عند كارلوس، لكنها جعلته يبدو في أعين الآخرين مرتزقاً باع الثورة.
فبدافع من الاشمئزاز وشى به أحد شركائه. وبعد سنين من المطاردة، اعتُقل كارلوس في العاصمة السودانية الخرطوم عام 1994 وهو مخدر من أجل إجراء جراحة لعلاج دوالي في كيس الصفن. ويُعد هذا الاعتقال الذي نفذته السلطات الفرنسية بمساعدة وكالة الاستخبارات المركزية من أفضل حلقات هذا الكتاب المتقن".
ويكتب دوايت غارنر أن كتاب "الثعلب" ليس أول كتاب عن "كارلوس"، إذ حظيت مسيرته الإرهابية بتقييم دقيق في كتاب "الثوريون" الذي نشر مطلع العام الحالي، وتناولته في "اندبندنت عربية" مقالة بعنوان "اليسار... ذلك الفصل المنسي في قصة الإرهاب" [الثلاثاء،
20 يناير (كانون الثاني) 2026]، وفي حين يعترف واريك بفضل كثير من أسلافه، فإنه يشير إشارات مقنعة إلى أن "معلومات جديدة انكشفت له" لعلها ناجمة في المقام الأكبر عن لقاءات ببطل كتابه شخصياً بضع مرات. من المدهش لغارنر أن "كارلوس لا يزال على قيد الحياة،
وقد بلغ من العمر 76 سنة، وهو نزيل سجن بويسي المركزي قرب باريس، حيث زاره واريك بضع مرات، وعلى رغم أنه لم يعُد حاد العقل مثلما كان،
لكنه لا يزال فخوراً بمنجزاته في صناعة الموت، ولا يزال واعياً بأنه نجم، فحدث في ختام أحد لقاءاته مع واريك، أن التفت إلى أحد موظفي السجن وحياه بـ’تحية الماركسيين القديمة،
إذ رفع قبضته في الهواء‘". يكتب واريك أن قصة كارلوس تعيننا على فهم الطريقة التي استُعمل المرتزقة بها في الماضي، والسبب الذي يجعلهم يعاودون الظهور في العالم من جديد، إذ تحول الفنزويلي من ماركسي يقوم بعملياته من أجل الفلسطينيين إلى مرتزق دولي يجوب أوروبا والشرق الأوسط قتلاً وتشويهاً بالنيابة عن عملاء يختلفون إلا في أنهم من ذوي النفوذ،
حتى صار بنهاية السبعينيات إرهابياً ذا شهرة عالمية، وشخصاً عنيفاً آسراً جعله الشره إلى حياة البذخ ومرافقة الجميلات نجماً لا يزال له إلى اليوم، وهو في ظلام السجن، نزر يسير من البريق.
THE JACKAL: The Rise and Fall of Carlos, the World’s First Super-Terrorist Joby Warrick Scribner