بعد قرابة ثلاثة أعوام ونصف عام على اندلاع الحرب في السودان، اختارت ملايين الأسر السودانية العودة لمنازلها في العاصمة الخرطوم ومدن ومناطق أخرى في البلاد لمواصلة الحياة فوق أنقاض الدمار الذي خلفته المعارك العسكرية، لكنهم وجدوا أنفسهم وسط خراب يصعب معه استرداد الحد الأدنى من الاستقرار المنشود بسبب ما طاول المنازل من هدم نتيجة القصف وعمليات نهب ممنهجة للممتلكات، وخدمات أساسية تكاد تكون معدومة،
فضلاً عن واقع معيشي مليء بالتحديات في تفاصيل الحياة اليومية تتعلق بموجة غلاء فاحش مع فقدان سبل كسب العيش ونفاد المدخرات، إلى جانب معضلة الإيجارات في ظل محدودية الجهود الرسمية الفاعلة. وكانت منظمة الهجرة الدولية أشارت إلى أن أكثر من 5.1 مليون سوداني عادوا لمناطقهم الأصلية منذ اندلاع الحرب، في وقت لا يزال فيه نحو 8.6 مليون شخص نازحين داخل البلاد،
بينما حذرت من أن ضعف الخدمات الأساسية وتضرر البنية التحتية قد يدفع الأسر العائدة للنزوح مجدداً. نداءات واستجابة في السياق، تقول منال عمر، التي وصلت إلى ضاحية جبرة في جنوب الخرطوم،
إن "عودتي لمنزلي كانت بعد رحلة نزوح طويلة منهكة وقاسية بدأت بولاية الجزيرة، التي شهدت اكتظاظاً واسعاً بالنازحين الذين شكلوا ضغطاً على الولاية، وعقب اجتياحها نزحت برفقة أسرتي إلى مدينة بورتسودان شرق البلاد، والابتعاد جغرافياً ما أمكن عن جحيم الصراع إثر تمدده،
إذ كانت المعاناة متفاقمة في المدينة بسبب الغلاء ومعاملة النازحين وكأنهم سائحين، مما أجبرنا على تلبية نداءات العودة المتكررة مع تطبيع الحياة. لكن للأسف اكتشفنا أن الواقع صادم تجلى في أن الخرطوم لم تعد تلك المدينة التي غادرناها قبل ثلاثة أعوام، إذ تحولت الأحياء العريقة إلى أطلال وتغيرت معالمها،
وأصبح الدمار والخراب واضحين، ولم تبذل جهود عقب تحريرها من قبضة ’الدعم السريع‘ تدل على التعافي". وأضافت "منذ وصولي، وأنا في حال تنظيف منزلي بسبب الحشائش التي نبتت وأدت إلى وجود الحشرات الضارة،
وأحاول ما أمكن صيانته جراء تضرره بصورة كبيرة، إذ إن المنطقة شهدت عمليات عسكرية نشطة، إلى جانب تعرضه لسرقة منظمة لمحتوياته شملت الأثاث واقتلاع النوافذ والأبواب وتوصيلات الكهرباء والمياه، وحتى ما تبقى منه وجد حظه من التحطيم،
لا سيما أننا نعاني تردياً مادياً في ظل محدودية فرص العمل ونفاد المدخرات، مما يجعلنا عاجزين عن صيانته بالكامل وشراء الأثاث والمعدات التي لا تحتمل التأجيل، ولا خيار أمامنا سوى المكوث به، وهو على هذا الحال إلى أن تنصلح أحوالنا،
لجهة أننا لا نملك أجرة منزل آخر". المعوقات الحياتية ربما تحول دون تدفق مزيد من النازحين واللاجئين إلى السودان (اندبندنت عربية - حسن حامد) وتابعت عمر "المعاناة لم تتوقف عند هذا الحد، وإنما واجهنا انعدام الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه النظيفة، في وقت نشتري فيه مياه الشرب من العربات التي تجرها الدواب،
وهي أعباء إضافية مرهقة، إلى جانب مشكلة المواصلات العامة في ظل أزمة الوقود، هذا غير موجة الغلاء بسبب تهاوي الجنيه والتضخم الاقتصادي الذي تتصاعد معدلاته يومياً، إذ وجدت غالبية الأسر العائدة صعوبة في تأمين احتياجاتها الأساسية،
وبالتالي قادتهم إلى تغيير نمط حياتها، والاكتفاء بوجبة واحدة تنقصها القيمة الغذائية، في حين أصبحنا نعتمد في تسيير أمورنا على تحويلات أقرباء لنا خارج السودان، مما يجعل استقرارنا مهدداً.
والأمر من ذلك حال الانفلات الأمني بوجود عصابات وتشكيلات إجرامية تمارس ترهيب الأسر داخل منازلهم، وفي الشوارع تحت تهديد السلاح". وزادت بالقول "ما يلحظ أن الأحياء السكنية بخاصة الراقية لا تزال بيوتها مهجورة خالية من السكان مع وجود الأنقاض ونبش القبور وسطها وعمليات المسح، للتأكد من خلو المنازل من تراكم مخلفات الحرب المتفجرة،
فضلاً عن ترك النفايات في الشوارع، كلها معوقات حقيقية لا تسمح بالبقاء الآمن". وأشارت المواطنة العائدة إلى أن "ظروف النزوح والحنين إلى رائحة بيوتنا أجبرتنا على العودة، لكن إذا استمر الحال على هذا النحو سيكون التفكير في مغادرة البلاد بصورة نهائية وارداً،
إلى أن تعود الحياة لطبيعتها من دون معاناة". جهود التعافي المواطن مبارك عبدالرحمن، أحد العائدين إلى ضاحية شرق النيل في الخرطوم بحري، أوضح "في تقديري أن العودة يجب أن تسبقها جهود حكومية في توفير خدمات المياه والكهرباء وتعاف اقتصادي،
بخاصة في ما يتعلق بارتفاع الأسعار والتدهور الحاد في الجنيه، مما أضعف القدرة الشرائية والافتقار لأبسط مقومات الحياة، إذ إن المواطنين عانوا مآلات النزوح واللجوء، وكانوا يأملون في أن تكون العودة طبيعية".
وأشار عبدالرحمن إلى أن "أحياء شرق النيل لم تتعرض منازلها إلى الدمار الشامل، لا سيما أن معظم سكانها ظلوا عالقين، إلا أن المنازل التي هجرها سكانها تعرضت إلى نهب على أوسع نطاق، وكان من ضمنهم منزلي على رغم أنني أحكمت وصده،
إلا أن اللصوص أفرغوا كل ممتلكاته والمفارقة أن السرقة طاولت حتى أسلاك ومفاتيح الكهرباء، وبالتالي يصعب استعادة ما نهب أو حتى إصلاحه في الوضع الرهن بسبب كلفة المعيشة من أكل وشرب وتعليم وصحة، ويقيننا أنها ستكون أكثر قسوة مع الحرب المستمرة في البلاد". ولفت إلى أن "المخاوف تمتد إلى البيئة التعليمية،
إذ إن هناك مئات المدارس غير مهيأة مع وجود مخلفات الحرب من ألغام وأجسام متفجرة، إلى جانب إضرابات المعلمين المتكررة، مما يؤثر سلباً في تغطية المناهج، وكذلك على المستوى الأكاديمي للطلاب.
وما يمكن قوله إن العاصمة في مدنها الثلاث الخرطوم وبحري وأم درمان لا تصلح في الوقت الحالي للعيش الكريم، بسبب عدم تعويض خسائر الحرب حتى الآن، فهناك تباطؤ في عمليات البناء والإعمار، بينما يعجز العائدون عن معالجة هذه الأوضاع،
وهي من صميم مهمات الدولة، ومن المؤسف أن ما يفاقم البقاء تفشي البطالة وسط انهيار اقتصادي حاد، إذ تواجه عائلات كثيرة مشقة توفير متطلبات الحياة الملحة". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ومضى المواطن في القول "كما أن محدودية الخدمات الصحية في ظل انتشار الأمراض والأوبئة تجعل المرضى في حال بحث في أكثر من مستشفى عن خدمة متكاملة،
مما يضاعف الأعباء المالية المترتبة، ناهيك بالندرة الحادة في الأدوية المنفذة للحياة، لا سيما أن هذه الأوضاع دفعتني إلى ترك والدي المسن خارج البلاد، لأنه يحتاج إلى علاج بصورة دائمة بسبب معاناته من أمراض مزمنة".
ونوه إلى أن "هذه المعوقات الحياتية من غلاء وانفلات أمني وانعدام الخدمات الأساسية ربما تحول دون تدفق مزيد من النازحين واللاجئين إلى السودان، بخاصة أن هناك مقاطع فيديوهات متداولة تدعو إلى التريث وعدم الاستعجال في العودة بسبب سوء الأوضاع المعيشية. ومن وجهة نظري حتى لا تكون البلاد طاردة لأهلها يجب أن تستعجل الحكومة في توفير الخدمات داخل العاصمة والمناطق التي شملها النزاع، وفي مقدمها الكهرباء والمياه والتعليم والصحة،
مع تنفيذ وعودها بتوفير فرص العمل". تقاطع المفارقات الناشط المجتمعي أيوب عبداللطيف أشار إلى أنه "ليس من المستغرب أن يعود السودانيون لمناطقهم والمشاركة في الإعمار، لكن من المستغرب أن تكون العودة محفوفة بأخطار تداعيات الحرب التي لا تزال مستمرة، إذ إن الحكومة لانشغالها بالحرب لم تنجح في السيطرة عليها وتذليل العقبات الماثلة التي تحول دون استقرار البلاد،
في وقت عانى المدنيون كثيراً النزوح سواء داخل البلاد أم خارجها، ولا تنقصهم أزمات جديدة كون الصراع تتسع رقعته ويغير أعداد النازحين والعائدين، إذ يمكن الجزم في ظل هذه الأوضاع المعيشية المتفاقمة بأن العودة ليست نهاية النزوح". وأردف عبداللطيف "معلوم أن بعض المواطنين اختاروا العودة لبيوت متضررة واقتصاد منهار أسهم في توقف عجلة الإنتاج بتدمير المصانع والضرائب والجبايات الباهظة،
وفشل المواسم الزراعية، فضلاً عن أزمة الوقود التي عطلت التشغيل، المواطنون هم من يدفعون الثمن بتهجيرهم ونهب ممتلكاتهم جراء الحرب، والمفارقة تحمل كلفة البقاء،
ودفع فواتير متعددة تشمل العلاج والتعليم والصحة والإيجارات والخدمات الأساسية". ونبه الناشط المجتمعي إلى أن "عودة المواطن ينبغي أن تكون نتيجة لاستعادة عافية البلاد وتوفير شروط الحياة الطبيعية كما كان قبل اندلاع الحرب، لا أن يتحمل أعباء إضافية في ظل فقدان مصادر الدخل ونفاد المدخرات، في حين دفعت شرارة الحرب الأولى ملايين إلى مغادرة البلاد والعمل على توفيق أوضاعهم،
ويعد طلب العودة حالياً كأنه يدفع الثمن للمرة الثانية".