ازدهر فن النحت والنقش ازدهاراً كبيراً خلال الحقبة الأموية، حيث ارتبط عضوياً بالعمارة المدنية، وشكّل ركناً أساسياً من أركان حللها الزينية. تجلّت معالم هذا الفن في مجموعة من التماثيل خرجت من قصر شيّده الخليفة هشام بن عبد الملك في البادية الفلسطينية،

شمال أريحا، منها تمثال يمثّل امرأة تقف منتصبة، رافعة بيدها اليمنى باقة من الأزهار. يعكس هذا المجسّم أثر التقاليد الساسانية،

ويشهد لاستمرارية الأطرزة الفنية المحلية التي عُرفت بها مدن بوادي الشام في القرون التي سبقت ظهور الإسلام. من جهة أخرى، يتميّز هذا الأثر بقالب مبتكر يظهر في عناصر عديدة من تكوينه، ويختزل جمالية أنثوية خاصة،

اختمرت خلال العهد الأموي، وطبعت العديد من آثاره الفنية. يبلغ طول هذا المجسّم نحو 1.5 متر؛ ما يعني أنه يحاكي تقريباً حجم القامة البشرية الطبيعية، وهو مكوَّن من كتلة منحوتة بأبعادها المختلفة؛ ما يجعله تمثالاً كاملاً،

وفقاً للمصطلحات المكرّسة في القواميس الفنية. يخرج الأسلوب الفني المعتمد عن الأسس الكلاسيكية، ويتبنّى طرازاً محلياً تبقى شواهده الحية في ميراث تدمر الفني، حيث الحركة الحية غائبة،

والسكون هو السيّد، ووضعية المواجهة تسيطر على التأليف، ومعها تبدو الوجوه شاخصة والعيون واسعة محدقة، والأيدي تنحني أو ترتفع وتنبسط،

وفقاً لحركات ثابتة. يتكرّر هذا التكوين الجامع في هذا التمثال الأموي الأنثوي. يستقر الرأس على كتفين عريضتين، ويبدو مستقيماً في وضعية المواجهة.

كذلك، يظهر الجسد في وضعيّة تسيطر عليها حالة من الجمود، وتقتصر الحركة الحية على ارتفاع الذراعين نحو الأعلى. سقطت اليد اليسرى وضاع أثرها،

وبقيت اليد اليمنى، وظهرت بتكوينها الكامل، وتمثّلت بقبضة تمسك بأصابعها باقة من الأزهار. الصدر ممتلئ،

والبطن مكتنز، وكذلك الفخذان. الساقان متلاصقتان، ويلفّهما إزار طويل ينسدل حتى حدود القدمين.

تزيّن هذا اللباس البسيط شبكة من الثنايا الأفقية المتوازية، ويعلوه حزام عريض ومعقود حول الخصر، ويحدّه شريط يمتد عمودياً بين الساقين، ويتواصل أفقياً،

متّخذاً شكل بطانة عريضة. تزيّن الحزام العريض سلسلة من الثنايا المتلاصقة المجدولة، وتزّين البطانة سلسلة من الخانات المستطيلة المتساوية، في صياغة أنيقة،

تصهر بين النقش والنحت والزخرفة. تتجلّى هذه الصياغة كذلك في سلسلة مجدولة معقودة حول الكتفين، تتدلّى من وسطها حلية نصف دائرية عريضة، تعلوها شبكة من النقوش تحاكي الأحجار المرصّعة.

يقابل هذا العقد الجميل سواران عريضان مجرّدان، يلتفّان حول مفاصل الكتفين. يحضر هذا الأسلوب في تكوين باقة الأزهار التي ترفعها المرأة بيدها اليمنى، وهي هنا على شكل كوز مرصوص،

يحوي كتلة من الأزهار، حُدّدت بتلات كلّ منها بدقة. ملامح الوجه تدمرية بامتياز. العينان لوزتان ضخمتان شاخصتان،

يتوسط كلاً منهما بؤبؤ غائر. الحاجبان قوسان محفوران، ينسدل من وسطهما خيط الأنف المستقيم. سقطت كتلة هذا الأنف الناتئة وتهشّمت،

غير أن تكوينها الأصلي لا يزال ظاهراً. الثغر صغير، ويتكون من شفتين مطبقتين، يفصل بينهما شق غائر.

الذقن عريضة، وكذلك العنق. تعلو الرأس كتلة من الشعر الكثيف، تحوّلت خصلها شبكةً من النقوش المزخرفة.

تأتي الغرة على شكل إكليل يتألف من سلسلة من الحلقات الدائرية المتشابكة. وتتدلّى من طرفي هذه الغرة خصلتان متوازنتان تستقران عمودياً على الوجنتين. تلتف خصل الشعر في ثلاث طبقات متعاقبة ومتساوية تستقر فوق الهامة، مشكّلةً تسريحة خاصة تميّزت بها كما يبدو القطع الأنثوية الأموية،

على اختلاف أنواعها، منها على سبيل المثل لوحة جدارية من محفوظات متحف الفن الإسلامي ببرلين، مصدرها موقع أموي في بادية الأردن يُعرف باسم قصير عمرة، وتمثّل امرأة مكتنزة تقف في وضعية نصف جانبية.

تحني هذه المرأة رأسها انحناءة طفيفة، وتبدو ملامح وجهها جليّة. العينان ضخمتان، وهما لوزيتان،

ويعلوهما حاجبان عريضان، اتخذا شكل قوسين منفصلين. الأنف طويل، ومنخراه محدّدان بدقة.

الثغر محدّد بشكل مماثل، مع شق في الوسط يفصل بين شفتيه. يستقر الرأس فوق صدر ممتلئ، يعلوه عقد من الحجارة الدائرية المنمنمة الحمراء،

تتدلّى منه في الوسط قلادة عريضة تزيّنها ثلاثة فصوص بيضاء. تظهر الذراعان، وتظهر الحلل التي تزينهما. يزيّن كلّا من الذراعين سوار مزدوج خطّ باللون الأسود،

ويزين كلّاً من اليدين سوار خُطّ بأسلوب مماثل. وتظهر عند أعلى الحوض سلسلة تنعقد حول الوسط على شكل حزام رفيع. الساقان مكتنزتان وملتصقتان، وتكشف القدم اليمنى عن سوار إضافي يأخذ هنا شكل خلخال بسيط.

يعلو الرأس شعر أسود كثيف يأخذ شكل كتلة مرصوصة ضخمة، تكلّلها كتلة بيضاوية سوداء. وتعلو الشعر شبكة مكوّنة من سلاسل من الحجارة اللؤلؤية البيضاء. يتكرّر هذا المثال الأنثوي تشكيلياً في جداريات قصير عمرة،

كما يتكرّر تشكيلياً في منحوتات قصر هشام، ونقع على قطع متفرّقة يحضر فيها هذا النموذج، مصدرها مواقع أموية أخرى. في الخلاصة،

تشكّل هذه القطع المتنوعة مجموعة تشهد لنشوء مثال أنثوي خاص، ظهر خلال الحقبة الأموية، وارتبط بها بشكل خلّاق.