في أول حضور لها في العاصمة السورية دمشق، عرضت الفنانة التشكيلية ديمة نشاوي ثلاثين لوحة توثق فنياً محطات مفصلية في سيرة المدن السورية خلال سنوات الثورة والحرب، ضمن معرضها الفردي الأول (المبتدأ... الأرض لنا) الذي استضافته صالة «منزول» أخيراً.
ديمة نشاوي التي درست علم الاجتماع في جامعة دمشق؛ لأنها لم تفلح في تأمين واسطة تدخلها إلى كلية الفنون الجميلة زمن النظام السابق؛ إذ كانت من الناشطين الذين ناهضوا نظام الأسد، واضطرت إلى مغادرة البلاد. وخارج سوريا، كرَّست اهتماماتها الفنية لدعم الأطفال في مناطق النزاعات،
مع التركيز على الأطفال السوريين في مخيمات النزوح في لبنان. ومن خلال انضمامها إلى فرقة Clown Me In المسرحية، استخدمت شخصيتها الكوميدية المهرجة «نسيت» لتقديم الدعم النفسي والإغاثي للأطفال، والعمل على إدخال البهجة والضحك إلى حياتهم.
وتم اختيارها ضمن قائمة «بي بي سي» لأكثر 100 امرأة إلهاماً وتأثيراً حول العالم لعام 2018؛ تقديراً لجهودها المتميزة في دعم الأطفال. بالتوازي مع النشاط الميداني، كانت ديمة توثّق الوجع السوري، وترسم الأحلام والآمال بالعودة والبناء والعمران،
لتكون الحصيلة معرضاً تحمله إلى دمشق في عودتها الأولى، في رسالة فنية وإنسانية تؤكد حضورها كفنانة تشكيلية، وكامرأة سورية كانت وما زالت حاضرة في قلب الحدث السوري بدءاً من المظاهرات الأولى عام 2011 ولغاية سقوط النظام 2024، وحتى المرحلة الانتقالية وما تحمله من آمال بناء الدولة.
اعتمدت ديمة نشاوي على اللونين الضدين الأسود والأبيض مع حضور نادر للأحمر - كأن الواقع والحلم لا يحتملان التلوين - مقدّمة رؤيتها لأبرز المحطات المفصلية في سيرة شعب انتفض على كامل الجغرافية السورية، ضد الدكتاتورية والظلم، من انطلاق الشرارة في درعا واعتصام الساعة في حمص، وتدمير الجسر المعلق في دير الزور،
واستباحة تنظيم «داعش» للرقة ومناطق الجزيرة السورية، مروراً بحماة وسيرة عذاباتها، وحتى مجازر الكيماوي والتهجير القسري وحصار الغوطة 2018، وصولاً إلى محافظة إدلب التي احتضنت النازحين والمهجّرين قسراً وغيرها من محافظات،
حتى سقوط بشار الأسد، إضافة إلى الأحداث الكبرى والاعتداءات الإسرائيلية وحرب غزة. والمفارقة في أعمال ديمة نشاوي، تقديم عناوين القضايا والأحداث بتقشف لوني وبذخ ترميزي،
من خلال خطوط كثيفة دقيقة أقرب إلى فن الحفر على المعدن، مشحونة بفيض عاطفي منحها ليونة وحيوية فائقة، تكاد أن تلامس فن المنمنمات والزخارف الشرقية وروح اللوحات التي جسَّدت قصص ألف ليلة وليلة، دون أن يغيب عنها بعضٌ
من سمات رسوم الأطفال (الكارتون) في خلطة تشكيلية نهلت أيضاً من مفردات الحلي والأزياء التراثية في المنطقة، كلوحة «سوريا العظيمة»، ولوحة «دير الزور» التي أرفقتها بأغنية تراثية «لشيل همي وهمك وأخطي الليل بعنيني»، ولوحة «الرقة والموصل» مع الإشارة إلى أغنية المغنية السورية ديمة أوشو «أولئك المنسيون على ضفاف الفرات».
وتقول الفنانة إنها رسمتها حين اقتحم تنظيم «داعش» الرقة والموصل في العراق لتكون أحد ابرز الأعمال من حيث غنى التفاصيل المتخمة بالدلالات الرمزية. وربما حاولت ديمة نشاوي تدوين مشاعرها التفاعلية، ببيان مواقفها كامرأة سورية وكناشطة اجتماعية، تعنى بقضايا المرأة والإنسان والانتماء،
أكثر من تقديم مقترح تشكيلي يحجز لها موقعاً ضمن الساحة الفنية، فجاءت أعمالها تعبيراً عن انعكاسات الفقد والرعب والموت والنزوح والتهجير على النفس البشرية وما توّلده من تحدٍ ورغبة في المقاومة والعودة إلى الوطن والاهتمام بالعمران والبيئة. إنها أعمال تجنح إلى إعادة الجدل حول العلاقة بين الفن والالتزام.