وسط تداعيات الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) عام 2023، يسعى السودان إلى استغلال موارده وموقعه الجيوسياسي لبناء علاقات تحقق مكاسب اقتصادية، بهدف انتشال البلاد من دوامة الفقر والديون والأزمات الإنسانية والاقتصادية. وفي هذا السياق،

برزت روسيا كشريك اقتصادي، مما تجلى في زيارة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان إلى موسكو، حيث شارك إلى جانب قادة أفارقة آخرين في القمة الروسية- الأفريقية والمنتدى الاقتصادي والإنساني الروسي- الأفريقي اللذين عقدا في الـ28 والـ29 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وعُدت هذه القمة الثالثة من نوعها بعد قمة سوتشي 2019 وقمة سانت بطرسبورغ عام 2023،

فمثّل الحدث فرصة لتعزيز الروابط وإعادة بناء الشراكة القائمة على المصالح المتبادلة. واقترح رئيس مجلس السيادة إنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، تتيح لروسيا إقامة مرافق لتخزين الوقود والقمح، تمهيداً لنقلها لاحقاً إلى دول أفريقية أخرى.

كذلك طرح البرهان فكرة إنشاء خط سكة حديد يربط ميناء بورتسودان بتشاد، مشيراً إلى إمكان استثمار روسيا في تطوير سلاسل الإمداد على طول هذا المسار. وإضافة إلى ذلك، اقترح مشاركة روسيا في تطوير موارد النحاس والذهب وغيرها من الثروات المعدنية في السودان.

من جانبه أبدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداد بلاده للتعاون مع السودان في قطاعات متنوعة، تشمل التنمية الرقمية والرعاية الصحية والتعليم والخدمات اللوجستية والصناعة، موضحاً أنه وجّه الجهات الروسية المعنية بوضع خريطة طريق تحدد مجالات واعدة للتعاون الثنائي. ويأتي ذلك في وقت ركزت القمة على محاور "الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا"،

فضلاً عن التنسيق الأمني، كأساس ملموس لترسيخ الشراكة. واعتمدت القمة خطة عمل إستراتيجية للفترة الممتدة ما بين 2027- 2029، وأقرت خريطة طريق جديدة لتعزيز العلاقات السياسية والتجارية.

كذلك ناقشت آليات التسوية المالية وسبل مواجهة العقوبات الغربية، من خلال استكشاف أنظمة دفع مستقلة والتعامل بالعملات المحلية، مما يقلل الاعتماد على الدولار الأميركي واليورو. وتضمنت الأجندة أيضاً ملفات الطاقة والبنية التحتية،

بما في ذلك مناقشة مشاريع الاستخدام السلمي للطاقة النووية وتدريب الكوادر الأفريقية. خلفية العلاقات تنبع أهمية البحر الأحمر، فضلاً عن أنه أحد أهم الممرات البحرية الإستراتيجية في العالم من امتداداته، فمن الجنوب يتصل بمضيق باب المندب وخليج عدن،

ومن الشمال بقناة السويس، إضافة إلى ارتباطه بمسارات التجارة والطاقة الدولية. وأولت روسيا اهتماماً كبيراً بهذه المنطقة، وسعت إلى توسيع نفوذها عبر وسائل شتى،

تشمل إقامة قواعد عسكرية وتشكيل تحالفات إقليمية وتنفيذ مشاريع أمنية واقتصادية، وهي خطوات تعكس طموحات موسكو في تأمين مصالحها الجيوسياسية. وعقب استقلال السودان عام 1956، أقام الاتحاد السوفياتي علاقات دبلوماسية معه،

معداً إياه بوابة واعدة لنفوذه في أفريقيا والشرق الأوسط، مما دفع موسكو إلى تقديم دعم عسكري واقتصادي خلال حقبة الستينيات وأوائل السبعينيات، وهي فترة شملت فترتي حكم الفريق إبراهيم عبود وجعفر النميري اللذين كانا يميلان نحو المعسكر الشرقي، لكن بحلول منتصف السبعينيات،

غيّر النميري مساره وبدأ ببناء علاقات مع الولايات المتحدة. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، استأنفت روسيا تعاونها مع السودان خلال عهد عمر البشير الذي سعى إلى الحصول على دعم عسكري وسياسي لمواجهة العقوبات الأميركية المفروضة عام 1997. أقام الاتحاد السوفياتي عقب استقلال السودان عام 1956 علاقات دبلوماسية معه،

معداً إياه بوابة واعدة لنفوذه في أفريقيا والشرق الأوسط (أ ف ب) وأثناء عهد البشير أيضاً، طرح طلب موسكو إنشاء قاعدة عسكرية على البحر الأحمر، ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عرض البشير استضافة قاعدة من هذا النوع مقابل الحصول على حماية روسية ضد الضغوط الأميركية،

مما جعل السودان بمثابة بوابة لروسيا نحو أفريقيا. وعقب سقوط نظام البشير، وقع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) عام 2020 يمنح روسيا الحق في إنشاء مركز لوجستي في ميناء بورتسودان، لمدة 25 عاماً قابلة للتجديد،

مقابل تقديم دعم اقتصادي وعسكري للخرطوم. وكان من شأن هذا المشروع أن يمثل أول منشأة بحرية لروسيا في أفريقيا، وثاني منشأة لها خارج نطاق دول الاتحاد السوفياتي السابق. وعلى المستوى الدبلوماسي،

إضافة إلى زيارات وفود وقادة من الطرفين، اكتسبت زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى السودان أهمية خاصة، لأن الأولى كانت زيارة عمل في ديسمبر 2014، التقى خلالها مسؤولين سودانيين وشارك في فعاليات منتدى التعاون العربي- الروسي في الخرطوم،

وبداية مرحلة لم تكتمل بسبب سقوط البشير. أما الزيارة الثانية التي التقى خلالها الفريق البرهان، فجرت أثناء الفترة الانتقالية في فبراير (شباط) عام 2023، ولم تكتمل تعهداتها بسبب اندلاع الحرب بعدها بشهرين فقط.

محاور اللقاء وتناول اللقاء بين البرهان وبوتين ثلاثة محاور، تمثل الأول في الجانب السياسي، إذ اتبعت روسيا في السودان سياسة ذات مسارين، ثم مالت تدريجاً إلى دعم المؤسسة العسكرية بقيادة عبدالفتاح البرهان.

وفي الـ16 من أكتوبر الماضي، أكدت موسكو في بيان ألقاه مندوبها الدائم فاسيلي نيبينزيا خلال جلسة مجلس الأمن حول السودان، أنها تعد مجلس السيادة السلطة الشرعية في السودان، وترى أن جهوده الرامية إلى دفع العملية السياسية وإطلاق حوار سوداني - سوداني هي جهود مهمة وبناءة،

وفي المقابل، رفضت التعامل مع قوات "الدعم السريع" لمحاولاتها إنشاء "حكومة موازية" في المناطق الخاضعة لسيطرتها. كذلك أعلن بوتين أن موسكو تبحث سبل المساعدة في تهدئة الأوضاع في السودان، داعياً إلى وقف الأعمال العدائية والتوجه نحو تسوية سياسية للأزمة.

والمحور الثاني الذي شكل ركيزة أساسية في القمة، هو الجانب الاقتصادي، إذ كشف الرئيس بوتين عن أن حجم التبادل التجاري بين روسيا والسودان تضاعف لأكثر من مرتين عام 2025، مع تسجيل زيادة إضافية بنسبة 25 في المئة خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى أغسطس (آب) الماضيين.

وأشاد بوتين بالتطور المستمر في العلاقات الثنائية، ولا سيما في المجالات التجارية والاقتصادية، وهو توجه وصفه بالإيجابي، مشيراً إلى أن السودان يُعد من بين أكبر 10 شركاء تجاريين لروسيا في أفريقيا.

أما المحور الثالث، فيكمن في أنه قد لا يكفي القول إن موسكو تسعى فقط إلى الحصول على قاعدة بحرية أو الوصول إلى الذهب، فوفقاً للإستراتيجية الروسية فإنها تتحرك ضمن عوامل مترابطة تشمل عقيدة "العالم متعدد الأقطاب" والطموح لاستعادة مكانة روسيا كقوة عظمى والجغرافيا السياسية للوصول إلى البحار ومفهوم السيادة كأداة لمقاومة الهيمنة الغربية. وفي هذا السياق،

تستحضر موسكو رؤية وزير الخارجية ورئيس الوزراء الروسي السابق يفغيني بريماكوف الذي نادى بـ"تعددية الأقطاب"، إذ جادل بأن على روسيا أن تظل قوة كبرى ومستقلة، مع تعزيز علاقاتها مع الصين والهند والعالم العربي ومراكز نفوذ أخرى، بدلاً من القبول بنظام دولي تهيمن عليه الولايات المتحدة.

كذلك تسعى روسيا، بالتعاون مع الصين، إلى ضم دول أفريقية مختلفة إلى تكتلات إقليمية مثل مجموعة "بريكس" و"منظمة شنغهاي للتعاون"، وإلى الاضطلاع بدور قيادي داخل "الجنوب العالمي".

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) فصل الملفات وعزز اتفاق التعاون الاقتصادي ثقة السودان بروسيا كشريك إستراتيجي موثوق وطويل الأمد، وهي قناعة ترسخت في ظل الحرب الداخلية والتوترات الإقليمية وحال عدم الاستقرار. ويرى السودان في الدعم الاقتصادي الروسي بديلاً واعداً عن القوى التقليدية التي ربما تكون مترددة أو مقيدة في تقديم مساعدات مماثلة. وتكمن أهمية هذا الاندماج في إعادة الموارد الطبيعية،

بما في ذلك المعادن والأراضي الزراعية والموانئ، إلى دائرة الاستثمار الفعلي. ويأتي ذلك بعد عقود من الاستثمارات التي شاركت فيها أطراف عدة، أبرزها الصين التي كانت الشريك الاقتصادي الرئيس للسودان خلال عهد نظام البشير.

وعلى رغم أن الصين لم تسحب استثماراتها بالكامل ولم تخرج من السودان، فإن تراجع دورها حالياً لا يتعارض مع مساعي روسيا لتنفيذ مشاريع اقتصادية شاملة، وهي مبادرات من الممكن أن تسهم في استعادة دور السودان في حركة التجارة الإقليمية والدولية. ومع ذلك،

يُحتمل أن تواجه هذه المشاريع عقبات تحول دون تنفيذها بالكامل، ولا سيما في ظل الحرب المستمرة، إذ يمكن لمعدلات التضخم المرتفعة في السودان أن تعوّق التعاون الاستثماري الروسي من خلال تآكل القوة الشرائية وانخفاض قيمة العملة وارتفاع كلف الاستيراد والإنتاج، فضلاً عن زيادة الأخطار المتعلقة بتحويل الأرباح إلى الخارج.

ووفقاً لتقرير صادر عن البنك الدولي، لا يزال التعافي الاقتصادي في السودان هشاً ومرتبطاً بصورة وثيقة بمسار الصراع، فمن المرجح أن يستمر انعدام الأمن والاضطرابات الناجمة عن الحرب في عرقلة أي تعافٍ أوسع نطاقاً. إضافة إلى ذلك،

فإن روسيا تحتفظ بشراكات مع دول أو أطراف إقليمية تتبنى مواقف متباينة حول الحرب في السودان، وهو وضع يبدو للوهلة الأولى عائقاً أمام الاستثمارات الروسية في البلاد. ومع ذلك، توضح إستراتيجية الأمن القومي الروسية لعام 2021 أن سياستها الخارجية ينبغي أن تكون "مستقلة ومتعددة الاتجاهات ومنفتحة وبراغماتية"،

فيكون هدفها الأساس حماية المصالح الوطنية الروسية. وبالمثل توفر وثيقة "مفهوم السياسة الخارجية" الروسية لعام 2023 أساساً رسمياً صريحاً لهذا النهج الذي غالباً ما يُوصف بـ"فصل الملفات". وتستند الرؤية الروسية إلى مبدأ بناء شراكات متعددة، بدلاً من الارتهان لمحور إقليمي أو حليف واحد.

وينطوي ذلك على الحفاظ على علاقات مع أطراف متنافسة، وإدارة التناقضات القائمة بينها بما يخدم المصالح الروسية، استناداً إلى مبدأ "توازن المصالح والمنفعة المتبادلة". سيناريوهات محتملة هناك سيناريوهات محتملة لمستقبل الاستثمار الروسي في السودان.

فضمن السيناريو الأول، إذا انتهت الحرب ووُضعت ترتيبات أمنية تسمح بعملية إعادة الإعمار، فربما تصبح المشاريع الروسية في مجالي التعدين والطاقة أكثر جدوى. وتشير تقارير إلى أن النزاع ألحق دماراً واسعاً بالبنية التحتية للكهرباء والنقل والخدمات.

وفي غضون ذلك، بدأت الصين محادثات حول توريد محولات كهربائية وإصلاح محطات توليد الطاقة المتضررة، مما يؤدي تدريجاً إلى تقليل الأخطار التشغيلية وجعل المشاريع الروسية أكثر قابلية للتنفيذ. ويعتمد هذا السيناريو على تحقيق سلام مستدام وتوفير تمويل واضح وضمانات قانونية.

أما السيناريو الثاني، فمن المحتمل أن تتزايد التحفظات حيال التوسع الروسي في السودان، فإذا ظل الوجود الروسي مقتصراً على مجالات التعدين والتجارة وسكك الحديد والمرافق التخزينية المدنية، فربما تتمكن موسكو من الحفاظ على علاقاتها من دون حدوث تعارض جوهري في المصالح.

لكن، إذا ارتبطت أية منطقة اقتصادية أو منشأة ساحلية بوجود عسكري روسي، أو سهلت أنشطة أطراف تهدد أمن الملاحة في البحر الأحمر مثل الحوثيين، فإن هذه المشاريع ربما تتحول من فرص اقتصادية إلى مصادر للاحتكاك الجيوسياسي والأمن الإقليمي.

وينطبق هذا بصورة خاصة على المشاريع المتعلقة بالموانئ ومرافق التخزين البحرية والمراكز اللوجستية، فهي مشاريع بالغة الحساسية وتمتد تداعياتها إلى ما هو أبعد من العوائد التجارية، لتؤثر في موازين القوى والأمن البحري. أما السيناريو الثالث،

فيمكن أن تسعى روسيا إلى استغلال حاجات السودان الأمنية والعسكرية والاقتصادية كمدخل لبناء شبكة طويلة الأمد من المصالح الإستراتيجية. وتكشف التجارب في سوريا وجمهورية أفريقيا الوسطى عن نمط روسي متكرر، يتمثل في تحويل الدعم السياسي أو الأمني إلى مكاسب اقتصادية وإستراتيجية. ففي سوريا،

حصلت شركات روسية على امتيازات في تعدين الفوسفات وتشغيل الموانئ، ومع ذلك، أدى سقوط نظام الأسد لاحقاً إلى إلغاء عقد إدارة ميناء طرطوس، مما يوضح مدى عرضة الاستثمارات للتقلبات السياسية.

وفي جمهورية أفريقيا الوسطى، قدمت موسكو دعماً أمنياً إلى النظام مقابل الحصول على نفوذ وامتيازات في قطاعي الذهب والألماس، من دون أن يؤدي ذلك إلى إنهاء العنف أو تحقيق استقرار مستدام. أما في السودان،

فمن الممكن أن تتيح شراكة محتملة فرصاً تراوح ما بين الحصول على امتيازات في قطاع التعدين والاستثمار في الموانئ والبنية التحتية. ومن شأن شراكة كهذه أن تمكن روسيا من تعزيز وجودها في البحر الأحمر. ومع أن النطاق اللوجستي لروسيا قد يتسع، إلا أن المآل النهائي يظل رهناً بالظروف الداخلية للبلاد وأولوياتها الوطنية.