يجمع المراقبون أن الذهب بات أهم مصادر تمويل حرب السودان، الممتدة على مدى أعوامها الثلاثة الماضية، وأبرزها، كونه المصدر الأول للدولار النقدي المطلوب عالمياً،

فضلاً عن سهولة تهريبه وتحويله مباشرة لشراء السلاح والوقود وتوفير سيولة تسيير العمليات الحربية. وسط القتال المستعر الذي لا يكاد يهدأ، تنشط في صمت صحارى دارفور الوعرة شبكات تهريب الذهب عبر حدود دول الجوار الأفريقي لتمول وتُغذّي أوزار حرب خلفت، ولا تزال،

أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم اليوم. لكن يبدو أن الحرب لم تكتف بالذهب وحده لتمويل آلتها المجنونة، بل نشأ اقتصاد مواز للحرب يعتاش عليها ويغذيها في الوقت نفسه، من خلال علاقات سرية متداخلة عابرة للحدود،

فكيف نشأ ونما وترعرع اقتصاد الحرب في السودان؟ ومن المستفيد منه؟ وكيف يمكن مواجهته؟ تحت النيران بينما تسيل دماء السودانيين تحت نيران الحرب المتصاعدة،

كانت أطنان الذهب المهربة من المناجم السودانية في دارفور وغيرها، تتدفق في صمت نحو العمق الأفريقي لتغسل هناك وتتخذ طريقها عبر إعادة التصدير إلى الأسواق العالمية، وتوفير المرتزقة عبر خطوط إمداد البشر مقابل الذهب، فضلاً عن السلاح والذخائر.

وتحولت سيطرة "الدعم السريع" وهيمنتها على مناطق التعدين الكبرى في جبل عامر وكبكابية والسريف، إلى جانب تحكمها في مسارات وشبكات التهريب الإقليمية الممتدة عبر الصحراء إلى كل من ليبيا وتشاد كأحد أكبر مصادر تمويل الحرب، حيث تتم مقايضة الذهب المهرب بالوقود والسلاح. واستخرجت "الدعم السريع" ما يقارب 10 أطنان من الذهب تتجاوز قيمتها 850 مليون دولار من مناطق سيطرتها،

وفق تقرير المعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن (تشاتام هاوس) في مارس (آذار) 2025. الانهيار والنشوء في السياق يوضح المتخصص في الاقتصاد الكُلي يوسف زين العابدين أنه مع انهيار مؤسسات الدولة المركزية عقب اندلاع الحرب في العاصمة الخرطوم، تم الاستيلاء على معظم الممتلكات العامة من مخازن وسلع استراتيجية وحيوية ومقار حكومية وشركات خاصة، وشكلت لبنة لبداية نشوء اقتصاد الحرب،

سواء بالبيع أو استخدام تلك الموارد في التمويل اللوجيستي للمعارك. منذ تلك اللحظات المبكرة، بحسب زين العابدين، بدأت الحرب في تمويل نفسها لذلك كلما طال أمد القتال توسع هذا النوع من الاقتصاد الموازي يعززه استمرار ضعف الدولة الرسمية وزيادة الاعتماد على شبكات الحرب،

إلى جانب أن السيطرة العسكرية أصبحت تعني وضع اليد على موارد المنطقة. ويضيف زين العابدين "عزز انهيار الجهاز المصرفي انتقال الاقتصاد المباشر إلى التعامل النقدي والتعامل عبر الذهب والدولار والتحويلات غير الرسمية، مما شجع على ظهور شبكات مصالح جديدة من أطراف عدة أصبحت تتربح من استمرار الحرب أكثر من السلام". وتملك قوات "الدعم السريع"،

وفق زين العابدين، مصادر تمويل سرية عدة تعتمد على علاقات عابرة للحدود وشبكات متداخلة من الاقتصاد الموازي، تحولت عبر تلك المصادر من قوة عسكرية بحتة إلى كيان اقتصادي عسكري يدير موارد وتمويلاً مستقلاً جزئياً عن الدولة السودانية. حوافز السيطرة على صعيد متصل يرى المتخصص في الاقتصاد السياسي أزهري عبدالرؤوف عثمان أن،

"معدن الذهب تحول فعلياً إلى مصدر تمويل مباشر للمجموعات المسلحة، مما جعل المناجم هدفاً استراتيجياً للسيطرة، وباتت تلك المجموعات تدفع ببعض مسلحيها للعمل في المناجم والأنشطة غير الرسمية في بيع الذهب، لتحقيق مكاسب مالية فورية،

وتوفير سيولة كبيرة تستخدم لشراء الأسلحة والمعدات العسكرية وتمويل العمليات الحربية". حوافز السيطرة العسكرية تحول كل مردودها لمصلحة ميليشيات مسلحة (أ ف ب) يشير عثمان إلى أنه وبدلاً من إدارة الموارد عبر مؤسسات الدولة أو السلطات والمجتمعات المحلية، فإن حوافز السيطرة العسكرية تحول كل مردودها لمصلحة ميليشيات مسلحة، مما يزيد من أهمية سيطرتها العسكرية على أراض معينة،

وغالباً ما تحدث مثل هذه الممارسات بوجود جهات داخل الدولة أو خارجها تتواطأ بصورة أو بأخرى بدافع المصلحة أو الخوف، مع أولئك المسلحين بتمكينهم من الاستحواذ على الموارد العامة والثروات القومية، في علاقات مصلحة مشبوهة ومتداخلة. الذهب والسلاح على النحو ذاته يرى الناشط الاقتصادي،

محمود عوض الكريم، أنه لطالما الذهب يتدفق والأموال والسلاح لا ينقطعان وشبكات المصالح تتجذر، وتنمو طبقة أثرياء الحرب وتجار الأزمات فإن الحرب قد تطول، إذ يصعب وقفها من دون إغلاق الطريق أمام تدفقات ذهب السودان المنهوب.

أوضح عوض الكريم، أن حرب السودان، حولت موارد البلاد ومسارات التجارة إلى مصادر تمويل مباشرة للقوى المسلحة، باستخدام سلعة الوقود والضرائب ونهب الممتلكات العامة والخاصة والاستيلاء على العقارات والسيارات وبيعها عبر أسواق موازية بالأقاليم،

متابعاً "حولت الحرب ذهب غرب السودان إلى وقود لها، وبدلاً من أن يسهم في فتح آفاق التنمية والازدهار الاقتصادي بتلك المناطق المهمشة منذ أعوام طويلة، أصبح الذهب الرافد الذي يغذي استمرار هذا الصراع الدامي، ويدمر حاضر البلاد ويضع مستقبلها في مهب الرياح".

شركات وواجهات وتشير مصادر عدة إلى أن شركات وواجهات تجارية مرتبطة بقيادات أو شبكات مقربة من "الدعم السريع" تعمل في مجالات تجارة الذهب والتعدين والتصدير والنقل والمقاولات، وتُستخدم هذه الشركات لتحويل الموارد العسكرية إلى أموال قانونية شبه مدنية. بحسب المصادر، تستفيد القوى المسلحة من السيطرة على المعابر والطرق الصحراوية لفرض الإتاوات والرسوم على حركة البضائع والأسواق والتعدين الأهلي،

حيث أصبحت السيطرة على الأرض تعني السيطرة على الموارد. ترتبط تلك الشركات والواجهات، وفق عوض الكريم، بقيادات وشبكات مقربة من "الدعم السريع" وتعمل في مجالات تجارة الذهب والتعدين والتصدير والنقل والمقاولات،

ويتم استخدامها كذلك في تحويل الأموال والموارد إلى عتاد عسكري وسلاح. وبحسب دراسة لمعهد الملكي للشؤون الدولية (تشام هاوس) البريطاني، أصبح الذهب أهم مصادر الدخل للأطراف المتحاربة، وتوسعت شبكات التجارة والتهريب عبر دول الجوار وربطت الحرب باقتصاد إقليمي غير رسمي.

كشفت الدراسة أن جزءاً كبيراً من الذهب السوداني يغادر بطرق غير مباشرة عبر دول وسيطة قبل وصوله إلى الأسواق العالمية. أثرياء الحروب على النحو ذاته يوضح الأكاديمي الاقتصادي محمد الناير أن اقتصاد الحرب ينشأ دائماً عندما تتراجع المؤشرات الاقتصادية بالدولة، مثل تدهور قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم والفقر والبطالة وغيرها، وهو نمط من الاقتصاد يظهر فيه من يعرفون بـ"أثرياء الحروب" من الفئات التي ليست لها نزعة وطنية وتستغل ضعف دور الدولة في المتابعة والمراقبة وهشاشة الوضع الاقتصادي لتتكسب من مثل هذه الظروف.

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) لذلك بحسب الناير "هناك دائماً من يبنون مكاسبهم الضخمة على استمرار الحروب وتداعياتها الأمنية والاقتصادية والإنسانية، لذا فهم فئة لا يسعدها توقف الحرب بل تسعى إلى عدم توقفها وإطالة أمدها لارتباطها بمصالحهم، ولا يقتصر ذلك على فئات الداخل فقط بل أيضاً هناك جهات خارجية تعمل على عدم وقف الحرب وتتربح من استمرارها عبر تجارة السلاح أو حتى طمعاً في تضخم كيكة إعادة الإعمار لاحقاً". الجدية والإصلاح يرى الأكاديمي أن كبح نشاط شبكات المصالح الداخلية المرتبطة بصناعة اقتصاد الحرب والثراء من خلاله باستغلال الظروف الاقتصادية لجني أرباح غير معقولة،

يتوقف على جدية الدولة في التعامل مع مثل تلك الفئات وتبني عمليات إصلاح إسعافية طارئة مع أهمية ضبط الأسواق وحركة السلع والأموال. يسوق الناير نموذجاً بما يحدث في قطاع المشتقات البترولية والنفطية والارتفاع الجنوني في أسعارها بما يفوق الأسعار العالمية، وهنا كان لا بد للدولة من أن تتدخل وتقوم بدورها في مكافحة أثرياء الحرب وإبعاد مثل هذه الفئات التي تتكسب من الحرب وأوجاع الناس. المخدرات والحرب وكشف تقرير لمرصد الشفافية والسياسات في السودان أن الاقتصاد الأسود أصبح أحد الروافد الأساسية لتغذية استمرار الحرب بالبلاد،

منوهاً إلى تحول خطر في خريطة الأنشطة غير المشروعة، إذ أصبح السودان مركزاً ناشئاً لإنتاج وتهريب المخدرات الاصطناعية. لفت المرصد إلى ظهور مؤشرات مقلقة حول توسع هذه الصناعة داخل البلاد، بعد ضبط ثلاثة معامل لإنتاج الكبتاغون،

وارتفاع القدرة الإنتاجية من 7200 حبة في 2023 إلى نحو 100 ألف حبة في الساعة ببعض المصانع في 2025، فضلاً عن ضخامة الوارد من الخارج عبر التهريب، مما يعني أن البلاد تحولت منذ اندلاع الحرب الراهنة في 2023 من مجرد معبر للتهريب إلى منصة كبرى للتصنيع نتيجة ضعف قبضة الرقابة الحكومية وتشتت السلطة. الفوضى والثراء المحلل الاقتصادي،

معروف علي سعيد، يرى أن المفارقة في اقتصاد الحرب بالسودان هي أنه وبينما يتداعى الاقتصاد الرسمي للدولة المركزية وتتآكل القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية المنتجة، ويزداد فقر المجتمع وتسحق الطبقة الوسطى يحقق تجار الأزمات والأثرياء الجدد أرباحاً طائلة من الفوضى وتتحوّل الموارد الاستراتيجية إلى وقود للحرب وعلى رأسها الذهب، وتنشط شبكات تهريب الذهب والتجارة العابرة للحدود كجزء من اقتصاد الحرب،

مما دفع بالاقتصاد تدرجاً من الإنتاج إلى اقتصاد الميليشيات والتهريب والنزاع الطويل الأمد. كلما طال أمد الحرب تترسخ طبقة مصالح حرب قوامها شبكات التسليح والتهريب (أ ف ب) ليس ذلك وحسب بل إنه، بحسب سعيد، كلما طال أمد الحرب تترسخ طبقة مصالح حرب قوامها شبكات التسليح والتهريب وتجار أزمات وسماسرة وأيضاً قادة ميدانيون مستفيدون ويملكون موارد مستقلة،

هذه الطبقة تصبح لاحقاً عقبة أمام السلام، لأن وقف الحرب يهدد مصالحها الاقتصادية. خطر التكيف يعتقد المحلل الاقتصادي أن الأمر الأخطر الذي يواجه الوضع في السودان الآن هو أن اقتصاد الحرب يمضي نحو التكيف مع الحرب وليس التلاشي أو الاختفاء، لأن الحرب عندما تصبح مصدر رزق وتمويل ونفوذ،

يصبح إيقافها أصعب سياسياً واقتصادياً، والتحدي الأكبر حال توقف الحرب سيكون في كيفية إعادة الموارد والتحصيل والتجارة إلى مؤسسات الدولة بدل اقتصاد السلاح والتهريب. الذهب الضائع طالبت شعبة مصدري الذهب الحكومة بالتدخل العاجل لإنقاذ صادرات الذهب واستيراد المحروقات، ودعت إلى إجراء تحقيق شفاف وشامل حول الفجوة بين الإنتاج الفعلي والصادر الرسمي.

واتهمت الشعبة جهات، وصفتها بتجار العملة وضعاف النفوس، بالسيطرة على جزء كبير من الإنتاج وتوجيهه لمصالحها الخاصة، على حساب الاقتصاد الوطني ومعاناة المواطنين.

ويتجاوز إنتاج السودان من الذهب 70 طناً سنوياً، بعائدات تقديرية تفوق 6 مليارات دولار، في حين تشير التقارير الرسمية للبنك المركزي إلى أن حجم الصادر لا يتجاوز ملياري دولار فقط. وتشير تقديرات فنية إلى أن ما بين 48 إلى 60 في المئة من إنتاج الذهب يتم تهريبه عبر قنوات غير رسمية.