شهد مسار العمليات العسكرية في السودان تصعيداً عسكرياً لافتاً ومواجهات برية ضارية، في ضوء إطلاق الجيش وحلفائه هجوماً واسع النطاق متعدد المحاور في إقليم كردفان أسفر عن استعادته السيطرة على مناطق إستراتيجية عدة في المحور الشمالي، مما أدى إلى كسر الجمود العسكري الذي شهده الإقليم طوال الأشهر الماضية وتحقيق تقدم استراتيجي بارز لإنهاء نفوذ قوات "الدعم السريع" بالمنطقة، في مقابل الاعتماد المتزايد من الأخيرة على سلاح الطائرات المسيرة للهجوم.

وبحسب مصادر عسكرية، فإن الجيش وحلفاءه نجحوا أمس الخميس في استرداد أربع مناطق إستراتيجية مهمة تقع غرب وجنوب مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان: هي كازقيل وأبقعود وأم صميمة وحمادي، وذلك في أعقاب هجوم وصف بالأكبر والأعنف، إذ تحرك الجيش مسنوداً بالقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة عبر اتجاهات عدة.

وبث جنود من الجيش مقاطع فيديو مصورة جرى تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، توثق انتشارهم داخل عدد من المناطق المستعادة. معارك ضارية من جانبه، قال المتحدث الرسمي باسم القوات المشتركة الرائد متوكل علي وكيل في بيان،

إن تحرير المناطق الأربع جاء بعد معارك ضارية مع قوات "الدعم السريع" تكبدت خلالها الأخيرة خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد. وأضاف أن "العمليات تخللتها عمليات تمشيط ميداني واسعة النطاق، إذ جرى تدمير 40 مركبة قتالية تابعة لـ’الدعم السريع‘، والاستيلاء على 43 مركبة أخرى بكامل عتادها،

فضلاً عن مقتل عدد من عناصرها، فيما فر من تبقى منهم من مواقع المواجهات". وأكد البيان أن العمليات ستستمر بالتنسيق مع القوات المسلحة والقوات المساندة، في جهود استعادة الأراضي وتطهير المناطق من وجود قوات الجماعة،

وصولاً إلى تحقيق الأمن والاستقرار في جميع أنحاء البلاد. في حين أوضحت مصادر ميدانية أن القوات التابعة الجيش وحلفاءه أجبرت قوات "الدعم السريع" على التراجع نحو منطقة الدبيبات، القريبة من مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان. وظل الجيش وقوات "الدعم السريع" يتبادلان السيطرة على تلك المناطق خلال الأشهر الماضية،

قبل أن يتمكن الجيش من استعادتها أخيراً. وسبق استرداد هذه المناطق الأربع تكثيف الطيران المسير التابع للجيش عملياته في تلك المناطق، مستهدفاً تجمعات قوات "الدعم السريع" وتحركاتها وإمداداتها العسكرية، في إطار مساعي إضعاف قدراتها الدفاعية والهجومية وتهيئة الظروف للتحرك البري.

ويسعى الجيش السوداني، من خلال انفتاحه العسكري جنوباً، إلى الوصول إلى مدينة الدبيبات والسيطرة على مثلث طيبة الإستراتيجي، بما يفتح أمامه مسارات للتقدم غرباً باتجاه أبو زبد والفولة،

وجنوباً لربط مدينتي الدلنج وكادقلي بولاية جنوب كردفان عبر الطريق المسفلت. وبالتزامن مع تحركات الجيش في المحورين الجنوبي والغربي لشمال كردفان، تخوض القوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة وقوات العمل الخاص معارك لليوم الثالث على التوالي في أقصى شمال غربي الولاية، وذلك عقب تعزيز انتشارها العسكري في المناطق الحدودية بين ولايتي شمال وغرب كردفان.

إسقاط مسيرة في السياق، نجحت قوات الدفاع الجوي التابعة للجيش أمس الخميس في التصدي لمسيرة معادية والتمكن من إسقاطها وتدميرها بنجاح جنوب منطقة الخوى التابعة لولاية غرب كردفان. وأكد بيان صادر عن مكتب المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية أن الدفاعات الجوية تمكنت من التعامل المباشر مع الهدف المعادي، وجرى إسقاط الطائرة المسيرة التابعة لـ"الدعم السريع" في سماء المنطقة،

مشيراً إلى اليقظة الجاهزية العالية التي تتمتع بها الدفاعات الجوية في حماية أجواء البلاد والتصدي للتهديدات الأمنية والعسكرية كافة. قصف جوي ومدفعي بالموازاة لذلك، شهد الوضع العملياتي في إقليم النيل الأزرق توتراً ميدانياً كبيراً وحال من الكر والفر العنيف بين الجيش وقوات "الدعم السريع" المتحالفة مع "الحركة الشعبية - شمال" جناح جوزيف توكا. ووفقاً لمراقبين عسكريين،

فإن الجيش يركز جهوده في هذا الإقليم على تثبيت نقاط الارتكاز في المناطق المرتفعة والحدودية لمنع أية محاولات اختراق أو التفاف تقوم بها قوات "الدعم السريع" والمسلحون الموالون لها، بينما تلجأ الأخيرة في هذا المحور إلى حرب الاستنزاف عبر إطلاق الطائرات المسيّرة واستهداف المواقع العسكرية وتجمعات الجيش لتعويض خسائرها الميدانية على الأرض. في الأثناء، نفذ الجيش أمس الخميس بواسطة مقاتلاته الحربية المسيرة ومدفعيته الثقيلة قصفاً جوياً ومدفعياً مكثفاً استهدف تجمعات "الدعم السريع" و"الحركة الشعبية" في منطقة سالي بإقليم النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد،

وفق مصدر عسكري. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وأشار المصدر إلى أن الاستهداف أسفر عن تدمير مركبات قتالية بكامل عتادها، ومقتل وإصابة عدد من العناصر، مؤكداً أن الضربات الجوية مستمرة منذ انسحاب تكتيكي للجيش من المنطقة،

بهدف التعامل مع القوات المهاجمة في مناطق مكشوفة وتدمير عتادها. وسيطرت قوات "الدعم السريع" على منطقة وقاعدة سالي الإستراتيجية الثلاثاء الماضي، بعد معارك عنيفة مع الجيش. وتعد منطقة سالي،

الواقعة على الشريط الحدودي مع إثيوبيا، من المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية في النيل الأزرق، لارتباطها بطرق إمداد حيوية، وشهدت خلال الأشهر الماضية مواجهات متقطعة بين الجيش وقوات "الدعم السريع" وحليفتها الحركة الشعبية.

ويشهد إقليم النيل الأزرق تصاعداً في العمليات العسكرية منذ بداية العام، في ظل تحذيرات منظمات إنسانية من موجات نزوح جديدة وتدهور الأوضاع المعيشية للمدنيين. اختراقات ميدانية أما في محور دارفور، فتشهد العمليات العسكرية تحولاً ملاحظاً،

إذ تركز على الضربات الجوية المركزة للجيش التي تستهدف مراكز القيادة والسيطرة لقوات "الدعم السريع"، بخاصة في مدينتي نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور والضعين عاصمة ولاية شرق دارفور، فضلاً عن التحركات البرية واقتراب العمليات من تخوم الإقليم عبر ولاية شمال كردفان. وبحسب مصادر عسكرية،

يواصل الجيش بالتكامل مع القوات المشتركة للحركات المسلحة تحقيق اختراقات ميدانية في ولايتي شمال وغرب دارفور، لكن على رغم التقدمات الأخيرة للجيش وحلفائه على التخوم وعبر العمليات الخاطفة، لا تزال قوات الميليشيات تنتشر وتفرض سيطرتها على أجزاء واسعة من ولايات دارفور الخمس. وتزامنت هذه العمليات العسكرية مع تحذيرات شديدة أطلقتها منظمة "أطباء بلا حدود" أمس الخميس من تفش متسارع للأمراض والأوبئة مثل الحصبة والسعال الديكي في معسكرات ومناطق دارفور،

ويعود ذلك للنقص الحاد في التطعيمات، والانهيار شبه الكامل للمرافق الطبية، وتعطل سلاسل التبريد الطبي جراء استهداف البنية التحتية للحرب وتدمير محطات الطاقة. عقوبات جديدة دولياً،

فرضت الحكومة الأسترالية أمس الخميس عقوبات مالية وحظر سفر على أربعة شخصيات سودانية، كما أوقعت عقوبات مالية على كيان عسكري، على خلفية الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتبطة بالحرب المستمرة بين الجيش و"الدعم السريع" منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023. وشملت العقوبات كلاً من القائد العام للجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان،

ومحمد حمدان دقلو "حميدتي" قائد قوات "الدعم السريع"، والتجاني الطاهر كرشوم والي غرب دارفور السابق، وحسين برشم أحد القادة الميدانيين بقوات "الدعم السريع"، فضلاً عن كتيبة البراء بن مالك،

وهي تشكيل مسلح يقاتل إلى جانب الجيش. وتتضمن العقوبات تجميد الأصول الخاضعة للقانون الأسترالي، وحظر التعاملات المالية مع الأشخاص والكيان المستهدف، إضافة إلى منع الأشخاص الأربعة من دخول الأراضي الأسترالية.

وقالت وزارة الخارجية الأسترالية إن "القرار اتخذ على خلفية الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتبطة بالحرب في السودان، التي شملت استهداف المدنيين والقتل والتعذيب والعنف الجنسي". وأكدت وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ موقف بلادها الداعي إلى وقف فوري ودائم لإطلاق النار، وحماية المدنيين،

وضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق.