يعتمد نحو ثلاثة ملايين سوداني على قطاع التعدين التقليدي للذهب كمصدر رئيسي لكسب العيش، لكن اندلاع الحرب وأخطار التنقل أديا إلى تراجع كبير في أعداد العاملين، خاصة القادمين من ولايات كردفان ودارفور والجزيرة. وقد انخفض الإنتاج الكلي للمعدن الأصفر،
الذي كان يمثل 80% من أعمال المنقبين التقليديين قبل الصراع المسلح.ووفقاً لدراسة أجرتها الشركة السودانية للموارد المعدنية، يشارك في هذا القطاع جميع شرائح المجتمع، من طلاب وموظفين وعمال ومزارعين ورعاة، بهدف تحقيق ثراء سريع وتحسين ظروف أسرهم،
رغم مشقة العمل في الصحارى والمناطق النائية والمخاطر الصحية المتكررة وحوادث الموت تحت أنقاض الآبار.طفرة في الإنتاج رغم الحربوقد تجاوزت صادرات الذهب في الربع الأول من هذا العام سبعة أطنان و626 كيلوغراماً، بقيمة 428 مليون دولار. وأكد مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة، محمد طاهر عمر،
أن السياسات الأخيرة حسنت عملية التصدير، متوقعاً وصول صادرات الذهب بنهاية العام إلى 2.182 مليار دولار.تنتشر مواقع التنقيب التقليدي في ولايات نهر النيل والبحر الأحمر وجنوب كردفان وشمالها، وتنشأ حولها مخيمات عشوائية وأكشاك مؤقتة تضم عمالاً في أنشطة اقتصادية صغيرة مثل المطاعم والتجارة المتنقلة.ويقول أحمد إبراهيم، من سكان منطقة أبو حراز بولاية شمال كردفان وعمل سابقاً في التعدين،
إن الحرب أوقفت عمل ملايين السودانيين في هذا المجال، مما أثر على أسرهم في ظل الأزمات الاقتصادية والظروف المعيشية المتفاقمة، وأشار إلى أن البعض الآخر عانى بسبب المغامرة بالسفر إلى مناطق التنقيب في الولاية الشمالية، حيث تعرضوا للتوقيف والاعتقال من قبل مجموعات مسلحة.
ويضيف أن التعدين مصدر دخل جيد للشباب العاطلين وذوي الدخل المحدود والمزارعين والرعاة، وأنه قبل الحرب نجح في الحصول على كيلوغرامات من الذهب بعد ستة أشهر من العمل بولاية نهر النيل، مما مكنه من بناء منزل وامتلاك دكان في الأبيض، لكن عودته أصبحت مستحيلة بسبب الحرب وأخطار التنقل.تأثير الحرب على عمال التعدينأما مأمون إسحاق،
الذي قصد شمال السودان قبل عامين قادماً من تلودي بجنوب كردفان، فقد عمل بجهد في آبار التعدين وعاد في مارس 2023 محملاً بالمال بعد بيع حصيلته من الذهب، لكن تصاعد المعارك حال دون عودته هو وأفراد عائلته الذين يعملون في طواحين الذهب. ويرى أن الحرب تسببت في توقف أعمال ملايين السودانيين،
رغم أن البعض حالفه الحظ في الثراء السريع بينما حصل آخرون على أموال محدودة.ويوضح أن الغالبية لديهم رغبة ملحة لتحسين أوضاعهم الاقتصادية رغم حوادث الموت والمخاطر الصحية، لكن الحرب وصعوبة التنقل قلصت أعداد المعدنين خاصة من كردفان ودارفور.توافد وتسهيلات رغم القتالويشير بخيت مقدم، من محلية بربر شمال السودان، إلى أن القتال لم يمنع كثيراً من عمال التعدين من التوافد إلى المنطقة،
مع تزايد نشاط التجار ووجود آلاف الطواحين وأجهزة الكشف السطحي. ويضيف أن القطاع يعد الخيار الأمثل حالياً، حيث يحصل العامل على 40 ألف جنيه سوداني يومياً (نحو 20 دولاراً)، وهو مبلغ لا يتحقق في أعمال أخرى.
وينبه إلى تسهيلات من التجار تشمل الاستدانة لتسيير العمل وتوفير المواد الغذائية وأدوات الإنتاج، فضلاً عن حرية بيع المنتج.توقف وعودةويقول الباحث في مجال التعدين أمجد جمعة إن المنقبين التقليديين يمثلون الشريحة الأكبر في إنتاج الذهب، ويوفر القطاع فرص عمل للملايين من مختلف الولايات، بما في ذلك أطفال وشباب دفعهم الفقر إلى هذه المهنة الخطرة.
ويلفت إلى أن الحرب رفعت تكاليف الإنتاج وأدوات التشغيل كأجهزة الاستشعار والزئبق والوقود والمواد الغذائية، كما صعّبت وصول المعدنين إلى مناطق التنقيب خوفاً من القتل أو الاعتقال. ويضيف أن مصفاة السودان للذهب توقفت بعد أضرار لحقت بها جراء الاشتباكات في الخرطوم، بالإضافة إلى شح مادة الزئبق بسبب توقف شركة “سودامين” المسؤولة عن توريدها.
ومع ذلك، يرى جمعة أن إطالة أمد الحرب دفعت آلاف المعدنين للعودة إلى العمل، حتى في مناطق خط النار، لمساعدة أسرهم في ظل الظروف المعيشية الصعبة.الذهب والاقتصاديعتمد الاقتصاد السوداني بشكل كبير على صادرات الذهب في توفير النقد الأجنبي،
خاصة بعد انفصال جنوب السودان عام 2011. وقد عادلت صادرات الذهب في العام الماضي 46% من إجمالي عائدات صادرات البلاد البالغة 4.357 مليار دولار. وتتصدر ولاية البحر الأحمر قائمة الولايات بـ51 مربعاً للاستكشاف والبحث، تليها نهر النيل بـ23 مربعاً،
والشمالية بـ17 مربعاً، وجنوب كردفان بـ12 مربعاً.وكانت العوائد السنوية من صادرات الذهب قد بلغت 1.271 مليار دولار عام 2014، وارتفعت إلى 1.5 مليار دولار عام 2017، ثم 1.2 مليار دولار عام 2019،
وقفزت إلى 2.021 مليار دولار عام 2022.