في بلد أنهكته الحرب لم تعد الأزمة الاقتصادية في السودان مجرد أرقام، بل أصبحت واقعاً يومياً ثقيلاً يعيشه المواطن بين الغلاء وانعدام الدخل، وسط تساؤلات مفتوحة حول المصير الاقتصادي للبلاد. وبحسب مراقبين اقتصاديين،

فإن المشهد الاقتصادي في السودان أصبح يعكس تدهوراً واسعاً في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية، إذ شهد الناتج المحلي الإجمالي تراجعاً حاداً، مع تقديرات بانكماش يتجاوز 30 في المئة منذ اندلاع الحرب، مما انعكس مباشرة على معدلات البطالة والفقر،

فضلاً عن توقف قطاعات حيوية مثل الخدمات والتجارة جزئياً أو كلياً، بخاصة في الخرطوم التي كانت تمثل القلب الاقتصادي للبلاد. فجوة مالية في هذا الصدد قال المحلل الاقتصادي السر سليمان إن "القطاع الصناعي تعرض لضربات مباشرة نتيجة تدمير البنية التحتية أو توقف خطوط الإنتاج بسبب انقطاع الكهرباء ونقص الوقود. وتشير تقديرات إلى خروج نسبة كبيرة من المصانع الصغيرة والمتوسطة عن الخدمة".

وتابع سليمان "أما القطاع الزراعي، وعلى رغم أهميته الاستراتيجية، فقد تراجع إنتاجه بسبب صعوبات التمويل، وانعدام الأمن في مناطق الإنتاج،

ونقص المدخلات الزراعية". ولفت إلى أن "ما يعيشه السودان ليس مجرد ركود اقتصادي تقليدي، بل انهيار هيكلي متعدد الأبعاد، إذ تضررت كل ركائز الاقتصاد في وقت واحد.

الإنتاج الزراعي الذي كان يُفترض أن يشكل صمام أمان، تراجع بسبب غياب التمويل وارتفاع كلفة المدخلات بنسبة تجاوزت 200 في المئة في بعض المناطق، إضافة إلى تعطل سلاسل التوريد". وبيَّن أن "القطاع الصناعي فقد قدرته التنافسية بالكامل،

ليس فقط بسبب الحرب، بل نتيجة تراكمات قديمة من ضعف البنية التحتية وغياب السياسات الصناعية الفعالة". ومضى المحلل الاقتصادي في القول "أخطر ما في الأزمة الحالية هو فقدان الدولة قدرتها على التدخل، إذ تآكلت الإيرادات العامة بشكل كبير،

بينما تضاعفت النفقات، مما خلق فجوة مالية يصعب سدها من دون دعم خارجي". عملة متهاوية أصبح تدهور الجنيه السوداني مرآة مباشرة لحجم الأزمة الاقتصادية وفقدان الثقة. يقول المحلل المالي شريف إبراهيم إن "العملة الوطنية سجلت انهياراً كبيراً،

وارتفع سعر الدولار في السوق الموازية إلى مستويات غير مسبوقة، متجاوزاً 1500 جنيه في بعض الفترات. هذا التراجع أدى إلى موجة تضخم حادة، جعلت أسعار السلع الأساسية تتضاعف مرات عدة".

وأضاف إبراهم "أسهمت أزمة السيولة في تعقيد المشهد مع تعطل النظام المصرفي في مناطق واسعة، مما دفع المواطنين للاعتماد على النقد المباشر والتحويلات غير الرسمية، مع تراجع تحويلات المغتربين الذي زاد من حدة الأزمة، في ظل غياب قنوات مصرفية موثوقة،

مما حرم الاقتصاد من مصدر مهم للعملة الصعبة". وزاد أن "أزمة العملة في السودان تعكس خللاً عميقاً في السياسة النقدية، إذ لم يعد البنك المركزي قادراً على التحكم في سعر الصرف أو إدارة الكتلة النقدية بشكل فعال". وواصل أن "التضخم الذي تجاوز 200 في المئة ليس مجرد نتيجة لارتفاع الأسعار،

بل هو انعكاس لانهيار الثقة في العملة نفسها، إذ يلجأ المواطنون والتجار إلى اكتناز الدولار كملاذ آمن". ونوه بأن "استمرار تعدد أسعار الصرف بين الرسمي والموازي يعمّق الأزمة، ويخلق بيئة خصبة للمضاربات،

مما يؤدي إلى مزيد من تدهور العملة". وحذر المحلل المالي من "أن أي محاولة لإنقاذ الجنيه دون إصلاحات سياسية واقتصادية شاملة ستظل محدودة التأثير، لأن المشكلة الأساسية هي فقدان الثقة، وليس فقط نقص العملة الصعبة".

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) سوق مشلولة الأسواق السودانية تعكس اليوم حالة من الركود العميق المصحوب بارتفاع الأسعار. وأكد الباحث الاقتصادي خالد التجاني أن "تراجع النشاط التجاري بشكل ملحوظ، مع انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين، جعل الأسواق التي كانت تعج بالحركة تعاني ضعف الإقبال،

إذ يقتصر الشراء على السلع الأساسية". وتابع التجاني "أدى تعطل سلاسل الإمداد إلى نقص في بعض السلع، بخاصة في المناطق المتأثرة بالنزاع، بينما ارتفعت كلف النقل بشكل كبير،

فالقطاع التجاري بات يواجه تحديات إضافية، منها ارتفاع كلف التشغيل، وصعوبة الوصول إلى التمويل، مما دفع عديداً من التجار إلى تقليص نشاطهم أو الخروج من السوق".

وأضاف أن ما تشهده السوق السودانية هو نموذج واضح لما يُعرف بالركود التضخمي، إذ يجتمع ضعف الطلب مع ارتفاع الأسعار في آنٍ واحد، فالتاجر اليوم يعمل في بيئة غير مستقرة، حيث تتغير الأسعار بشكل يومي،

مما يجعل التخطيط شبه مستحيل". واستطرد "ارتفاع كلف النقل بنسبة كبيرة نتيجة نقص الوقود وتدهور البنية التحتية أدى إلى زيادة أسعار السلع في الولايات بشكل يفوق العاصمة أحياناً"، مشيراً إلى أن "تراجع الصادرات، بخاصة الذهب،

بسبب اضطرابات النقل والتصدير، حرم الاقتصاد من مصدر رئيس للعملة الصعبة، مما زاد من الضغط على السوق المحلية". وختم الباحث الاقتصادي حديثه أن "استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى انهيار كامل للقطاع التجاري،

إذا لم يتم التدخل لإعادة تنظيم الأسواق وتحسين بيئة الأعمال". فرص التعافي على رغم قتامة المشهد، لا تزال هناك فرص يمكن البناء عليها لإعادة إنعاش الاقتصاد. وأوضحت الباحثة الاقتصادية هبة محمد علي أن "السودان يتمتع بموارد طبيعية كبيرة،

مثل الأراضي الزراعية الخصبة والثروات المعدنية، التي يمكن أن تشكل أساساً لمرحلة التعافي، لكن تحقيق ذلك يتطلب استقراراً سياسياً وعودة المؤسسات للعمل، إضافة إلى دعم دولي لإعادة الإعمار".

وزادت أن "إصلاح النظام المصرفي واستعادة ثقة المستثمرين يعدان من العوامل الحاسمة في أي عملية تعافٍ اقتصادي، لأن السودان يمتلك بالفعل مقومات التعافي، لكنه يفتقر إلى البيئة السياسية والاقتصادية التي تسمح باستغلال هذه الموارد". وبينت أن "إعادة هيكلة الاقتصاد يجب أن تبدأ بإصلاح النظام المالي،

وضبط السياسات النقدية، ومحاربة الفساد الذي يستنزف الموارد". وأشارت الباحثة الاقتصادية إلى أن "الاعتماد على الإنتاج المحلي، بخاصة في الزراعة والصناعات الغذائية،

يمكن أن يقلل من فاتورة الاستيراد، ويعزز الأمن الغذائي"، مؤكدة أن "إعادة دمج السودان في الاقتصاد العالمي، عبر تسوية الديون التي تتجاوز 60 مليار دولار،

ستفتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية". وخلصت إلى القول إن "التعافي ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب رؤية طويلة المدى، وإرادة سياسية حقيقية،

إضافة إلى شراكة دولية فعَّالة".