يواجه القطاع الصحي في ولاية غرب كردفان انهياراً شبه كامل نتيجة تفشي وباء الكوليرا بصورة سريعة في أكثر من 25 قرية، مما أدى إلى مئات الإصابات وعشرات الوفيات. في وقت تعاني المراكز الصحية والمستشفيات عجزاً كبيراً في توفير الأدوية المنقذة للحياة والمحاليل الوريدية اللازمة لإنقاذ حياة المصابين. وتعيق ظروف النزاع المسلح واستمرار المعارك الملتهبة بين الجيش وقوات "الدعم السريع" وصول الإمدادات الطبية الدولية والمساعدات الإنسانية إلى السكان المحاصرين في المناطق المتضررة،
مما دفع الجهات الصحية واللجان الإغاثية لإطلاق نداءات استغاثة عاجلة تطالب المنظمات الدولية والأمم المتحدة بالتدخل الفوري لإنقاذ حياة المدنيين وتوفير اللقاحات والمياه الآمنة. تحد صحي بحسب غرفة طوارئ دار حمر، فإن الإحصاءات الأولية التي رصدتها تشير إلى وقوع 30 حالة وفاة، في حين ارتفع عدد الإصابات المسجلة إلى 800 حالة موزعة على أكثر من 25 قرية،
مما يبين سرعة انتشار الوباء في مناطق ذات كثافة سكانية تحتاج إلى تدخل سريع . وبالتوازي مع تفشي الوباء حذرت الغرفة من خطورة الوضع الصحي في المحليات الشمالية لولاية غرب كردفان نتيجة نفاد أدوية السكري، مما يعرض حياة الآلاف من المرضى للخطر المباشر . وطالبت الغرفة بضرورة التدخل الفوري وتوفير الأدوية المنقذة للحياة،
وبخاصة المحاليل الوريدية، للحد من تفاقم المرض قبل اتساع رقعته بشكل يصعب السيطرة عليه، داعية المواطنين كافة في المناطق المتأثرة بتدهور الوضع الصحي إلى اتخاذ أقصى درجات الحيطة، فضلاً عن الالتزام بالإرشادات الصحية الوقائية للحد من انتقال العدوى،
ومؤكدة أنها تتابع الموقف وتضع إمكاناتها المحدودة في مواجهة هذا التحدي الصحي . تدهور متسارع في الأثناء، أعلنت منظمة الصحة العالمية عن تفشي وباء الكوليرا في ولاية غرب كردفان، محذرة من تدهور متسارع للأوضاع في البلاد التي تمزقها الحرب.
وقال المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم، إن "السلطات الصحية في غرب كردفان أبلغت عن 838 حالة مشتبه في إصابتها بوباء الكوليرا، ونحو 117 حالة وفاة"، لافتاً إلى أن الوضع في ظل استمرار العمليات العسكرية يسهم في تعطيل الخدمات الصحية.
وأشار أدهانوم إلى أن نزوح السكان يزيد من صعوبة الوصول إلى الرعاية الطبية الأساسية، كما أن انعدام الأمن وقيود الوصول يعدان عقبة في نشر فرق الاستجابة والتأخير في إيصال الإمدادات والمساعدات الإنسانية. على رغم تدابير النظافة فإن هناك عجزاً لدى الناس في حماية أنفسهم من خطر الإصابة (أ ف ب) وأوضح أن المنظمة بالتعاون مع شركائها تنسق للاستجابة الصحية وتعمل على زيادة مراكز علاج الكوليرا ونقاط توفير المحاليل الفموية، كما أنها تواصل توزيع مستلزمات المكافحة وإنشاء محطات لغسل الأيدي ودعم التوعية الصحية المجتمعية في المناطق المتأثرة.
وكانت الأمم المتحدة حذرت مطلع يونيو (حزيران) الماضي، من استمرار انتشار وباء الكوليرا المشتبه فيه بولاية غرب كردفان، حيث جرى تسجيل 300 إصابة و77 حالة وفاة، إلا أن السجلات الطبية المحلية ترجح أن تكون الأعداد أعلى من ذلك بكثير،
إذ رصدت ما بين 80 و150 حالة وفاة منذ منتصف مايو (أيار) في الولاية، مع تحديد 800 حالة اشتباه بالكوليرا في منطقة فوجا هذا العام. لاحقاً، أعلنت وزارة الصحة السودانية عن تسجيل 911 إصابة بالكوليرا في ولايتي غرب وشمال كردفان بينها 127 حالة وفاة،
في مؤشر إلى اتساع رقعة الوباء وتفاقم الأزمة الصحية في الإقليم . مياه ملوثة من جانبه، قال سمير عبدالرحيم أحد سكان مدينة النهود بولاية غرب كردفان، إن "السكان يدركون تماماً السبب الأساس وراء تصاعد معدلات الإصابة بوباء الكوليرا في ظل محدودية إسعاف المصابين نتيجة انهيار الوضع الصحي،
إذ إن الأمر يرتبط بأزمة مياه متفاقمة في مناطق عدة بالولاية، مع لجوء السكان للشرب من الآبار المهجورة بعد أن قاموا بتنظيفها يدوياً من النفايات المتراكمة لأعوام طويلة لافتقارهم إلى البدائل، مما أدى إلى مواجهة الموت عطشاً أو المخاطرة بشرب مياه ملوثة والإصابة بوباء الكوليرا القاتل". وأضاف "المشكلة أن سكان غرب كردفان ملتزمون بواقع التعايش عبر العائلات الممتدة،
مما أسهم في أن تشمل الإصابة بمرض الكوليرا كل أفراد المنزل الواحد وانتقال العدوى من شخص لآخر، وعلى رغم تدابير النظافة فإن هناك عجزاً لدى الناس في حماية أنفسهم من خطر الإصابة". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وأردف عبدالرحيم "حين ضرب الوباء الولاية أصيب أفراد أسرتي وفقدت ابني الأكبر نتيجة لبطء إسعافه، فضلاً عن شح الأدوية الأساسية التي تشمل المحاليل الوريدية والمعاناة في الحصول عليها،
الأمر الذي يدفع الأهالي للجوء إلى التداوي بالأعشاب البلدية، لكنها تعتبر غير ناجعة لمواجهة المرض". وبين أن "الأهالي لا يرغبون في الذهاب إلى المستشفيات أو المراكز الصحية بسبب الاكتظاظ الذي يعد عاملاً آخر في انتشار الوباء، وفي الأصل تعاني ندرة العلاجات،
ومع ذلك لا يسمح للمصابين بالعودة إلى منازلهم وإدخالهم إلى مراكز العزل التي تقود بدورها إلى الموت". وأشار المواطن إلى أن "المستشفيات والمراكز الطبية تعاني ضعف الاستجابة لحاجات السكان الملحة إلى الخدمات الصحية، على رغم المساعدات الإنسانية التي تحاول المنظمات إدخالها إلى المناطق المتأثرة، إذ إن الأزمة تتسارع نتيجة تقاطعات الحرب والصحة،
مما يستدعي تدخلات عاجلة لوزارة الصحة الاتحادية والمنظمات الدولية والإقليمية لتوفير الأدوية والمحاليل الوريدية للحد من انتشار المرض". وضع كارثي في السياق، أشار عضو غرفة طوارئ ولاية غرب كردفان عدي عبدالله، إلى أن "تفشي وباء الكوليرا في ولايات إقليم كردفان،
وعلى وجه الخصوص غربها، جاء نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية واستمرار المواجهات، مما عطل الوصول الآمن للإمدادات الطبية والخدمات الأساسية، وإضعاف قدرة المرافق الصحية على الاستجابة المتزايدة التي تتفاقم يوماً تلو الآخر،
وباتت هاجساً يؤرق السكان". وأوضح عبدالله أن "الوضع أصبح كارثياً ويكشف عن الوجه المأسوي في غرب كردفان في ظل تزايد شكاوى المتطوعين في غرف الطواري والعمل الإنساني بسبب نقص العلاج وتفاقم المرض الذي أصبح خارج السيطرة، بخاصة في المناطق التي تخضع لسيطرة (الدعم السريع)، إذ يعد نتيجة حتمية لانهيار كامل للبنية التحتية الأساسية بسبب استهداف محطات الكهرباء وخروج شبكات معالجة المياه من الخدمة مما حرم السكان من المياه النظيفة،
وصولاً إلى الصرف الصحي والمستشفيات في بلد يئن تحت حرب طاحنة لا هوادة فيها، مما أسهم في توسيع نطاق المرض بدلاً من احتوائه". لا يزال عديد من المرافق الصحية خارج الخدمة مما يضطر السكان إلى الاتجاه للعزل المنزلي (أ ف ب) ولفت عضو غرفة الطوارئ إلى أن "أعضاء الغرف على رغم العقبات اللوجستية، يرصدون بصورة متواصلة حالات الإصابة والوفيات التي أنهت في صمت حياة العشرات من الأطفال والنساء والمسنين،
فضلاً عن حملات توعوية مكثفة يقوم بها المتطوعون، وبخاصة في معسكرات الإيواء، حول طبيعة المرض وكيفية التعامل مع الحالات المشتبه فيها، في حين لا يزال عديد من المرافق الصحية خارج الخدمة مما يضطر السكان إلى الاتجاه للعزل المنزلي".
نقص المعينات على صعيد متصل، قال المتخصص في الأمراض الباطنية محمد حامد، إن "وباء الكوليرا يعد من الأمراض البكتيرية الحادة التي في الغالب تنتقل عبر المياه أو الأغذية الملوثة، ويمكن عند تفاقم المرض وفي حال عدم إسعاف المريض بصورة عاجلة،
أن يؤدي إلى الوفاة". وأضاف "في سياق الحرب الدائرة في السودان انهارت المنظومة الصحية بخروج المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة في ظل تفشي الأمراض والأوبئة وخصوصاً الكوليرا، ويبدو أن الوباء يعد الأخطر هذه المرة، مما يهدد الصحة العامة،
وهذا بالتأكيد نتاج هيكلي للصراع المستمر وإرهاق المرافق الطبية التي تصارع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في ظل نقص حاد للمعينات العلاجية المنقذة للحياة". ولفت إلى أن "شفاء المصابين يتوقف على توفير المحاليل الوريدية، وفي تقديري أن مكافحة المرض تبدأ بوقف فوري للحرب والعمليات العسكرية والإنفاق على خدمات الطوارئ والأدوية المجانية، إذ إن عرقلة التدخلات الصحية والإنسانية لمكافحة الوباء،
بخاصة في المناطق الواقعة تحت نفوذ (الدعم السريع)، لا مبرر لها، لا سيما أن المنظمات والوكالات الإنسانية لا تستطيع نقل شحنات المساعدات التي تشتمل على المحاليل الخاصة بالكوليرا إلى مناطق شمال وغرب كردفان بسبب الهجمات المتكررة التي تستهدف القوافل الإنسانية". ومضى المتخصص في الأمراض الباطنية قائلاً،
إن "ثمة مخاوف من انتقال الوباء إلى مناطق وولايات أخرى في حال استمرار الأوضاع الحالية، ولا بد من تدخل المنظمات الدولية العاملة في القطاع الصحي لدعم جهود الاستجابة والحد من تفشي الوباء في ولايات كردفان".