في ظل التصعيد المتسارع على عدة جبهات في الشرق الأوسط، تتدفق المعلومات بسرعة تكاد توازي سرعة الأحداث نفسها. غالباً ما تكون منصات التواصل الاجتماعي أول مكان تظهر فيه الصور ومقاطع الفيديو والتقارير عن هجمات مزعومة أو تطورات عسكرية. لكن بالتوازي مع المعلومات الحقيقية،
بدأت موجة من المحتوى المضلل أو المفبرك تنتشر على الإنترنت، مما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف أكثر صعوبة.يحذر خبراء الأمن السيبراني من أن الانتشار السريع للمعلومات المضللة، خاصة عبر مقاطع الفيديو المعدلة وتقنيات التزييف العميق، أصبح تحدياً رقمياً متزايداً خلال فترات عدم الاستقرار الجيوسياسي.
يؤكد أحد الباحثين الرئيسيين في مجال الأمن أن التمييز بين المعلومات الموثوقة والروايات الزائفة يصبح أكثر أهمية خلال حالات الطوارئ، حين ترتفع حدة المشاعر ويميل الناس إلى مشاركة المحتوى بسرعة دون التحقق منه. ويضيف أن الأخبار الزائفة تصبح أكثر خطورة خلال حالات الطوارئ، حيث حذرت جهات حكومية في دول الخليج من نشر أي معلومات من مصادر غير معروفة.المعلومات المضللة ليست ظاهرة جديدةلكن حجم انتشارها وسرعتها تغيّر بشكل كبير مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي.
في أوقات التوتر الجيوسياسي، يمكن أن تنتشر تقارير غير مؤكدة أو مقاطع فيديو معدّلة على نطاق واسع خلال دقائق، وقد تصل إلى ملايين المستخدمين قبل أن تتمكن جهات التحقق من مراجعتها. يصنف الخبراء الأخبار الزائفة ضمن فئتين رئيسيتين: الأولى تتعلق بمحتوى مفبرك بالكامل يهدف إلى التأثير في الرأي العام أو جذب زيارات إلى مواقع إلكترونية معينة.
أما الثانية فتتضمن معلومات تحتوي على جزء من الحقيقة، لكنها تُعرض بشكل غير دقيق بسبب عدم التحقق من الوقائع أو المبالغة في التفاصيل. وفي الحالتين، يمكن أن يؤدي ذلك إلى إرباك المتابعين خلال الأزمات،
خصوصاً عندما يعتمد المستخدمون على وسائل التواصل الاجتماعي بدلاً من المصادر الموثوقة.بدأت السلطات في عدة دول التحذير من أن نشر معلومات خاطئة حتى من دون قصد قد يعرّض المستخدمين للمساءلة القانونية، مما دفع الحكومات وخبراء الأمن الرقمي إلى التشديد على أهمية الوعي الرقمي والمسؤولية عند مشاركة المعلومات في أوقات حساسة.الخداع المدعوم بالذكاء الاصطناعيأدخل الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً إلى مشكلة المعلومات المضللة من خلال تقنيات التزييف العميق، وهي مقاطع فيديو مفبركة تُنشأ باستخدام تقنيات التعلم الآلي مثل تبديل الوجوه أو توليد محتوى بصري اصطناعي. في بعض الحالات يمكن تعديل مقاطع حقيقية لتبدو كأنها توثق أحداثاً لم تقع أصلاً.
يصرح الخبير بأن أهمية التحقق من الأخبار الزائفة باتت أكبر من أي وقت مضى مع انتشار التزييف العميق، حيث يتيح الذكاء الاصطناعي دمج مقاطع فيديو مختلفة لإنتاج مشاهد جديدة تظهر أحداثاً أو أفعالاً لم تحدث في الواقع، وغالباً بنتائج واقعية للغاية. تجعل هذه التقنيات مقاطع الفيديو المعدلة تبدو حقيقية إلى حد كبير،
مما قد يؤدي إلى تضليل المستخدمين، خصوصاً عندما يتم تداولها في سياقات مشحونة عاطفياً. فعلى سبيل المثال، قد تظهر مقاطع معدلة كأنها توثق هجمات أو تحركات عسكرية أو تصريحات سياسية لم تحدث.
وحتى إذا تم كشف زيف هذه المقاطع لاحقاً، فإن انتشارها الأولي قد يسبب حالة من القلق أو الارتباك لدى الجمهور.كيفية التحقق من المعلوماتيشدد خبراء الأمن السيبراني على أن المستخدمين أنفسهم يلعبون دوراً أساسياً في الحد من انتشار المعلومات المضللة. بينما تطور المنصات والجهات التنظيمية أدوات لرصد المحتوى المزيف، يمكن للأفراد اتخاذ خطوات بسيطة للتحقق من صحة المعلومات قبل مشاركتها.
أولى هذه الخطوات هي التحقق من مصدر الخبر؛ فبعض المواقع التي تنشر أخباراً مزيفة قد تحتوي على أخطاء إملائية في عنوان الموقع الإلكتروني أو تستخدم نطاقات غير مألوفة تحاكي مواقع إعلامية معروفة. ينصح الخبير بالتحقق من عنوان الموقع بعناية، والاطلاع على قسم "من نحن" في المواقع غير المعروفة، والاعتماد على مصادر رسمية ومعتمدة مثل المواقع الحكومية أو المؤسسات الإعلامية الموثوقة.
كما ينبغي التحقق من هوية الكاتب أو الجهة التي نشرت الخبر، ومقارنة الخبر مع مصادر موثوقة أخرى، حيث تعتمد المؤسسات الإعلامية المهنية إرشادات تحريرية وإجراءات تحقق من المعلومات، مما يعني أن الأحداث الكبرى عادة ما تُغطى من قبل أكثر من جهة إعلامية موثوقة.يشير الخبير أيضاً إلى أهمية التحقق من التواريخ والتسلسل الزمني للأخبار،
إذ إن بعض المعلومات المضللة يعتمد على إعادة نشر أحداث قديمة أو عرضها كما لو أنها وقعت حديثاً. كما يلفت إلى أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي قد تخلق ما يُعرف بـ"غرف الصدى"، حيث تُعرض للمستخدمين محتويات تتوافق مع آرائهم واهتماماتهم السابقة، مما يجعل من الضروري الاطلاع على مصادر متنوعة وموثوقة قبل تكوين أي استنتاجات.التلاعب بالمشاعريعتمد كثير من الأخبار الزائفة على إثارة المشاعر؛ فالعناوين المثيرة أو المقاطع الدرامية غالباً ما تُصاغ بطريقة تستفز مشاعر الخوف أو الغضب أو الصدمة،
وهي مشاعر تزيد من احتمال مشاركة المحتوى بسرعة. يقول الخبير: "كثير من الأخبار الزائفة يُكتب بطريقة ذكية لاستثارة ردود فعل عاطفية قوية. الحفاظ على التفكير النقدي وطرح سؤال بسيط مثل: لماذا كُتب هذا الخبر؟ قد يساعد المستخدمين في تجنب نشر معلومات مضللة".
تزداد أهمية هذا الأمر على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تميل الخوارزميات إلى إبراز المحتوى الذي يحقق تفاعلاً كبيراً، وبالتالي قد تنتشر المنشورات المثيرة للمشاعر أسرع من التقارير المتوازنة.يمكن للصور ومقاطع الفيديو نفسها أن تقدم مؤشرات على احتمال تعرضها للتعديل؛ فبعض الصور المعدلة قد تظهر خطوطاً خلفية مشوهة أو ظلالاً غير طبيعية، أو ألوان بشرة تبدو غير واقعية.
أما في مقاطع الفيديو المزيفة فقد تظهر مشكلات في الإضاءة أو حركة العينين أو ملامح الوجه. ورغم أن اكتشاف هذه المؤشرات ليس دائماً سهلاً، خصوصاً عند مشاهدة المحتوى عبر الهاتف الجوال، فإنها قد تساعد المستخدمين على الشك في مصداقية بعض المقاطع المتداولة.مسؤولية رقمية مشتركةيرى الخبراء أن الحد من انتشار المعلومات المضللة خلال الأزمات يتطلب تعاوناً بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الإعلامية والمستخدمين أنفسهم.
يلفت الخبير إلى أن أبسط قاعدة قد تكون الأكثر فاعلية: "إذا كنت غير متأكد من صحة المحتوى، فلا تشاركه". ويضيف أن المشاركة المسؤولة تساعد في الحد من انتشار المعلومات المضللة وتحمي المجتمعات الرقمية. مع استمرار المنصات الرقمية في تشكيل طريقة انتقال المعلومات عبر الحدود،
تصبح القدرة على تقييم المحتوى على الإنترنت مهارة أساسية؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي والحروب، حين تختلط الشائعات بالوقائع، لا يتعلق التحدي بالأمن السيبراني فقط بل أيضاً بحماية مصداقية المعلومات نفسها. ماهر يموت باحث أمني رئيسي في «كاسبرسكي» (كاسبرسكي) قد تؤدي الأخبار الزائفة إلى إرباك الجمهور ونشر الشائعات خصوصاً عند تداولها دون تحقق (شاترستوك) يسهم الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق في إنتاج فيديوهات وصور تبدو واقعية لكنها مفبركة (شاترستوك)