تعيش النساء السودانيات واحدة من أقسى تجارب الأمومة في ظل استمرار الحرب وانهيار القطاع الصحي، إذ تعاني نحو 1.5 مليون امرأة في سن الإنجاب انعدام الرعاية في ظل إغلاق 70 إلى 80 في المئة من المستشفيات في المناطق المتأثرة بالنزاع، وفق صندوق الأمم المتحدة للسكان. في ضوء هذا الواقع ارتفع معدل وفيات الحوامل والفتيات في مناطق النزاع النشطة بخاصة دارفور وكردفان والنيل الأزرق نتيجة تعرضهن للالتهابات وارتفاع ضغط الدم وحالات نزف حادة،
وعدم التمكن من إنقاذهن بسبب نقص الرعاية الصحية، إضافة إلى معاناة المئات من فقر الدم أثناء فترة الحمل وبعده. أخطار وتأثيرات في السياق تقول نجوى أبو بكر التي تقطن مدينة الدلنج في ولاية جنوب كردفان إن "العدد القليل من المستشفيات في المدينة انعكس على واقع الصحة الإنجابية للنساء نتيجة عدم توافر وسائل الرعاية الأولية والصحة الإنجابية، لا سيما الفيتامينات والمكملات الغذائية".
وأضافت نجوى أن "النساء في المناطق الريفية بالإقليم تضطر إلى الولادة في ظروف غير صحية، لذا يزيد هذا الوضع من خطر الإصابة بالمضاعفات وتسمم الدم، وهي حال تهدد الحياة بسبب تدمير الجسم أنسجته عند استجابته للعدوى وعجز الأعضاء عن القيام بوظائفها بصورة سليمة وطبيعية". وأوضحت أبو بكر أن "تصاعد القتال في ولاية جنوب كردفان أثر بصورة كبيرة في إمكانات القطاع الصحي،
بسبب ما طاول المرافق والمستشفيات من قصف وحرق، وكذلك انعدام الأدوية والمستلزمات الطبية بسبب الاستهداف المستمر من قبل قوات الحركة الشعبية و’الدعم السريع‘ لأكثر من ثلاثة أعوام". عوائق وتدخلات في هذا الوقت، كشف صندوق الأمم المتحدة للسكان عن أن 21 في المئة فقط من شبكة رعاية التوليد في السودان تعمل بصورة كاملة،
في وقت يواجه فيه إقليم دارفور عوائق خطرة أمام الوصول إلى العلاج والحماية. وقال الصندوق في بيان إن "الفريق الفني للصحة الجنسية والإنجابية نشر لوحة معلومات تفاعلية لرسم خريطة توافر خدمات الصحة الجنسية والإنجابية والإدارة السريرية للاغتصاب لمعالجة هذه الفجوات الهيكلية". وأشار البيان إلى أن "اللوحة تغطي 201 مرفق صحي في 60 محلية، إذ توفر رؤية آنية حول جاهزية خدمات الرعاية التوليدية والمعايير الدنيا للإدارة السريرية للاغتصاب،
إضافة إلى نقص مخزونات السلع الطبية على المستوى المحلي". ولفت البيان إلى أن "الصندوق أرسل بعثة حديثة إلى إقليم دارفور كشفت عن عوائق خطرة تحول دون وصول النساء والفتيات إلى خدمات الصحة والحماية، تشمل انعدام الأمن والفيضانات الموسمية وصعوبة التضاريس"، وذكر الصندوق "أن هذه العوامل تزيد أخطار عزل المجتمعات وتعوق وصول النساء الحوامل إلى الرعاية الصحية في الوقت المناسب".
ونوه البيان بأن "الصندوق وشركاءه قدموا خدمات الصحة الجنسية والإنجابية في 52 محلية تقع في 17 ولاية، من خلال 40 مرفقاً شاملاً لرعاية التوليد الطارئة، و11 مرفقاً للرعاية الأساسية الطارئة، و12 مركزاً للرعاية الصحية الأولية،
و24 عيادة متنقلة". ويرى الصندوق "أنه ينفذ تدخلاً طارئاً لمدة ثلاثة أشهر في وسط وشمال دارفور من خلال خدمات متنقلة لطوارئ التوليد، لكنه يحتاج إلى تمويل إضافي لمواصلة التدخل بعد انتهاء الفترة المحددة". معاناة ووفيات في المنحى ذاته أشارت خديجة المرضى التي تسكن محلية أمبرو في ولاية شمال دارفور إلى أن "الأحداث التي شهدتها المناطق المجاورة في المحلية أسهمت في فشل آلاف النساء في الوصول إلى المستشفيات والمراكز الصحية ومقابلة الأطباء،
مما أدى إلى تعرض المئات للالتهابات وارتفاع ضغط الدم وحالات النزف الحاد بسبب نقص الرعاية الصحية، إضافة إلى معاناة العشرات من فقر الدم أثناء فترة الحمل". تقديم خدمات الصحة الجنسية والإنجابية في 17 ولاية (اندبندنت عربية - حسن حامد) ولفتت المرضى إلى أن "مرافق الرعاية الصحية والمستشفيات في إقليم دارفور تعرضت للتدمير والقصف، في وقت أغلق فيه بعضها نتيجة شح الأدوية ونقص التمويل،
ونخشى أن تتحول رحلة الحمل والولادة إلى أخطار إضافية على حياة الأمهات وأطفالهن"، وتابعت "هناك حالات وفاة حدثت للحوامل نتيجة تعرضهن لالتهابات وارتفاع ضغط الدم وحالات نزف حادة، وعدم التمكن من إنقاذهن بسبب نقص الرعاية الصحية". استراتيجية وطنية على نحو متصل شدد وزير الصحة السوداني هيثم محمد إبراهيم على أهمية تنفيذ برنامج قومي كبير يهدف إلى خفض وفيات الأمهات والأطفال،
مشيداً بجهود أطباء النساء والتوليد في المستشفيات الريفية وتطويرها. وأكد أن الاستراتيجية الوطنية تضع صحة الأم والطفل في صدارة الأولويات، مشيداً بدور تجمع الأطباء السودانيين بأميركا "سابا" في إعادة تأهيل المستشفى السعودي للنساء والتوليد. وأشار إبراهيم إلى أن "تدشين بروتوكول الدليل والموجه القومي لرعاية المواليد المرضى والصغار يأتي في إطار الهم المشترك لخفض وفيات الأطفال وحديثي الولادة،
كذلك فإنه يمثل أول بروتوكول قومي للأطفال حديثي الولادة، وسيسهم في خفض معدلات الوفيات وتجويد الخدمات المقدمة، معلناً التزام الوزارة تنفيذه وتطبيقه على أرض الواقع بالتنسيق مع الجمعيات المتخصصة والولايات". تدهور مريع على الصعيد نفسه،
نوهت عضو جمعية تنظيم الأسرة السودانية جيهان متوكل بأن "الأوضاع الصحية للنساء والفتيات تدهورت بصورة كبيرة في مناطق النزاع المسلح، وكذلك داخل مناطق تجمعات النازحين نتيجة لعدم توافر الرعاية الطبية اللازمة والنقص الحاد في خدمات الصحة الإنجابية، لا سيما الفيتامينات والمكملات الغذائية". وبينت متوكل أن "الحرب والنزوح يجبران النساء على الولادة في ظروف غير صحية ضمن مناطق لا يتسنى لهن فيها الحصول على الرعاية الصحية والأدوية،
خصوصاً ولايات دارفور الخمس وأقاليم كردفان الثلاثة وولاية النيل الأزرق التي تشهد نزاعات مسلحة". ونبهت عضو جمعية تنظيم الأسرة إلى أن "حجم الأزمة الصحية بات كارثياً، وبلغ مستويات غير مسبوقة، إذ واجهت النساء والفتيات مصاعب ومهددات جمة،
وأصبحن في طليعة المتأثرين بالحرب سواء بسبب النزوح أم اللاتي ما زلن عالقات داخل مناطق النزاع النشط، لا سيما تدهور الوضع على الأرض بصورة مخيفة، وبخاصة المتعلق بانهيار القطاع الصحي والمعاناة في شح الأدوية العلاجية". شلل وحرمان على صعيد ذي صلة قالت المتخصصة بالصحة الإنجابية صفاء بدوي إن "تصاعد القتال في كردفان ودارفور والنيل الأزرق شل قدرات المنظمات التي تدعم خدمات الصحة الإنجابية وبخاصة في ظل تنامي الحاجة إلى المعينات الطبية وضرورة وجود العيادات المتنقلة في مناطق النزاع المسلح وتجمعات النازحين".
وأضافت بدوي أنه "مع مرور الأيام بدأت أوضاع الفتيات والنساء تسوء نتيجة الحرمان من حقوقهن الأصلية في تلقي خدمات الصحة الإنجابية والدعم الطبي والنفسي، مما أدى إلى حدوث وفيات في مدن ومناطق عدة بالبلاد". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ونوهت بدوي بأن "مرافق الرعاية الصحية والمستشفيات في مناطق النزاع المسلح تعرضت للتدمير والقصف، فيما أغلق بعضها نتيجة شح الأدوية وانعدام الأمن جراء الاشتباكات التي تندلع بين الحين والآخر".
وأشارت متخصصة الصحة الإنجابية إلى أن "المرافق الأكثر تضرراً تقع في مراكز إيواء النازحين، مما يعرض حياة آلاف الفتيات والنساء للخطر بسبب النقص الحاد في الكوادر الطبية والأدوية". خدمات عاجلة في غضون ذلك قالت منظمة الصحة العالمية إن "8.1 مليون امرأة وفتاة بسن الإنجاب في السودان، بينهن أكثر من 803 آلاف امرأة حامل يحتجن إلى خدمات صحة إنجابية عاجلة،
مع توقعات بحدوث 1.1 مليون ولادة خلال هذا العام، في ظل تدهور واسع النطاق للنظام الصحي". وأشارت المنظمة إلى أنها تحتاج إلى 97.7 مليون دولار خلال العام الحالي لمساعدة 20.4 مليون شخص، من بينهم 4.9 مليون نازح داخلياً،
إذ يستقر 80 في المئة من المستهدفين في مناطق تتداخل فيها عوامل ضعف عدة، مما يجعلهم أولوية للاستجابة. وأوضحت الصحة العالمية أنها "تسعى إلى تقديم خدمات صحية مباشرة لـ6.6 مليون شخص من جملة 20.1 مليون فرد تخطط لمساعدتهم، وتشمل الصحة الإنجابية وصحة الأمهات والأطفال وخدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي.
وحذرت منظمة الصحة العالمية من أن انعدام الأمن الغذائي يشكل عاملاً إضافياً يفاقم الأزمة الصحية، إذ يتوقع أن يواجه 19.1 مليون شخص مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي. وأفادت بأنها "أعادت تحديد الأولويات للوصول إلى الفئات الأشد تضرراً خلال هذا العام، على رغم الخفض الكبير في تمويلها خلال العام السابق،
مما قلص قدرتها على الاستجابة بنسبة تزيد على 65 في المئة".