على امتداد الشريط الحدودي، تتقاطع حرب السودان مع صراع أفريقيا الوسطى، وتتداخل الجغرافيا مع اقتصاد الذهب، فيما يفسح اضطراب الحدود المجال أمام الجماعات المسلحة،

لإعادة تشكيل خرائط النفوذ خارج سلطة الدولة. ودخل الشريط الحدودي مرحلة جديدة تجاوزت التهديدات التقليدية، ليصبح أحد أكثر أقاليم وسط أفريقيا ارتباطاً بالصراع على الموارد، حيث تختلط حركة المقاتلين بمسارات التجارة غير المشروعة،

وتتوارى الحدود الرسمية خلف خرائط جديدة، ترسمها المناجم والمعابر وشبكات النفوذ، وفي قلب هذا المشهد، يبرز الذهب بوصفه المحرك الأكثر تأثيراً في إعادة تشكيل موازين القوة،

فلم يعد المعدن النفيس مجرد ثروة طبيعية تتنافس عليها الحكومات، وإنما تحول إلى بنية اقتصادية موازية تمول الجماعات المسلحة، تحدد خرائط التحالفات وتمنح السيطرة على الأرض معنى آخر، ولذلك لم تعد المدن الحدودية،

من أم دافوق إلى بيراو، تقاس بأهميتها السكانية أو الإدارية، وإنما بموقعها على الطرق التي تنقل الذهب من مناجم شمال شرق أفريقيا الوسطى إلى أسواق دارفور، ومنها إلى شبكات التجارة الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، تبدو "ميليشيات سيليكا" أكثر من مجرد حركة تمرد نشأت في سياق الأزمة الداخلية بأفريقيا الوسطى، فقد أعادت، على مدى أعوام،

تموضعها داخل دورة الحرب الاقتصادية، مستفيدة من اضطراب الحدود، وانهيار مؤسسات الدولة، وتشابك النزاعات في السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى،

لتغدو أحد أبرز الفاعلين في تأمين مسارات الذهب، وفرض السيطرة على طرق العبور الحيوية، ويرافق ذلك تطورات عسكرية في أم دافوق، تبعتها هجمات مضادة وتحركات للقوات الحكومية وحلفائها،

باعتبارها أحداثاً متصلة، وانعكاساً لصراع أوسع على التحكم في الاقتصاد غير الرسمي الذي يغذي النزاعات في الإقليم، فالمواجهة الحقيقية لا تدور حول بلدة حدودية بعينها، وإنما حول السيطرة على الشريان الذي يربط الذهب بالقوة،

والموارد بالنفوذ، والجغرافيا باستدامة الحرب. مسارات التعدين ظهر "تحالف سيليكا" أواخر عام 2012 بوصفه ائتلافاً يضم فصائل مسلحة تنشط في شمال وشرق جمهورية أفريقيا الوسطى، مستنداً إلى اتهام حكومة الرئيس فرانسوا بوزيزيه بالتنصل من اتفاقات السلام الموقعة بين عامي 2007 و2011،

ولا سيما في ما يتعلق بنزع السلاح وإعادة دمج المقاتلين في مؤسسات الدولة، وفي الـ 24 من مارس (آذار) 2013، نجح التحالف في دخول العاصمة بانغي والإطاحة ببوزيزيه، قبل أن يتولى زعيمه،

ميشال جوتوديا، الرئاسة الانتقالية، ليصبح أول رئيس مسلم في تاريخ البلاد الحديث. الذهب أصبح العمود الفقري لاقتصاد الحرب (أ ف ب)​​​​​​​ لكن انهيار النظام القديم لم يؤد إلى بناء سلطة جديدة،

بل كشف عن تضعضع الدولة، وبعد أشهر قليلة أعلن جوتوديا حل "سيليكا" رسمياً، غير أن القرار بقي بلا أثر ميداني، إذ احتفظ قادة الفصائل بسلاحهم،

وأعادوا الانتشار شمال وشرق البلاد، حيث تتركز المناجم وممرات التجارة الحدودية، وفي المقابل تشكلت "ميليشيات أنتي بالاكا"، وهي مجموعات دفاع ذاتي ذات غالبية مسيحية،

ارتبط قسم منها بـ "أنصار بوزيزيه"، لتدخل البلاد في دوامة من العنف الطائفي والإثني، سرعان ما تجاوزت دوافعها السياسية لتصبح صراعاً على الموارد ومناطق النفوذ. ومع انقسام "سيليكا" إلى فصائل عدة،

انتقل مركز الثقل من بانغي إلى المحافظات الشمالية الشرقية، ولا سيما فاكاغا ووكا، المتاخمتين للسودان وتشاد، وهناك لم يعد الذهب مورداً اقتصادياً وحسب،

بل أصبح العمود الفقري لاقتصاد الحرب، فقد أحكمت هذه الفصائل سيطرتها على مواقع التعدين، وفرضت الإتاوات على المنقبين والتجار، وأمّنت طرق نقل الذهب عبر أم دافوق ودارفور،

مستفيدة من ضعف الرقابة الحدودية واتساع شبكات التهريب. وعلى رغم توقيع "اتفاق الخرطوم للسلام" عام 2019، وما أعقبه من عمليات عسكرية نفذتها الحكومة بدعم روسي لاستعادة عدد من المدن، لكن لم يتغير جوهر المعادلة في الشمال الشرقي،

فقد خسرت "فصائل سيليكا" بعض المراكز الحضرية، لكنها حافظت على حضورها في الأرياف ومسارات التعدين، وأعادت تكييف بنيتها العسكرية لتصبح أكثر اعتماداً على السيطرة الاقتصادية منها على السيطرة الإدارية، ومع اندلاع الحرب في السودان عام 2023،

اكتسبت هذه الشبكات هامشاً أوسع للحركة، لتتحول الحدود إلى شريان يربط مناجم الذهب في أفريقيا الوسطى بأسواق دارفور. تحالفات مرنة تكمن القيمة الإستراتيجية للشمال الشرقي من جمهورية أفريقيا الوسطى، إضافة إلى حجم احتياطات الذهب،

في طبيعة إنتاجه وتداوله، فالمنطقة تعتمد بصورة رئيسة على التعدين الحرفي وشبه الصناعي، وهو نمط يصعب إخضاعه لرقابة الدولة، ويمنح الجماعات المسلحة قدرة كبيرة على التحكم في حركة الإنتاج،

من دون الحاجة إلى إدارة المناجم مباشرة، ولهذا لم يكن الذهب بالنسبة إلى "فصائل سيليكا" مجرد مورد مالي، بل وسيلة لبناء منظومة نفوذ متكاملة تبدأ من مواقع التعدين، مروراً بمراكز التجميع والوسطاء المحليين،

وصولاً إلى شبكات النقل والتصدير عبر الحدود، وقد قامت هذه المنظومة على تحالفات مرنة جمعت "فصائل سيليكا" بزعماء عشائر، وتجار ذهب، ووسطاء نقل،

وعناصر من شبكات التهريب العابرة للحدود، مستفيدة من الامتدادات الاجتماعية بين شمال أفريقيا الوسطى ودارفور وتشاد، وبدلاً من احتكار الإنتاج، ركزت هذه الفصائل على فرض الضرائب غير الرسمية ورسوم العبور وتأمين القوافل،

مما وفر لها تدفقات مالية مستقرة بأقل كلفة عسكرية ممكنة، ومع مرور الوقت نشأ اقتصاد مواز لم يعد يعتمد على مؤسسات الدولة، وإنما على توازنات القوة التي تفرضها الجماعات المسلحة في الميدان. الحدود تحولت إلى شريان يربط مناجم الذهب في أفريقيا الوسطى بأسواق دارفور (أ ف ب) وانعكست هذه المعادلة مباشرة على السودان،

ولا سيما إقليم دارفور، فشبكات التهريب لا تعترف بالحدود السياسية، بل تتحرك وفق اعتبارات الأمن والربح، مما جعل الأسواق الحدودية ومراكز التجميع في دارفور جزءاً من الدورة الاقتصادية للذهب.

بنية معقدة يستند استمرار نفوذ "فصائل سيليكا" إلى بنية جيوسياسية واقتصادية أكثر تعقيداً من مجرد السيطرة على الأرض، فقد تحولت المنطقة الحدودية مع السودان إلى ممر تتقاطع فيه طرق الذهب مع مسارات السلاح والهجرة والتهريب، وتقوم هذه المعادلة على خمس عوامل رئيسة، أولها هشاشة الدولة في أفريقيا الوسطى،

حيث لا تزال السلطة المركزية عاجزة عن فرض سيادتها على المحافظات الشمالية الشرقية، تاركة فراغاً أمنياً تملؤه الجماعات المسلحة وشبكات الاقتصاد غير المشروع، وثانيها الحرب السودانية التي أعادت تشكيل البيئة الأمنية في الإقليم، بعدما حولت دارفور إلى امتداد طبيعي لاقتصاد الصراع في أفريقيا الوسطى،

وألغت عملياً الوظيفة التقليدية للحدود بوصفها حاجزاً أمام انتقال المقاتلين والذهب والسلاح. شبكات التهريب لا تعترف بالحدود السياسية (أ ف ب) أما العامل الثالث، فيتمثل في الأهمية الاقتصادية لمناجم الذهب التي لم تعد مصدراً للإيرادات وحسب، بل أصبحت الركيزة المالية التي تضمن استمرار الفاعلين المسلحين،

وتوفر لهم القدرة على شراء السلاح، واستقطاب المقاتلين، وإقامة شبكات ولاء محلية عابرة للقبائل والحدود، أما العامل الرابع فهو التنافس الخارجي المتزايد على الموارد المعدنية،

حيث بات الحضور الروسي، ممثلاً سابقاً في "مجموعة فاغنر" ولاحقاً في "فيلق أفريقيا"، جزءاً من معادلة تأمين مناطق التعدين وخطوط الإمداد، في وقت توسع شركات أجنبية،

ولا سيما الصينية، أنشطتها في قطاع الذهب وسط بيئة تنظيمية هشة. ويبقى العامل الخامس الطبيعة المفتوحة للحدود نفسها، فالشريط الحدودي بين السودان وأفريقيا الوسطى لم يعد يؤدي وظيفة الفصل بين سيادتين،

بل تحول إلى مساحة تتحرك فيها التجارة النظامية وغير النظامية بالقدر نفسه، وتتشابك فيه مصالح الجماعات المسلحة مع شبكات التهريب والوسطاء المحليين. مستقبل المنطقة وإذا استمرت الاتجاهات الراهنة، فمن المرجح أن تتحول الحدود بين السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى من منطقة تماس أمني إلى ساحة جيوسياسية تتنافس عليها شبكات النفوذ الإقليمية والدولية،

وتشير المؤشرات الحالية إلى أن بلدات أم دافوق ومعها بيراو ومحور فاكاغا مرشحة للاحتفاظ بمكانتها بوصفها إحدى أهم النقاط اللوجستية في وسط أفريقيا، سواء نجحت الحكومات في تعزيز وجودها العسكري، أو بقيت الجماعات المسلحة صاحبة اليد العليا، فالطرق التجارية التي تشكلت خلال أعوام النزاع أثبتت قدرة كبيرة على التكيف مع تبدل موازين القوة،

إذ تنتقل إلى معابر بديلة كلما تعرضت لضغط عسكري، بينما تحافظ الشبكات التي تديرها على تماسكها بفضل ارتباطها بالوسطاء المحليين والتجار وشبكات التمويل العابرة للحدود. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وسيظل مستقبل هذه المسارات رهيناً بمتغيرات ثلاثة رئيسة، أولها مآلات الحرب في السودان،

إذ إن أية تسوية تعيد بناء مؤسسات الدولة في دارفور ستحد تدريجياً من حرية حركة شبكات التهريب، في حين أن استمرار النزاع سيرسخ الحدود، بوصفها منطقة رخوة تستقطب مزيداً من الفاعلين المسلحين، وثانيها قدرة حكومة بانغي على الانتقال من استعادة المدن إلى فرض إدارة مستدامة على المحافظات الشمالية الشرقية،

وهو تحد يرتبط ببناء مؤسسات مدنية وتنظيم قطاع التعدين بقدر ارتباطه بالقدرات العسكرية. أما المتغير الثالث، فيتمثل في احتدام التنافس الدولي على الذهب والمعادن الإستراتيجية، وهو ما قد يدفع القوى الداخلة في أفريقيا الوسطى إلى توسيع حضورها الأمني والاقتصادي،

سواء بصورة مباشرة أو عبر وكلاء محليين، وعليه فإن مستقبل المنطقة لن يتحدد بحسم معركة هنا أو استعادة بلدة هناك، بل بقدرة الدولتين على استعادة الوظائف التي انتزعتها منهما الجماعات المسلحة، وهي ضبط الحدود،

وتنظيم التعدين، واحتكار استخدام القوة، وما لم يتحقق ذلك فستظل المنطقة الحدودية تمثل نقطة ارتكاز لإعادة إنتاج اقتصاد الحرب، وسيبقى الذهب عاملاً حاسماً في تشكيل التحالفات،

وتوجيه مسارات النفوذ، وإطالة أمد عدم الاستقرار، حتى مع تغير خرائط السيطرة العسكرية.