في مناطق سودانية عدة كانت الزراعة والرعي يمثلان مصدر الدخل الأساس لسكانها، لكن في الأعوام الأخيرة غير الذهب طبيعة العمل فيها، إذ لم يعد الحقل والرعي وحدهما مصدر الرزق، وأصبح المنجم خياراً اقتصادياً يجذب عمالاً من القرى والمناطق المحيطة،
بعضهم يترك الزراعة موقتاً بحثاً عن دخل أسرع، وآخرون يدخلون التعدين كونه أحد الخيارات القليلة المتاحة أمامهم. وفي مناطق مثل شمال السودان وكردفان توسع التعدين التقليدي على نطاق واسع، وأصبح نشاطاً اقتصادياً يضم العاملين في الحفر والطحن والغسل والمعالجة،
إلى جانب شبكة من التجار والناقلين وأصحاب المطاعم والمتاجر والخدمات المرتبطة بمواقع التعدين، لكن في المقابل أضر هذا النشاط بالزراعة والبيئة، وترك المجتمعات أمام سؤال نصيبها من عائدات الذهب. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن عدد العاملين في التعدين التقليدي عن الذهب في السودان كان محل تقديرات واسعة،
تراوحت ما بين 250 ألفاً ومليون شخص، مع احتساب العاملين بصورة مباشرة وغير مباشرة في المعالجة والتجارة والخدمات المرتبطة بالنشاط، كذلك رصد البنك الدولي انتقال وظائف التعدين بدرجة أكبر نحو مناطق الشمال وكردفان حيث توجد مواقع استخراج الذهب. فرص جديدة يخلق التعدين الأهلي سلسلة من الوظائف المباشرة وغير المباشرة،
فإلى جانب العامل داخل الحفرة، هناك من ينقل الصخور، ومن يطحنها، ومن يعمل في عمليات الغسل والمعالجة،
ومن يبيع الطعام والمياه والوقود، ومن يوفر وسائل النقل والأدوات. وهذا يعني أن أثر المنجم في سوق العمل المحلي لا يقاس بعدد عمال الحفر وحدهم. وفي بعض المناطق يمكن أن يوفر التعدين دخلاً لشباب لم يجدوا فرصاً كافية في الزراعة أو الوظائف النظامية،
كذلك يمكن أن يمنح الأسر مصدراً نقدياً سريعاً في بيئة ترتفع فيها كلف المعيشة وتتراجع فيها قدرة النشاط الزراعي على توفير دخل منتظم. وفي هذا الصدد يقول المتخصص في الاقتصاد الريفي جعفر عباس أنه "يجب النظر إلى التعدين الأهلي على أنه جزء من اقتصاد محلي متكامل، وليس مجرد نشاط يقوم به عمال داخل المناجم، فعندما يظهر موقع تعدين في منطقة ريفية،
فإنه يخلق طلباً على مجموعة واسعة من الخدمات، ويؤثر في حركة السكان والأسواق وأسعار بعض السلع". ويرى عباس أن "الميزة الأساسية التي تجعل التعدين جذاباً لكثير من السكان هي قدرته على توفير دخل نقدي في وقت قصير نسبياً مقارنة ببعض الأنشطة الزراعية، فالمزارع ينتظر موسماً كاملاً للحصول على عائد المحصول،
بينما يمكن للعامل في التعدين الحصول على دخل بصورة أكثر تكراراً، حتى وإن كان غير مضمون"، وأضاف أن "هذه المقارنة لا تعني أن التعدين أكثر استقراراً، فدخل العامل يعتمد على كمية الذهب المستخرجة،
ونوعية الخام، وأسعار الذهب، وكلف المعدات والمعالجة، إضافة إلى ظروف العمل،
وقد يمر العامل بفترات يحصل فيها على دخل جيد، ثم يواجه أسابيع أو أشهراً من دون عائد كاف"، وزاد "تكمن المشكلة الاقتصادية عندما ينتقل عدد كبير من العمال من نشاط إنتاجي إلى آخر من دون أن تتوسع قاعدة الاقتصاد المحلي، فإذا ترك المزارعون حقولهم للعمل في التعدين،
فإن المجتمع قد يحصل على دخل نقدي أكبر على المدى القصير، لكنه قد يفقد جزءاً من قدرته على إنتاج الغذاء، ولهذا يجب قياس أثر التعدين في فرص العمل بطريقة أوسع". واختتم المتخصص في الاقتصاد الريفي حديثه بالقول "يجب النظر إلى الوظائف غير المباشرة،
فالأسواق القريبة من المناجم قد تستفيد من زيادة الطلب، ويمكن أن تظهر أعمال في النقل والطعام والسكن وتجارة الأدوات. هذه الأنشطة قد تكون أكثر استدامة من العمل داخل المنجم نفسه إذا استمرت الحركة الاقتصادية في المنطقة، لكن الاستفادة تعتمد على توزيع الدخل،
فإذا كانت القيمة الأكبر تذهب إلى مالكي المعدات أو التجار أو المشترين الذين يأتون من خارج المنطقة، فقد لا ينعكس ارتفاع إنتاج الذهب على دخل الأسر المحلية بالدرجة نفسها، لذلك فإن وجود منجم في منطقة فقيرة لا يعني تلقائياً أن المنطقة أصبحت أكثر ثراءً، فالمؤشر الحقيقي هو ما إذا كان النشاط قد رفع دخول السكان،
وخلق وظائف مستقرة، وحسن الخدمات، وفتح فرصاً اقتصادية تتجاوز استخراج الذهب نفسه". قرى تتغير في مناطق تعتمد على الزراعة المطرية والرعي،
قد يصبح التعدين منافساً للأنشطة التقليدية على العمالة والأرض والمياه. وتوثق تقارير بيئية للأمم المتحدة أن سرعة العائد من الذهب شجعت بعض المزارعين في السودان على الانتقال من الزراعة إلى التعدين. وقد يكون الانتقال موقتاً في البداية، إذ يذهب المزارع إلى المنجم خلال فترة معينة،
ثم يعود إلى أرضه في موسم الزراعة، لكن استمرار ارتفاع كلفة الزراعة أو تراجع الأمطار قد يجعل العودة إلى التعدين أكثر جاذبية، وهكذا تتغير وظيفة الأرض نفسها. نعمة جلال الباحثة في التنمية الريفية تقول إنه "لا يمكن قياس أثر التعدين في المجتمع المحلي من خلال الدخل الناتج منه فقط،
هناك ما يسمى كلفة الفرصة البديلة ماذا كان يمكن أن ينتجه الشخص لو بقي في الزراعة أو الرعي بدلاً من العمل في المنجم". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وتابعت جلال أن "هذه النقطة مهمة في السودان لأن كثيراً من المناطق التي توسع فيها التعدين كانت تعتمد تاريخياً على أنشطة زراعية ورعوية، وإذا أدى التعدين إلى سحب العمالة من هذه القطاعات، فإن المجتمع قد يربح دخلاً نقدياً لكنه يخسر جزءاً من إنتاج الغذاء المحلي"،
وأردفت أن "ذلك لا يعني أن انتقال بعض العمال إلى التعدين يمثل بالضرورة مشكلة، فالناس يغيرون مصادر دخلهم عندما تتغير الظروف الاقتصادية. المشكلة تظهر عندما يكون الانتقال نتيجة لانهيار الخيارات الأخرى، لا نتيجة لوجود اقتصاد متنوع يستطيع الفرد الاختيار داخله".
وبينت أن "المجتمعات المحلية تحتاج في هذه الحال إلى إدارة عملية التحول بدلاً من تركها للسوق وحدها، فمن الضروري تحديد الأراضي الزراعية التي يجب حمايتها، ومصادر المياه التي لا ينبغي تعريضها للتلوث، والمناطق السكنية التي تحتاج إلى خدمات إضافية".
ولفتت الباحثة في التنمية الريفية إلى أن "أفضل سيناريو ليس أن يحل الذهب محل الزراعة والرعي، وإنما أن يضيف مصدراً للدخل من دون تدمير الأنشطة التي يعتمد عليها المجتمع في المدى الطويل، فالذهب مورد ينتهي، بينما تحتاج الأسرة إلى مصدر دخل يمكن أن يستمر بعد انتهاء الخام".
أرض ملوثة تحذر الأمم المتحدة للبيئة من آثار استخدام الزئبق في التعدين الأهلي، وما لذلك من أخطار صحية وبيئية، كذلك تشير إلى أن مساحات من الأراضي التي كان يمكن استخدامها للزراعة تتعرض للتدهور بسبب عمليات التعدين، وتكتسب المسألة أهمية خاصة في المناطق القريبة من مصادر المياه أو الأراضي الزراعية.
وتشير دراسة حديثة استخدمت صور الأقمار الاصطناعية وتقنيات التعلم الآلي إلى توسع نشاط التعدين الأهلي والصغير للذهب قرب نهر النيل في شمال السودان، مع إمكان استخدام هذه البيانات لرصد التغيرات البيئية المرتبطة بمواقع التعدين. الباحث في البيئة والصحة العامة أشرف شرف الدين يقول إن "التأثيرات البيئية للتعدين بحسب نوع الخام وطريقة الاستخراج وطريقة المعالجة، ولذلك من المهم عدم التعامل مع كل مواقع التعدين بالطريقة ذاتها،
لكن التعدين الأهلي غير المنظم يمكن أن يخلق مجموعة من الأخطار التي تتراكم مع الوقت". ويرى شرف الدين أن "أحد أهم هذه الأخطار استخدام المواد الكيماوية في معالجة الذهب، فالزئبق، الذي يستخدم في بعض عمليات التعدين التقليدي لفصل الذهب،
يمكن أن ينتقل إلى البيئة إذا لم يدر بصورة سليمة. ويثير ذلك مخاوف تتعلق بالتربة والمياه وصحة العاملين والأشخاص الذين يعيشون قرب مواقع المعالجة". وأوضح أنه "توجد مشكلة أخرى مرتبطة بالمخلفات، فعمليات التعدين تنتج كميات كبيرة من الصخور والمواد التي لا تحوي الذهب المطلوب،
وقد تتراكم هذه المخلفات قرب مناطق العمل أو مصادر المياه، أيضاً إزالة التربة وحفر الأرض يغيران طبيعة المنطقة. وإذا لم تؤهل المواقع بعد انتهاء التعدين فقد تبقى الأراضي غير صالحة للاستخدام الزراعي أو الرعوي، وقد تشكل الحفر المفتوحة خطراً على السكان والحيوانات"،
وواصل أنه "في المناطق التي تعتمد على المياه الجوفية أو الأنهار، تصبح مراقبة جودة المياه مسألة أساسية، لأن المجتمع المحلي يحتاج إلى معرفة ما إذا كانت المياه التي يشربها ويستخدمها للزراعة والرعي ما زالت آمنة، لكن بصورة عامة تمكن الصعوبة في أن بعض الآثار البيئية لا تظهر فوراً،
فقد يستمر النشاط أعواماً قبل أن تبدأ آثاره في الظهور بصورة واضحة، وقد تنتقل بعض الملوثات خارج موقع التعدين نفسه". ونوه الباحث في البيئة والصحة العامة بأن "الرقابة البيئية ينبغي أن تكون جزءاً من النشاط منذ البداية، وليس إجراء يأتي بعد انتهاء المنجم.
ويشمل ذلك مراقبة المياه والتربة، وتنظيم استخدام المواد الكيماوية، وتحديد أماكن المخلفات، وإلزام العاملين إجراءات السلامة وإعادة تأهيل الأراضي".
نصيب المنطقة قد تستمر القرية في مواجهة مشكلات المياه أو الطرق أو الخدمات الصحية، بينما يتحول موقع التعدين إلى مركز تجاري نشط، وقد يحصل أفراد على دخل جيد من العمل في التعدين، في حين لا تحصل المنطقة ككل على خدمات تتناسب مع حجم النشاط الاقتصادي فيها،
وتصبح المسألة أكثر تعقيداً في ظل الحرب، إذ تحولت تجارة الذهب نفسها إلى جزء من اقتصاد الصراع، وتداخلت عمليات الاستخراج والتجارة والتهريب مع شبكات مالية وأمنية متنافسة. المتخصص في الحوكمة وإدارة الموارد الطبيعية مصطفى الزين يشير إلى أن "استفادة المجتمعات المحلية من التعدين يجب أن تراعي التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة،
المستوى الأول هو الدخل المباشر، مثل أجور العمال وأرباح أصحاب الأنشطة التجارية والخدمات المرتبطة بالمنجم، والمستوى الثاني هو الإيرادات العامة التي تحصل عليها الدولة من النشاط، والتي يفترض أن تعود بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى المواطنين من خلال الخدمات والاستثمار العام،
أما المستوى الثالث فهو ما يمكن تسميته العائد المحلي المباشر". وأضاف الزين أن "وجود المستوى الأول وحده لا يعني أن المجتمع استفاد بصورة عادلة، فقد يكون هناك عشرات أو مئات الأشخاص الذين يحصلون على دخل من المنجم، بينما تبقى غالبية السكان خارج النشاط،
ولهذا تحتاج المناطق التعدينية إلى آليات واضحة تحدد حقوق المجتمعات المحلية، وكيفية التعامل مع الأراضي، ومن يتحمل مسؤولية الأضرار البيئية، وكيف تستخدم الإيرادات المرتبطة بالنشاط"،
وأردف أن "الشفافية أكثر أهمية في التعدين الأهلي، لأن تعقيد سلسلة الذهب يجعل من الصعب أحياناً معرفة المشتري النهائي، والقيمة الفعلية للذهب، والضرائب والرسوم التي دفعت،
وحجم الذهب الذي خرج من القنوات الرسمية". وبين أن "التنمية المحلية لا تعني بالضرورة توزيع الأموال على الأسر، ففي بعض الحالات قد يكون الاستثمار الأفضل هو تحسين المياه، أو إنشاء مركز صحي،
أو إصلاح طريق، أو دعم مدرسة، أو توفير خدمات بيطرية وزراعية، لكن تحديد هذه الأولويات يجب أن يجري بمشاركة السكان،
وليس بقرارات تأتي من خارج المنطقة، فالقرية القريبة من المنجم قد تحتاج إلى مياه أكثر من طريق جديد، بينما تحتاج منطقة أخرى إلى مركز صحي أو مدرسة". وخلص المتخصص في الحوكمة وإدارة الموارد الطبيعية إلى القول "في نهاية المطاف،
الذهب مورد طبيعي محدود، لذلك فإن العائد الحقيقي للمجتمع لا ينبغي أن يقاس فقط بما يحصل عليه خلال أعوام استخراج الذهب، وإنما بما يبقى بعد انتهاء النشاط، فإذا استثمر جزء من عائد الذهب في التعليم والصحة والبنية التحتية وتنويع الاقتصاد،
يمكن أن يتحول المورد الموقت إلى أصل تنموي طويل الأمد، أما إذا غادرت قيمة الذهب المنطقة، وبقيت المخلفات والأخطار البيئية فيها، فإن المجتمع يكون قد تحمل جزءاً كبيراً من الكلفة من دون الحصول على عائد مماثل".