على رغم تحملهم أعباء كبيرة منذ اندلاع الحرب وأدوارهم في بناء شبكات المساعدة والمبادرات والاستجابة للأزمات الإنسانية، لا تزال فرص مشاركة نساء وشباب السودان في العمل المدني والسلام المجتمعي، وكذلك صياغة الحلول والتأثير في القرارات محدودة. أظهر الشباب والنساء قدرة على التنظيم والعمل خارج الأطر الحزبية،

ولديهم رصيد اجتماعي تشكل خلال احتجاجات ديسمبر (كانون الأول) 2018، وفي أعوام الحرب، فضلاً عن نشر الوعي والتثقيف بأهمية السلام ووقف العنف عبر حملات التثقيف والأعمال الفنية، إضافة إلى إطلاق مبادرات شعبية لدعم المتضررين ودرء الجوع والمرض ورصد الانتهاكات وتوثيقها.

خيارات عملية في هذا الوقت، كشفت دراسة ميدانية عن فجوة بين مشاركة النساء والشباب في العمل المدني والسلام المجتمعي في السودان، إذ بلغت نحو 75 في المئة، في وقت انخفضت فيه مشاركتهم في العمليات السياسية وصناعة القرار إلى 16.8 في المئة للنساء و14 في المئة للشباب.

وأزاحت نتائج الدراسة، التي عرضت خلال المنتدى الثالث لسلسلة "نداء سلام السودان"، الستار عن أن 93.4 في المئة من المستطلعة آراؤهم يعدون السلام خياراً أساساً، بينما يرى 90 في المئة ضرورة المحاسبة والعدالة،

في حين أشار 44 في المئة إلى أهمية تنسيق جهود النساء والشباب وتكاملها لدعم مسار السلام. وناقش المنتدى الذي نظمته مجموعة المناصرة من أجل السلام في السودان تحت عنوان "من المشاركة إلى التأثير" كيف تتحول قوة النساء والشباب المجتمعية إلى سلطة في صناعة السلام"، سبل تعزيز دور الفئتين في عمليات التفاوض وصناعة القرار، في ظل اتساع مشاركتهم في المبادرات المدنية والمجتمعية خلال الحرب.

الحرب دفعت كثيراً من الشباب إلى الابتعاد موقتاً عن النشاط السياسي بسبب النزوح وكلف المعيشة والدراسة (حسن حامد) وسلط المنتدى الضوء على التفاوت بين النفوذ الذي تتيحه القوة العسكرية للأطراف المتحاربة والقدرة التفاوضية للقوى المدنية، على رغم الخبرات التي اكتسبتها النساء والشباب من العمل المجتمعي خلال الحرب، بما في ذلك أنشطة التكايا ولجان الطوارئ والمبادرات الإنسانية. ودعا المنتدى إلى دراسة خيارات عملية تشمل إنشاء آلية مدنية مستقلة لمراقبة المفاوضات وربط الشارع بالعملية السياسية،

وتوسيع نطاق المشاركة لتشمل صياغة الاتفاقات وتطبيقها والرقابة عليها، مع التعامل مع المشاركة كحق أصيل مرتبط بالمواطنة يقتضي توفير الحماية والتمويل وحرية تداول المعلومات. واختتم المنتدى بتأكيد أن توسيع طاولة التفاوض ليس هدفاً بحد ذاته بل العبرة في توزيع القدرة الفعلية على صناعة السلام وصياغة القرارات التي تحدد مستقبل البلاد. مساحة حقيقية في السياق يقول صابر التهامي الناشط المجتمعي إن "الحرب دفعت كثيراً من الشباب إلى الابتعاد موقتاً عن النشاط السياسي بسبب النزوح وكلف المعيشة والدراسة والعمل وإعالة الأسر،

لكنهم ينظرون بحذر إلى أي حوار لا يفضي إلى وقف الحرب واستعادة الحكم المدني وبناء مؤسسات دولة موحدة". وشدد التهامي على ضرورة أن تتاح لهم مساحة حقيقية لطرح رؤيتهم في شأن الدولة والسلام ومستقبل الحكم، فضلاً عن أهمية حضورهم في الحوار المقبل بصورة مؤثرة، لا مجرد تمثيل رمزي كما حدث خلال الترتيبات السياسية لحكومة الفترة الانتقالية عام 2019.

ويرى الناشط المجتمعي أن "المشاركة المطلوبة تتجاوز منح الشباب والنساء مقاعد في قاعات التفاوض إلى إشراكهم في تحديد الأولويات وصياغة الاتفاقات المتعلقة بوقف الحرب والدستور والعدالة وإعادة بناء مؤسسات الدولة". دور فاعل من جانبها عدت تهاني عباس الأمينة العامة لمبادرة "لا لقهر النساء" في السودان، أن "المجموعات النسوية في السودان كانت قدوة وقامت بأدوار كبيرة منذ اندلاع الحرب، إذ بدأت النساء بتنظيم أنفسهن في مجموعات عمل من أجل المناصرة وتقديم خدمات الدعم الإنساني،

وكذلك توثيق الانتهاكات ومساعدة الضحايا والناجيات". وأكدت أن "النساء بمختلف تنظيماتهن تنادين بوضع أجندة محددة ومشتركة لوقف الحرب من خلال المشاركة في مؤتمرات عدة، إضافة إلى عقد ورش العمل لبحث المشكلات التي تخص النساء في ظل ظروف الصراع المسلح". المجموعات النسوية في السودان كانت قدوة وقامت بأدوار كبيرة منذ اندلاع الحرب (حسن حامد) وأوضحت أن "نحو 70 تنظيماً نسوياً سودانياً تحرك للمطالبة بإشراكهن في الحراك الذي يهدف إلى وقف الحرب وتحقيق السلام،

إذ تدير هذه التنظيمات ناشطات من عواصم اللجوء خصوصاً في دول الجوار مثل أوغندا وكينيا ومصر". وأشارت الأمينة العامة لمبادرة "لا لقهر النساء" إلى أن "مؤتمر كمبالا لقضايا النساء ركز على ضرورة إشراك المرأة في توزيع المساعدات بالتنسيق مع الجهات المعنية ومشاركتها في محادثات السلام واعتماد رؤيتها ضمن المبادرات المقدمة، وطالب بأن يكون للمرأة دور فاعل في مواقع صنع القرار داخل مؤسسات وهياكل الحكم المختلفة". رؤية مختلفة في المنحى ذاته أشار كمال خليفة،

الناشط في مجال التنمية المستدامة وتمكين المجتمع، إلى أن "الشباب والنساء يواجهون تحديات عدة في ظل الظروف الحالية، ويحاولون الصمود فيها، إلى جانب العمل على إحداث تغييرات في هذا المسار لمصلحة قضايا السلام والتحول الديمقراطي والتنمية وحقوق الإنسان".

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ونوه خليفة إلى "أنه وعلى رغم الملاحقة التي تطاول الفاعلين في الفضاء المدني من الشباب والمجموعات النسوية، لكن هناك عوامل تشجع على الاعتقاد بأنهم مؤهلون لتأدية أدوار مهمة في التصدي لكل العقبات والعراقيل، فالنشاط لدى هذه المجموعات في إعادة التنظيم وترتيب أنفسهم يمكن أن يقودنا إلى مجتمع مدني فعال وحيوي وذي دور كبير في إيقاف الحرب والتصدي للكوارث الإنسانية في البلاد، إضافة إلى الإسهام بفاعلية في إعادة البناء الوطني الذي مزقه الصراع المسلح".

ولفت إلى أنه "حال جرى منح الشباب والمجموعات النسوية دوراً فعلياً في صياغة السلام والدستور وترتيبات الحكم، فقد يتحول جيل الحرب إلى أحد أهم روافع إعادة بناء الحياة السياسية السودانية برؤية جديدة ومختلفة". أفكار جديدة على نحو متصل، أوضحت الناشطة والحقوقية نضال فوزي أن "مشاركة النساء في الحوار والتفاوض ضرورية لفهم آثار العنف والنزوح وتداعيات الحرب على الأسر والمجتمعات المحلية والإسهام في تصميم الحلول ومناقشة أولوياتها".

وبينت فوزي أن "وجود الشباب في العملية السياسية يمكن أن يرفدها بقيادات وأفكار جديدة، ويجعلها أكثر اتصالاً بالمجتمعات التي يفترض أن تخدمها وبخاصة في ظل الاعتراف المتزايد من قبل المجتمع الدولي بضرورة حضور الشباب والمجموعات النسوية ومشاركتها في محادثات السلام واعتماد رؤيتها ضمن المبادرات المقدمة". وتابعت "ظل الشباب من الجنسين حاضرين في العمل العام خلال أعوام الحرب سواء عبر المبادرات المدنية أو غرف الطوارئ وشبكات الإغاثة، لذلك فإن إبعادهم من الحوار يعني إغفال خبرة تكونت في الشارع وفي المجتمعات المتضررة مباشرة من الصراع المسلح".