شهدت العمليات العسكرية في جبهات القتال المختلفة بالسودان تطورات ميدانية بارزة تمثلت في تقدم الجيش في محاور عدة رئيسة، فضلاً عن إحداث تحول كبير في إستراتيجية الأخير نحو حرب الإمداد والعزل الجغرافي عبر قطع شرايين الإمداد واللوجستيات في صحراء دارفور وكردفان لإنهاك قوات "الدعم السريع" وتثبيت المكاسب الأرضية المستعادة. وبحسب مصادر عسكرية، فإن القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة تمكنت أمس الأربعاء من تحرير منطقة بئر كليكل الواقعة شرق جبل مون بولاية غرب دارفور،

وذلك عقب التصدي لهجوم واسع النطاق شنته قوات الجماعة على المنطقة عبر ثلاثة محاور، مما أسفر عن انكسار القوة المهاجمة وتشتيتها. وقال والي غرب دارفور موسى بحر الدين كرامة إن استعادة منطقة بئر كليكل تمثل انتصاراً مهماً للدولة السودانية، وخطوة ذات دلالات إستراتيجية في مسار بسط سيادة الدولة واستعادة الأمن بالولاية،

بالنظر إلى موقعها الجغرافي وأهميتها الإستراتيجية في محيط جبل مون. وأكد كرامة في تصريحات صحافية أن الجهود على محور غرب دارفور تمضي بثبات وفق الخطط الموضوعة، في إطار الخطط الوطنية الرامية إلى استعادة الأمن وصون وحدة السودان وسيادته. وأشار إلى أن حكومة الولاية ستظل داعمة لكل الجهود التي تحمي المواطنين،

وتنهي معاناتهم، وتمهد الطريق لعودة الحياة الطبيعية والاستقرار والإعمار والتنمية، موضحاً أن الغاية لا تقتصر على استعادة الأمن، بل تمتد إلى بناء واقع مستقر تصان فيه كرامة المواطن وحقوقه،

وتهيئة فيه الظروف لعودة النازحين واللاجئين، واستعادة الخدمات، والانطلاق نحو مستقبل أفضل لأهل غرب دارفور. وبث أفراد من الجيش مقاطع فيديو تؤكد سيطرتهم على منطقة بئر كليكل التي تبعد نحو 32 كيلومتر من الحدود التشادية،

وبالقرب من مدينة الجنينة عاصمة غرب دارفور. اختراق مهم واعتبر مراقبون عسكريون السيطرة على هذه المنطقة يمثل اختراقاً مهماً في عمليات المحور الغربي، فضلاً عن أنه يشير إلى تحقيق تقدم عسكري وإستراتيجي فائق الأهمية في مواجهة ميليشيات "الدعم السريع"، نظراً إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي،

فهي تقع في الجزء الشرقي من محلية جبل مون الاستراتيجية، وقريبة من الحدود التشادية وقريبة أيضاً من الجنينة، مما يمنحها أهمية بالغة في مراقبة وتأمين الممرات الحدودية. وشدد المراقبون على أهمية هذا الانتصار من حيث توقيته،

لكونه جاء بعد فترة توقف نسبي للعمليات العسكرية البرية، مما يبعث الثقة في عناصر الجيش والقوات المساندة، كما أنه يشير إلى دلالة مهمة ويبث رسائل قوية أن القوات المتمردة (الدعم السريع) ليست كما تدعي، فهى لا تسيطر حتى على كامل إقليم دارفور.

كذلك يحمل تحرير هذه المنطقة الحيوية، وفق المراقبين، دلالات عسكرية بالغة الأهمية وعميقة التأثير لناحية أنها تمثل عقدة مواصلات وإمداد رئيسة كانت تعتمد عليها قوات الجماعة لتأمين حركة عناصرها وربط خطوط الإمداد بين الجيوب المختلفة. يأتي ذلك،

في وقت  يتواصل اشتداد الخناق العسكري على "الدعم السريع" في محيط الفاشر ومناطق الصحراء، مدعوماً بتقدم القوات المساندة ممثلة في درع السودان التي دمرت متحركات قتالية عدة واستولت على صهاريج وقود قادمة من دولة مجاورة لتموين القوات المعادية. ويشهد محور دارفور تصعيداً عسكرياً واسعاً، ومواجهات مستمرة في ظل سعي الجيش مدعوماً بالقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة لتحقيق تقدم استراتيجي يقود إلى تحرير كامل الإقليم من قبضة "الدعم السريع".

قصف مدفعي وفي محور كردفان، شهدت مدينة الدلنج ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان أمس الأربعاء قصفاً مدفعياً عنيفاً من قوات "الدعم السريع" استهدف الأجزاء الشرقية من المدينة، في حين ظلت قوات الجيش المرابطة في المدينة في حالة تأهب عسكري مستمر في مواجهة تحركات وتصعيد قوات الجماعة، إذ ترد على مصادر نيران القوات المعادية وسط عمليات تمشيط مستمرة لتأمين الطرق وكسر الطوق المفروض على المنطقة.

في الوقت نفسه، أفادت مصادر عسكرية مقربة من الجيش بأن سلاح الجو التابع للجيش شن هجوماً جوياً مكثفاً على مدن أبو زعيمة وأم بادر وحمرة الشيخ في ولاية شمال كردفان استهدف تجمعات ومركبات قتالية تابعة لقوات "الدعم السريع" حشدت لمهاجمة مواقع الجيش في المدن المجاورة، خصوصاً سودري والمزروب وحمرة الوز. كما يقوم الجيش بتنفيذ عمليات نوعية عبر فرق الاستطلاع والعمل العدائي في تخوم منطقة أم كريدم التي تعد نقطة وصل حيوية بين شمال وغرب كردفان،

ويهدف الجيش من خلالها إلى إحكام السيطرة للتقدم نحو غرب كردفان وتحديداً محليات النهود. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وأفادت المصادر العسكرية بأن الطائرات المسيرة وغارات الجيش تواصل ضرباتها على مواقع ومتحركات قوات "الدعم السريع" في غرب كردفان، مع استهداف وتدمير قوافل الإمداد المتجهة نحو إقليم دارفور. تأتي هذه الضربات في وقت لا تزال فيه مناطق غرب مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان تشهد تحركات عسكرية متواصلة،

بعد تقدم الجيش والقوات المتحالفة معه في محاور عدة في الولاية، وسط محاولات لتثبيت المواقع التي استعادتها القوات الحكومية والحد من تحركات "الدعم السريع" في المناطق المحيطة بها. وشهدت شمال كردفان خلال الأشهر الماضية مواجهات متلاحقة امتدت من البلدات والقرى الواقعة على الطرق المؤدية إلى مدينة الأبيض، وصولاً إلى المناطق القريبة من الحدود بين ولايتي شمال كردفان وغرب كردفان.

واتسعت العمليات خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، مع تحركات للجيش باتجاه مواقع كانت تنتشر فيها قوات الميليشيات، للتقدم والسيطرة على الطرق التي تربط ولايات كردفان بعضها بعضاً، وتمتد باتجاه إقليم دارفور غرب البلاد.

واستعاد الجيش في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) السيطرة على منطقة المزروب في ولاية شمال كردفان، عقب معارك قال إنها أسفرت عن خسائر في الأرواح والعتاد في صفوف "الدعم السريع". تصعيد وتأهب في الموازاة، يشهد محور النيل الأزرق الواقع جنوب شرقي البلاد تصعيداً عسكرياً مستمراً وتأهباً من الجيش في مواجهة تحركات قوات "الدعم السريع" والمجموعات الموازية لها في المناطق المتاخمة للحدود الإثيوبية.

ووفقاً لمصادر ميدانية، فإن الجيش والقوات المساندة له يرفعان حال التأهب في هذا المحور، فضلاً عن صد للهجمات والمناوشات الميدانية في محيط الحدود الأثيوبية ومنطقتي منزا وبشكركاد بالتزامن مع وصول تعزيزات عسكرية، مع تنفيذ عمليات نوعية وممشطة في مناطق مختلفة مثل محور الكرمك ومنطقة جبل كدم وبلبوم.

تضرر المستشفيات من جهته، أكد المتحدث باسم شبكة أطباء السودان محمد عبدالقادر أن الشبكة وثقت خلال فترة الحرب خروج أعداد كبيرة من المنشآت الصحية عن الخدمة نتيجة القصف والتدمير والنهب. وقال إن "ولاية الخرطوم وحدها شهدت تضرر نحو 120 مستشفى و288 مركزاً صحياً، وخروجها عن الخدمة بدرجات متفاوتة خلال الحرب".

وأشار إلى أن الشبكة وثقت في ولاية سنار خروج 365 مرفقاً صحياً ومركزاً ووحدة صحية عن الخدمة نتيجة التدمير والنهب المرتبطين بالنزاع، بينما برزت مناطق جنوب كردفان، بخاصة الدلنج وكادوقلي، إلى جانب دارفور والنيل الأزرق،

ضمن أكثر المناطق تعرضاً لهجمات الطائرات المسيرة، لافتاً إلى أن هذه الهجمات أدت إلى تعطيل مستشفيات رئيسة وخفض القدرة التشغيلية للمرافق الصحية بصورة كبيرة. وأشار عبدالقادر إلى أن القطاع الصحي تعرض منذ اندلاع الحرب قبل 42 شهراً لأضرار واسعة النطاق شملت التدمير المباشر والجزئي للمستشفيات والمراكز الصحية، إلى جانب توقف الخدمات نتيجة القصف وانعدام الإمدادات ونهب المعدات الطبية.

ولفت إلى أن تصاعد استخدام الطائرات المسيرة خلال العامين الماضيين جعل المنشآت الصحية عرضة لهجمات متكررة، خصوصاً في ولايات دارفور وكردفان والنيل الأزرق، مشيراً إلى أن الشبكة وثقت حالات عدة لاستهداف مستشفيات ومراكز علاجية بطائرات مسيرة أدت إلى خروج مرافق صحية كاملة عن الخدمة وسقوط ضحايا من المرضى والعاملين في القطاع الصحي. وبين أن الطائرات المسيرة باتت أحد أخطر التهديدات التي تواجه القطاع الصحي السوداني،

إذ لم يقتصر أثرها على سقوط الضحايا، بل امتد إلى تعطيل خدمات الرعاية الصحية وإخراج مرافق حيوية عن الخدمة، مما ضاعف معاناة ملايين المدنيين في مناطق النزاع. وأكد المتحدث باسم شبكة أطباء السودان أن حماية المرافق الصحية والعاملين فيها يجب أن تكون أولوية إنسانية عاجلة،

لجميع أطراف النزاع والجهات الدولية المعنية. ظاهرة النينيو إلى ذلك، طالب وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم بتحرك دولي عاجل لتعزيز التمويل المناخي وإجراء تقييم شامل لتداعيات ظاهرة النينيو وشح الأمطار في البلاد، منوهاً إلى الأخطار التي تهدد الموسم الزراعي والإنتاج الغذائي والأمن الغذائي في مناطق عدة.

وداعا إبراهيم خلال مشاركته في اجتماعات الكتلة الأفريقية مع رئيس مجموعة البنك الدولي والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي إلى توفير موارد مالية كافية وميسرة، تتناسب مع حجم الأخطار والحاجات الفعلية للدول المتأثرة بالتغيرات المناخية. وأكد ضرورة اتخاذ خطوات دولية عاجلة وملموسة لتعزيز التمويل المناخي وضمان وصول الموارد إلى الدول الأفريقية الأكثر تأثراً بالأخطار المناخية، مؤكداً أهمية الانتقال من التعهدات إلى التمويل الفعلي الذي يمكن هذه الدول من مواجهة الصدمات وحماية اقتصاداتها وقطاعاتها الإنتاجية.

وتعد ظاهرة النينيو نمطاً مناخياً طبيعياً يحدث على فترات تتراوح عادة بين عامين وسبعة أعوام، نتيجة ارتفاع درجات حرارة المياه في الأجزاء الوسطى والشرقية من المحيط الهادئ الاستوائي عن معدلاتها المعتادة، مما يؤدي إلى تغير أنماط هطول الأمطار ودرجات الحرارة في مناطق واسعة من العالم. ويواجه السودان تحديات مناخية متفاقمة في ظل شح الأمطار وارتفاع درجات الحرارة،

بالتزامن مع استمرار الحرب والأزمة الإنسانية، مما يزيد الأخطار المرتبطة بالجفاف وتراجع الإنتاج الزراعي وتفاقم انعدام الأمن الغذائي.