تحولت ظاهرة إطلاق الرصاص العشوائي في الأفراح السودانية، كمظهر احتفالي متجذر محلياً، فجأة إلى مأساة حقيقية تسرق البهجة وتحيل الأعراس إلى مآتم وفزع وسرادق عزاء. وعادة ما تسفر هذه الحوادث المؤسفة عن مقتل أو إصابة العريس أو أحد من الحضور بأعيرة نارية طائشة تكون خرجت عن طريق الخطأ من أسلحة أصدقاء أو أقارب العروسين أثناء إشهار عقد القران أو حفل الزفاف.
يأتي ذلك في وقت تضج مواقع التواصل الاجتماعي بحملات دشنها ناشطون لمنع إطلاق الرصاص في الهواء في الأفراح، فضلاً عن سن قوانين رادعة نتيجة كثرة مثل هذه الحوادث مع انتشار السلاح وبخاصة بعد الحرب المندلعة في البلاد بين الجيش وقوات "الدعم السريع" لأكثر من 40 شهراً، لكن سرعان ما تهدأ هذه الضجة لتعود الظاهرة مجدداً مواصلة حصد أرواح أخرى لجهة فشل تطبيق القانون وعدم ردع مطلقي الرصاص. حوادث مأسوية في أحدث واقعة مأسوية ضمن سيناريوهات مشابه شهدت مدينة أم درمان مصرع عريس لقي حتفه في غضون الأسبوع الماضي برصاصة أحد أصدقائه كان أطلقها في الهواء عقب إعلان عقد قرانه،
لكنها وجدت طريقها إلى صدر العريس ليفارق الحياة في الحال في سلوك خطر حوّل الفرح إلى نواح وفاجعة ليحمل العريس على نعش بدل أن يزف إلى شريكة حياته. وقبل حادثة أم درمان مقتل طفل وإصابة ثلاثة آخرين إثر إطلاق عريس الرصاص خلال حفل زفافه في ولاية الجزيرة. كما قتلت خلال يوليو (تموز) الماضي والدة عريس وامرأة، فضلاً عن إصابة ثلاثة أشخاص آخرين برصاص أطلق عشوائياً في حفل زفاف بولاية القضارف شرق البلاد.
منذ عقود سنت القوانين من دون أن يتوقف هذا السلوك القاتل (حسن حامد) وقبل نحو أربعة أشهر أصيب طفلان في ضاحية أمبدة التابعة لمدينة أم درمان برصاص طائش أطلق أثناء حفل زفاف، مما تسبب في حال من الهيستيريا والذعر وسط المشاركين في الحفل. ظاهرة متجذرة في السياق، أوضحت الاختصاصية الاجتماعية أحلام يوسف أن "المجتمع السوداني يتمسك بعادات وتقاليد ارتبطت في التعبير عن الفرح بإطلاق الرصاص،
مما يسهم في حوادث مأسوية تقلب أجواء الفرح إلى عزاء وعويل في ظل رفض المجتمعات تغيير هذا السلوك العنيف، رغم إدراكها أخطاره، وما يلحظ أن ظاهرة إطلاق النار في المناسبات أصبحت متجذرة وكأنها تتصيد العريس أو المشاركين من الأطفال والنساء". وأشارت يوسف إلى أن "هناك وسائل كثيرة من الممكن أن يعبر المحتفلون بها عن لحظة الفرح مثل الغناء والزغاريد والرقص أو الدعم المالي بحسب ثقافات المجتمعات السودانية،
لكن من المؤسف أن فهم التعبير عن الفرح يقتصر على إطلاق الرصاص الذي يشير إلى ضعف الوعي المجتمعي، رغم الموت وحال الفقد في ظل عدم تفعيل الرقابة الأمنية وغياب المساءلة القانونية". ولفتت إلى أن "المجتمع السوداني يتصف بالسماحة والمجاملة حتى في ارتكاب الخطأ الذي يحول المخالفة من فعل يستوجب المحاسبة إلى احتوائه بتدخل الأجاويد (الوسطاء) المقربين سواء من قبل مطلق الرصاص أو من أهل المتوفى يسبق تدخل الشرطة، مما يتطلب تحذيرات بأن هذا السلوك مرفوض مجتمعياً أو أن تصبح جزءاً من ثقافة المناسبة نفسها قبل أن تتحول رصاصة الفرح إلى سرادق عزاء".
استخدام السلاح في مناسبات الأفراح له انعكاسات نفسية (حسن حامد) ونوهت إلى أنه "منذ عقود سنت القوانين من دون أن يتوقف هذا السلوك القاتل وذهبت الضوابط المحلية إلى إصدار تعليمات إلى المأذون الشرعي بألا يتمم عقد القران حين ظهور شخص يحمل السلاح والإبلاغ على من يطلق النار لكن من دون جدوى". أثر نفسي من جانبها، أوضحت المعالجة النفسية آلاء فتح الرحمن أن "استخدام السلاح في مناسبات الأفراح له انعكاسات نفسية، إذ تزيد حالات الخوف والهلع التي من الممكن أن تتحول إلى صدمة،
وبخاصة وسط الأطفال الذين عاشوا الخوف مع أصوات الانفجارات والقصف أثناء فترة الحرب في السودان، إذ إن الرصاص بالنسبة لهم لم يعد تعبيراً عن الفرح، وإنما خطر داهم يثير قلقاً نفسياً متصاعداً، مما يدفعهم التواري والاحتماء بأمهاتهم".
وأضافت فتح الرحمن "في تقديري أنه من واقع الحوادث المحزنة التي شهدتها مراسم الزواج في ولايات السودان بات من المفترض فرض رقابة واسعة تصل إلى منع من يحمل السلاح من دخول مكان الفرح أو اقتياد الشخص الذي يجامل بإطلاق الرصاص في الهواء إلى قسم الشرطة مهما كانت صلة القرابة ومحاكمته فوراً لجهة أن تشديد الرقابة وتطبيق القانون من المحتمل أن يوقف هذا السلوك الإجرامي، وفي الوقت ذاته عدم تنفيذ العقوبات الرادعة يفاقم مشكلة إطلاق الرصاص في المناسبات الاجتماعية". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) واستطردت قائلة "هناك حالات لأشخاص أصيبوا بنوبات الجنون عند رؤية أحد المشاركين لقي مصرعه إثر رصاصة طائشة خرجت من طريق الخطأ، والمؤسف أن المسافة بين القرارات التي تتكرر وحجم الوفيات توضح الفجوة في تطبيق القانون والوعي المجتمعي".
وشددت المعالجة النفسية في ختام حديثها "بالتأكيد على ضرورة حظر السلاح في المناسبات وأن يصبح عدم إطلاق الرصاص جزءاً من ثقافة المناسبة، وإلا جنينا ما لا يحمد عقباه في موت وفقد متواصل للأحبة". انعدام الرقابة في سياق متصل، أفاد المحامي السوداني ياسر زين العابدين بأن "تفاقم ظاهرة إطلاق الرصاص في الاحتفالات الاجتماعية،
وعلى وجه الخصوص الأعراس يرجع إلى عدم فرض الرقابة، إذ إن السبب الرئيس يعود إلى انتشار السلاح وسط المواطنين، وفي الغالب يكون غير مرخصاً، مما يمنع استخدامه قانونياً ومحاسبة من يطلق الأعيرة النارية في الهواء".
وأردف زين العابدين "الفجوة في إنفاذ القانون كبيرة مقارنة بتوسع الظاهرة، وتعد مخالفة للقرارات الولائية التي تنص على السجن والغرامة أو المصادرة، إذ إن وجود نص يمنع إطلاق النار لا يكفي ما لم تقترن المخالفة بتطبيق العقوبات بصورة رادعة". وواصل "التدخلات الاجتماعية التي تطالب بالعفو تعني أن مكافحة ظاهرة إطلاق الرصاص في الهواء غاية في الصعوبة،
مما جعل القوانين تواجه تحديات في التطبيق والتفعيل الصارم". وأشار المحامي إلى أن "الأمر يستدعي حراكاً نشطاً تشارك فيه المؤسسات القانونية والأمنية والدينية للتوعية بأخطار استخدام السلاح في المناسبات للحد من الانفلات المفاجئ للرصاص والوقوع في إصابات قاتلة ومباشرة".