لم تعد الدلنج ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان هي نفسها "عروس الجبال"، كما كان يحلو لأهلها تسميتها، فقد حولتها الحرب إلى بقايا مدينة منسية أنهكتها العزلة واستنزفها الحصار، وأصبح النزوح والجوع جزءاً من تفاصيل حياتها اليومية،

فمع تصاعد القتال منذ فبراير (شباط) الماضي، تحولت المدينة إلى مسرح نشط لموجات متكررة من القصف المدفعي والهجمات المسيرة واشتباكات حرب مدن وقتال شوارع، ضاعف من مأساة المدنيين وظروفهم الإنسانية القاسية. هجمات لا تنقطع منذ أكثر من عام تعيش المدينة وضعاً أمنياً شديد التقلب جراء تعرضها لعشرات الهجمات البرية بصورة شبه أسبوعية بجانب القصف المدفعي والمسير من قوات "الدعم السريع" وحليفتها الحركة الشعبية – شمال،

بقيادة عبدالعزيز الحلو، أفرغت أحياء سكنية بكاملها ودمرت معظم المرافق والخدمات العامة، ووضعت المدينة أمام أزمة إنسانية قاسية ومتطاولة، بسبب حرب المدن والحصار الطويل ونقص الخدمات الأساسية.

تكتسب المدينة بحكم موقعها الجغرافي على الطريق القومي الرابط بين شمال كردفان وجنوبها، حلقة وصل بين مناطق جبال النوبة ومدينة الأبيض، مما يمنحها قيمة لوجستية كبيرة من الناحية العسكرية، إذ تعد الممر الرئيس لحركة القوات والإمدادات والسلع المدنية نحو العاصمة كادوقلي وبقية مناطق الولاية،

مما يجعل للسيطرة عليها أو عزلها تأثيراً مباشراً في قدرة الطرف المقابل على الحفاظ على خطوطه اللوجستية. حصار التماس على رغم أن المدينة لا تزال تحت سيطرة الجيش، لكنها تبقى محاصرة بخطوط تماس متنازع عليها، وتتعرض لهجمات متكررة من قوات "الدعم السريع" وقوات الحركة الشعبية،

لكن مدينة الدلنج ظلت طوال الفترة، منذ أبريل (نيسان) 2023، التي شهد فيها إقليم كردفان مواجهات مسلحة متكررة عطلت طرق الإمداد الرئيسة، بين شماله وغربه وجنوبه،

تعاني انعداماً متكرراً للأمن واضطرابات طويلة وفترات من العزلة وصلت أحياناً إلى ما يشبه الحصار. المدنيين يواجهون أخطاراً متداخلة بسبب الوضع الأمني المضطرب (رويترز)​​​​​​​ وكشف تقرير لمجموعة الحماية في جنوب كردفان، التي تضم عدداً من المنظمات والوكالات الأممية و الدولية، عن تصاعد مستمر في وتيرة المواجهات والهجمات على مدينة الدلنج يضع أكثر من 50 ألف مدني في مرمى أخطار شديدة،

بما في ذلك النزوح وانهيار الخدمات، في ظل قيود شديدة على وصول المساعدات الإنسانية وتفاقم عزلة المدينة والتهديد المستمر بعودة الحصار. مئات القتلى بحسب التقرير، فإن ما لا يقل عن 100 مدني قتلوا بالمدينة منذ فبراير (شباط) الماضي،

منهم 35  مدنياً قتلوا منذ بداية أبريل (نيسان) فقط، بينما أصيب أكثر من 25 آخرين، نتيجة القصف المدفعي العشوائي والضربات الجوية المستمرة التي تستهدف الأحياء السكنية من دون سابق إنذار. يقدر عدد السكان داخل الدلنج حالياً بأكثر من 37 ألف شخص،

إضافة إلى نحو 14 ألف نازح حديثاً من المناطق المجاورة. تشير المجموعة إلى أنه وعلى رغم التخفيف الجزئي للحصار في وقت سابق في فبراير الماضي، والتحسن الموقت بعد تخفيف عزلة المدينة، غير أن الوضع العام واصل التدهور مجدداً،

ولا يزال المدنيون عرضة للعنف المستمر، مع عودة ظروف تشبه الحصار، تشمل قيوداً صارمة على الحركة، وانعدام الأمن على الطرق ونقص تدفق السلع والخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية.

أخطار متداخلة أكد التقرير أن المدنيين يواجهون أخطاراً متداخلة بسبب الوضع الأمني المضطرب، ما بين الهجمات المسيرة، والقصف المدفعي العشوائي، والهجمات البرية شبه الأسبوعية،

فضلاً عن وجود أطراف مسلحة داخل المناطق المدنية، كما أن تعطل الطرق الرئيسة التي تربط المدينة بالأبيض وهبيلا وغيرهما أدى إلى زيادة عزلة الدلنج، التي تعاني أصلاً الانهيار في الخدمات الأساسية ومحدودية الوصول الإنساني. كذلك أشارت المجموعة إلى أن تدهور الأمني تسبب في موجات من النزوح القسري الداخلي من الأحياء المتأثرة إلى أخرى أكثر أماناً في وسطها،

مما تسبب في اكتظاظ شديد في أماكن الإيواء، إذ يقيم النازحون في المساجد والمدارس أو لدى المجتمعات المضيفة في ظروف صعبة للغاية وأخطار متزايدة للنساء والأطفال. نقص ومعالجات في السياق وصف والي ولاية جنوب كردفان محمد إبراهيم عبدالكريم الحياة في عموم ولاية جنوب كردفان بأنها تمضي نحو السير بصورة طبيعية بفضل تصدي قوات الجيش للميليشيات والحركة الشعبية، على رغم وجود معاناة كبيرة وسط المواطنين،

إلا أن الخدمات مستمرة على رغم شح الإمكانات، مشدداً على ضرورة التركيز على معالجة النقص الحاد في السلع الضرورية وخصوصاً شح المياه بمنطقة الدلنج. أشار عبدالكريم إلى توقف حركة الاستثمار والأنشطة الزراعية والبيئية في منطقتي الدلنج وكادوقلي نتيجة للحرب، بينما تشهد المنطقة الشرقية بالولاية استقراراً كبيراً،

مشدداً على الحاجة العاجلة إلى صيانة الطريق الترابي الحيوي الذي يربط الدلنج وهبيلا والرهد بالأبيض والخرطوم. تهديدات وجوع على الصعيد نفسه يوضح القيادي الأهلي عبدالله نور الكريم أن المدنيين ظلوا طوال أشهر من القتال يواجهون خطر الموت المباشر، إما بسبب القصف  والمواجهات والذخائر غير المتفجرة التي تنتشر بصورة مخيفة وتشكل تهديداً كبيراً على حياة كل الناس والأطفال على نحو خاص، بجانب تنامي خطر الجوع ونقص الغذاء والتدني المريع في الخدمات الأساسية وبخاصة الصحية.

دفعت هذه الظروف القاسية وفق نور الكريم كثيرين من السكان إلى المخاطرة بمغادرة المدينة والتوجه إلى مناطق مثل أبو جبيهة، على رغم خطورة الطرق التي لا تقل عن أخطار القصف المدفعي وبالطائرات المسيرة، إذ تواجه النساء والفتيات مضايقات عند نقاط التفتيش، إلى جانب خطر الاحتجاز والعنف الجنسي والنهب والترهيب.

يتابع "شكلت معاناة المواطنين خلال الفترة الأخيرة أشد أنواع الأزمات الإنسانية في المدينة، نتيجة الحصار والقتال الممتد وتعطل طرق الإمداد وما تبعها من نقص في السلع الأساسية والغذاء وارتفاع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، عجز معه كثير من الأسر عن تأمين وجبة يومية واحدة، واضطر بعض السكان إلى الاعتماد على النباتات البرية والأعشاب لسد الجوع".

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) يوضح القيادي أن فتح بعض الطرق خلال الأشهر الماضية ودخول قوافل من المساعدات الإنسانية أدى إلى انخفاض نسبي في أسعار بعض السلع، لكن الاحتياجات الإنسانية ما زالت كبيرة، بخاصة مع تضرر البنية التحتية واستمرار آثار الحصار الذي دام لعامين. نسف الشريان يقول نور الكريم إن "التطور الأخير بتدمير الجسر الرابط بين مدينتي الدلنج وكادوقلي يعد العامل الأسوأ الذي من شأنه أن يقطع الشريان الذي كانت تعبر منه إمدادات المساعدات والسلع الأساسية ويفاقم الأزمة الإنسانية،

وينذر بدخول مدينة الدلنج مرحلة أشد قسوة من العزلة والمعاناة ويعمق مأساة ومعاناة سكانها". دفعت هذه الظروف القاسية السكان إلى المخاطرة بمغادرة المدينة (رويترز) ويوضح أن نسف هذا الجسر يعطل وصول الغذاء والدواء والوقود ليس إلى الدلنج وحدها، بل أيضاً إلى مدينة كادوقلي، متوقعاً أن تشهد السلع الأساسية،

وبخاصة الغذائية، شحاً وندرة كبيرة وارتفاعاً فاحشاً في الأسعار خلال الفترة المقبلة نتيجة اضطرار القوافل لاستخدام طرق بديلة أطول وأقل أمناً، كما يعقد من عمليات إجلاء المرضى. إصرار السيطرة من زاوية أخرى يبرر المحلل العسكري إسماعيل يوسف إصرار "الدعم السريع" والحركة الشعبية على السيطرة على مدينة الدلنج لما تمثله المدينة كونها البوابة الشمالية لجبال النوبة،

لأن السيطرة عليها تمنح أفضلية في التحرك بين محاور القتال المختلفة داخل الإقليم، كما تتيح قطع خطوط إمداد الجيش بين شمال كردفان وجنوبها، بهدف الضغط على مدينة كادوقلي وعزلها تمهيداً لحصارها. لكن يوسف يستبعد سقوطاً وشيكاً للمدينة في قبضة "الدعم السريع" لجهة أن الجيش ما زال يحتفظ بمواقعه ويمتلك تحصينات دفاعية قوية داخلها،

بخاصة بعد إعادة فتح طرق الإمداد وكسر الحصار الذي كان مضروباً عليها، منوهاً بأن الوضع العسكري غير المحسوم لصالح أي طرف حتى الآن يشير إلى أن هناك مزيداً من المعارك القادمة في صراع السعي إلى الهيمنة على الطرق والممرات، إذ ما زالت مناطق مثل التكمة وود حسين تشهد مواجهات كر وفر لا تنقطع. يرى المحلل العسكري أن تدمير الجسر الرابط بين الدلنج وكادوقلي سيؤثر في حركة الجيش وعرقلة تعزيزاته اللوجستية،

إلا في حال تمكن سلاح المهندسين التابع للجيش من إنشاء معابر عسكرية بديلة أو اختار الالتفاف حول موقع الجسر الذي سيكلف زمناً أطول وكلفة أكبر، بخاصة مع مشكلات موسم الأمطار. في منتصف مايو (أيار) الماضي، حققت قوات الجيش تقدماً ميدانياً بمحور مدينة الدلنج بجنوب كردفان وتمكنت من فتح الطريق البري الرابط بين المدينة والمناطق الشرقية،

مما سمح بعودة الحركة والتنقل بصورة طبيعية بعد فترة من الانقطاع، بينما ما يزال تحالف "الدعم السريع" والحركة الشعبية - شمال يعمل على عزل وتطويق مدينتي الدلنج وكادوقلي، عبر قطع سبل الوصول إليها بالسيطرة على الطرق الحيوية في المنطقة.