عادت سخونة التوترات بين القاهرة وأديس أبابا في شأن ملف نهر النيل للواجهة، على خلفية تصريحات منسوبة لوزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا، قال فيها إن "تدفق مياه النيل باتجاه دول المصب (مصر والسودان) سيكون تحت سيطرة إثيوبيا"، مشيراً إلى عزم بلاده المضي قدماً نحو "في بناء سدود إضافية على النهر"،
في إطار ما سماه "الاستخدام العادل لمياه النيل، وتحقيق التنمية المستدامة". تصريحات أديس أبابا التي دفعت بالقاهرة لإعادة التحذير مما سمته "خطط إثيوبيا للسيطرة على تدفقات مياه النيل"، مع تأكيد أن مصر "لديها أدوات متعددة ومتشعبة وقادرة على النفاذ والدفاع عن مصالح الشعب المصري في نهر النيل،
وأنها لن تقبل، ولن تسمح بسيطرة أي أطراف على تدفقات المياه لدول المصب"، عكست هوة التباين بين في هذا الملف مع استمرار توقف مسار التفاوض ورفض مصر لما تعتبره "نهج إثيوبيا الأحادي في إدارة وتشغيل سد النهضة"، مما ينذر،
وفق مراقبين، بـ"سيناريوهات صدامية" تضفي مزيداً من التعقيد على علاقات البلدين. ويمتد الخلاف بين مصر وإثيوبيا حول مياه النيل منذ نحو 15 عاماً، وذلك على إثر بناء إثيوبيا سدها الضخم على النيل الأزرق،
أحد أبرز روافد النيل، وتعده مصر تهديداً لحقوقها التاريخية في مياه أطول أنهار أفريقيا. وتوقفت مفاوضات بين مصر وإثيوبيا برعاية الاتحاد الأفريقي خلال أبريل 2021 بعد الإخفاق في التوصل إلى اتفاق، مما دفع مصر إلى اللجوء لمجلس الأمن الدولي للمطالبة بالضغط على أديس أبابا.
مصر تتعهد عدم التهاون في "حقوقها" خلال الساعات الأخيرة أعادت تصريحات منسوبة لوزير المياه والطاقة الإثيوبي، قال فيها إن "تدفق مياه النيل باتجاه دول المصب سيكون تحت سيطرة بلاده"، وأن أديس أبابا "تعتزم المضي قدماً في بناء سدود إضافية على النيل" ضمن خطط بلاده للتحول إلى مركز لتصدير الطاقة الكهرومائية للدول المجاورة، بعد الانتهاء من سد النهضة،
مبرراً ذلك بما وصفه بـ"الاستخدام العادل لمياه النيل وتحقيق التنمية المستدامة"، أجواء التوتر مع القاهرة حول ملف نهر النيل. التصريحات التي تداولتها وسائل إعلام عربية ومحلية، اتهم فيها الوزير الإثيوبي مصر بالوقوف خلال السنوات الماضية وراء ما وصفها بحملات إعلامية "مضللة"،
قائلاً إنها استهدفت تقييد إثيوبيا ومنعها من بناء سد النهضة والاستفادة من مياه النيل، وهو أمر تنفيه القاهرة باستمرار. وفق تقارير إثيوبية، تعتزم أديس أبابا إنشاء ثلاثة سدود جديدة بطاقة تخزينية مستهدفة تبلغ نحو 140 مليار متر مكعب ما يعقد الأزمة مع القاهرة (أ ف ب) وعلى إثر تلك التصريحات،
اعتبرت القاهرة خطط إثيوبيا لبناء سدود إضافية على نهر النيل تهدف لـ"السيطرة"، على تدفقات المياه إلى دولتي المصب مصر والسودان، معتبرة إياها "إمعاناً في انتهاك القانون الدولي". ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية الرسمية أمس الأحد،
عن مصدر مسؤول لم تسمه، قوله إن تلك التصريحات "تعكس استمرار أوهام أديس أبابا بإمكان فرض الهيمنة على نهر دولي مشترك وإخضاعه لإرادة دولة واحدة". وبحسب الوكالة، فقد أكد المصدر أن "هذه التصريحات تسقط مجدداً الادعاءات الإثيوبية المتكررة بأن تحركاتها تستهدف التنمية من دون الإضرار بالآخرين"،
إذ إن "الإعلان صراحة بالسعي إلى ’السيطرة‘ على تدفقات نهر دولي إلى دولتي المصب يكشف عن توجه بالغ الخطورة لا يستهدف تحقيق التنمية المشروعة بقدر ما يعكس محاولة لفرض الأمر الواقع، واحتكار مورد مائي دولي مشترك، واستخدام الموقع الجغرافي لتهديد الحقوق والمصالح المائية لدولتي المصب، وهو ما لا يقره القانون الدولي،
ولن تسمح مصر بفرضه كأمر واقع". وأكد المصدر، بحسب ما نقلت الوكالة، أن "نهر النيل ليس ملكاً لدولة بعينها"،
وأن "أوهام السيطرة عليه أو التحكم المنفرد في تدفقاته تتعارض بصورة صارخة مع القواعد المستقرة للقانون الدولي الحاكمة للأنهار الدولية المشتركة، وفي مقدمها عدم الإضرار، والتشاور والتوافق والتعاون بحسن نية، واحترام حقوق ومصالح بقية دول الحوض"،
مشدداً على أن مصر سبق أن أعلنت في خطاباتها إلى مجلس الأمن الدولي، أنها "ستتخذ التدابير كافة المكفولة لها بموجب القانون الدولي لحماية حقوق ومقدرات شعبها في نهر النيل"، مؤكداً أن "أدوات الدولة المصرية متعددة ومتشعبة وقادرة على النفاذ والدفاع عن مصالح الشعب المصري في نهر النيل"، وأن "مصر لن تقبل،
ولن تسمح بسيطرة أي أطراف على تدفقات المياه إلى دول المصب". وكثيراً ما أعلنت مصر رفضها ما تصفه بـ"التصرفات الأحادية المتهورة" من جانب إثيوبيا في إدارة سد النهضة، واعتبرت ان تصرفاتها "تمثل تهديداً مباشراً لدول المصب"، وهو ما ترفضه أديس أبابا.
وكانت إثيوبيا افتتحت سد النهضة رسمياً خلال سبتمبر (أيلول) 2025 بعد 14 عاماً من بدء أعمال البناء، وهو أكبر سد لتوليد الطاقة الكهرومائية في أفريقيا. وتقول إنه سيوفر الطاقة لملايين الإثيوبيين، لكن بالنسبة إلى مصر،
فإنها تخشى أن يؤدي إلى انخفاض حاد في تدفق المياه إليها، مما يفاقم أزمة الشح المائي. وخلال الأشهر الماضية، أشارت وسائل إعلام إثيوبية،
إلى خطط إثيوبية لما يطلق عليه "مشروع شلال النيل الأزرق"، الذي يستهدف إنشاء ثلاثة سدود على النيل الأزرق خلال سبع سنوات، مما يتطلب استثماراً بقيمة 10.5 مليار دولار أميركي، ضمن مخطط الحكومة الإثيوبية لتحويل البلاد إلى مركز إقليمي للطاقة،
وهو أمر قال عنه وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم إن "بلاده لن تسمح بإقامة أي سدود إثيوبية جديدة على نهر النيل"، موضحاً مؤتمر صحافي بمقر الوزارة أوائل الشهر الجاري، أن مخططات إثيوبيا بإقامة سدود جديدة أمر معروف لمصر، لكن "الدولة المصرية لن تسمح بأي شيء آخر يحدث".
مخاوف من مزيد من الضرر على رغم تقليل كثير من المراقبين والمعنيين المصريين بما يعتبره "قدرة إثيوبيا" على بناء مزيد من السدود على نهر النيل لـ"لعدم توافر مصادر التمويل ولا القدرات اللازمة" لإتمام ذلك، إلا أن المخاوف على تدفق مياه النهر إلى دولتي المصب تبقي قائمة ومتزايدة بسبب "تعنت" أديس أبابا في التوصل إلى حل توافقي حول "إدارة وتشغيل سد النهضة". منذ العام 2021 ومفاوضات سد النهضة متوقفة بين مصر وإثيوبيا والسودان لو تسفر أي محاولات للتوسط عن تقريب وجهات النظر بعد (أ ف ب) ففي تقديره، اعتبر محمد نصر علام،
وزير الموارد المائية والري المصري السابق، التصريحات الإثيوبية في شأن السيطرة على تدفق مياه النيل باتجاه دول المصب تمثل "استفزازات لا أساس لها"، قائلاً في حديثه لـ"اندبندنت عربية"، إنها تتطلب في الوقت ذاته تأكيد مصر حقوقها والدفاع عنها لما لذلك من تداعيات سلبية على الأمن القومي للبلاد.
وأوضح علام أن عودة التوترات حول نهر النيل بين إثيوبيا والقاهرة تبقي "أزمة مشتعلة" تزيد من حدتها تصريحات أديس أبابا "الاستفزازية"، على رغم عدم امتلاكها المال ولا القدرات لتنفيذ مزيد من السدود على النيل الأزرق، فضلاً عن وجود الموارد المائية بصورة تزيد كثيراً على احتياجاتها الحقيقية، على حد وصفه،
موضحاً "في جوهر الأمر تبقي هذه أزمة مصطنعة وغير حقيقية من حيث التعاطي مع المياه كمورد طبيعي"، ثم تابع "من الناحية السياسية، تسعى إثيوبيا بدافع من أطراف خارجية إلى زيادة الضغط على مصر بهدف التأثير في مسار تنميتها، وهو أمر معروف منذ ستينيات القرن الماضي،
مع بداية الحديث عن إنشاء سدود على نهر النيل بهدف التأثير في القاهرة". ومضي علام قائلاً "قبل عقود كان التخطيط لبناء عدد من السدود لحجز نحو 70 مليار متر معب من المياه، وهو الكمية التي يحتجز وحده سد النهضة نسبة أكبر منها، مما يعني أن بناء مزيد من السدود يهدف إلى حجز مزيد من المياه بصورة مستمرة،
وهو أمر لن تقبله كل من القاهرة أو الخرطوم وسيعدانه بمثابة عمل عدائي يستلزم الرد". وذكر علام أنه في ضوء الإصرار الإثيوبي على المضي قدماً في نهجها الأحادي في التعاطي مع مياه نهر النيل، فإن هذا الأمر قد يعجل من "حالة الصدام ويجعلها واردة بنسبة كبيرة"، موضحاً أن "مصر قد تضطر إلى الدفاع عن حق شعبها في الحياة في لحظة ما،
إذا تأكدت أن الهدف من السياسات الإثيوبية هو حرمانها من المياه". ووفق علام فإن مصر "تعاني بالأساس شحاً في الموارد المائية، ولا تلبي حصتها التي أقرها اتفاق عام 1959 بنحو 55.5 مليار متر مكعب احتياجاتها"، مضيفاً "عند توقيع هذا الاتفاق لم يكن يتجاوز تعداد مصر السكاني 20 مليون نسمة،
والتساؤل الجاد الآن هو يجب أن يكون حول الحديث عن زيادة حصة مصر المائية لا غير ذلك"، متسائلاً "كيف يمكن لهذه الحصة الثابتة منذ أكثر من ستة عقود أن تلبي احتياجات أكثر من 110 ملايين نسمة هو التعداد السكاني لمصر"، معتبراً أن زيادة حصة مصر المائية هو أمر عادل"، مقارنة بحجم المياه التي تسقط على الهضبة الإثيوبية،
التي تعكس أن المياه ليست أزمة بحد ذاتها، على حد تعبيره. في الاتجاه ذاته اعتبر الدكتور عباس شراقي، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة،
أن "التصريحات الإثيوبية الأخيرة تأتي بعد تأكيدات مسؤولين مصريين بعدم السماح لأديس أبابا ببناء سدود جديدة"، معتبراً أن استمرار انتهاج إثيوبيا للتصرف بصورة أحادية في ما يتعلق بتشغيل وإدارة سد النهضة يبقى "تهديداً دائماً لدولتي المصب". وأوضح شراقي في حديثه إلينا قائلاً "على رغم تجاوز مصر بعض التأثيرات التي أحدثها بناء سد النهضة وطريقة ملئه بصورة أحادية من دون مراعاة لمصالح دولتي المصب، يبقي ملف مياه نهر النيل مسألة أمن قومي بالنسبة إلى القاهرة وتهديد السلم والأمن بالمنطقة ولا يمكن التهاون معها"،
مضيفاً "أن الضرر قد يتفاقم مع الشروع في إنشاء مزيد من السدود". ورأى شراقي أن أديس أبابا تصر على التنصل من التزاماتها وتبقي على نهجها الأحادي في إدارة وتشغيل سد النهضة من دون تقديم أية معلومات إلى دولتي المصب (مصر والسودان) حول التشغيل أو مرور المياه عبره، وهو أمر تحاول إثيوبيا المضي فيه لبناء سدود أخرى، مما قد يعقد الأمور بصورة كاملة.
وقبل أشهر، أشارت تقارير إعلامية إثيوبية، إلى اعتزام أديس أبابا إنشاء ثلاثة سدود جديدة بطاقة تخزينية مستهدفة تبلغ نحو 140 مليار متر مكعب. وبحسب تلك التقارير،
فإن تنفيذ المشاريع الجديدة قد يرفع إجمالي الطاقة التخزينية الإثيوبية إلى نحو 224 مليار متر مكعب، فيما تبلغ السعة التخزينية لسد النهضة نحو 74 مليار متر مكعب. وبحسب مراقبين، ففي حال مضي إثيوبيا في هذه الخطط،
فمن المرجح أن تضيف ملفاً جديداً إلى الخلاف المستمر منذ سنوات بينها وكل من القاهرة والخرطوم حول إدارة مياه النيل، لا سيما قواعد تشغيل السدود خلال سنوات الجفاف والجفاف الممتد. وتتمسك إثيوبيا بحقها في استغلال مواردها المائية لتحقيق التنمية وتوليد الكهرباء، فيما تؤكد مصر أن مياه النيل تمثل قضية أمن قومي،
وتطالب باتفاق قانوني ملزم يضمن عدم الإضرار بحقوق ومصالح دول المصب. أي خيارات أمام القاهرة؟ أمام ما يعتبره بعضهم أن التصريحات الإثيوبية تعكس "نيتها الأساسية" من بناء سد النهضة، وأن "هدفه كان سياسياً بامتياز وليس مشروعاً تنموياً" كما تروج للضغط على القاهرة،
يؤكد المراقبون ممن تحدثوا لـ"اندبندنت عربية" أن استمرار توقف المسارات السياسية والدبلوماسية لحل أزمة المياه بين القاهرة والخرطوم من ناحية وأديس أبابا من ناحية أخرى، يدفع بمصر لإعادة تنشيط خياراتها لوضع حد لـ"التصرفات الأحادية من الجانب الإثيوبي في ما يتعلق بمياه النيل"، التي تهدد بصورة مباشرة دولتي المصب. تقول إثيوبيا إن لها الحق في استغلال مواردها المائية لتحقيق التنمية،
فيما تؤكد مصر أن مياه النيل تمثل قضية أمن قومي لها (أ ف ب) وبحسب السفير صلاح حليمة، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية السابق، فإن القاهرة تملك "عدداً من الخيارات التي يمكن اللجوء لها، بدءاً من الحلول السلمية،
وفقاً للفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، ووصولاً إلى الحلول غير السلمية استناداً للبند السابع من الميثاق". ويوضح حليمة في حديثه إلينا "على الصعيد الدبلوماسي تمتلك القاهرة خيارات عدة، من بينها اللجوء مرة أخرى لمجلس الأمن الدولي وطلب تدخله لحل تلك الأزمة التي تهدد السلم والاستقرار الدوليين وفقاً للفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة"،
مضيفاً "في حالة عدم التجاوب، يمكن اللجوء للفصل السابع، على اعتبار أن السد الإثيوبي يمثل عدواناً ويهدد الحياة والوجود لدولتي المصب، مما يستوجب حق الدفاع عن النفس"،
مشيراً في الوقت ذاته إلى أن "التصرفات الأحادية الإثيوبية لفرض أمر واقع في نهر النيل تحمل في طياتها نوعاً من العدوان الممنهج، وهي سياسة تخالف المواثيق والاتفاقات الدولية ذات الصلة كافة، وتستوجب أن يكون هناك موقف من جانب دولتي المصب". ويتعلق الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة بالتسوية السلمية للمنازعات،
ويلزم الدول بالبحث عن "حلول سلمية مثل التفاوض والوساطة، ويسمح بتوصيات فقط من دون إكراه". وفي المقابل، يمنح الفصل السابع مجلس الأمن سلطة اتخاذ "إجراءات قسرية،
عسكرية وغير عسكرية، لحفظ السلم والأمن الدوليين". ويمضي حليمة في حديثه قائلاً "تعكس التصريحات الإثيوبية الأخيرة نواياها الحقيقة من وراء بناء سد النهضة، وأن الهدف منه كان هدفاً سياسياً وليس تنموياً،
مما يؤكد الرواية المصرية ويدحض الرواية الإثيوبية"، وتابع "خلال الفترة الأخيرة كانت هناك أضرار تتعرض لها بالفعل دولتا المصب بسبب النهج الإثيوبي الأحادي في إدارة وتشغيل السد، وأن هذا الأمر "يعد بمثابة اعتداء مستمر على حقوق دولتي المصب المائية، كان من بينها انحسار المياه أخيراً في السودان،
وهو نهج يستوجب مجابهته بتفعيل مبادئ القانون الدولي في شأن إدارة الأنهار الدولية". وبحسب حليمة، فإن "تصريح الوزير الإثيوبي بالسيطرة على مياه نهر النيل يعد في حد ذاته إدانة له، لما يعكس سعي حكومته التحكم في الحياة والوجود لشعبي ودولتي المصب،
وهي مسألة تتعلق بأن هناك نية لعدوان يهدد الحياة والوجود لدولتي المصب بما يستوجب حق الدفاع الشرعي عن النفس في مثل هذه الحالة"، معتبراً أن إصرار إثيوبيا على النظر إلى نهر النيل الأزرق باعتباره نهراً داخلياً، مما يسمح لها بإقامة السدود "هو أمر يخالف القانون الدولي على اعتبار أنه نهر دولي والسيادة عليه مشتركة وليست أحادية، وعليه فإن إقامة هذه السدود ستؤثر في حجم المياه المتدفقة إلى مصر والسودان،
وهذا سيؤدي بالضرر الجسيم الذي ورد في الاتفاق الإطاري الموقع بين البلدان الثلاثة عام 2015، وكذلك القوانين الدولية ذات الصلة التي تؤكد تجنب الخطر الجسيم لأنه يهدد الحياة والوجود". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ومع تعثر مسار التفاوض بين البلدان الثلاثة قبل نحو خمس سنوات، أصدر مجلس الأمن الدولي بياناً رئاسياً في الـ15 من سبتمبر (كانون الأول) 2021،
عقب مناقشة قضية "سد النهضة"، حث فيه مصر وإثيوبيا والسودان على استئناف المفاوضات، بدعوة من رئيس الاتحاد الأفريقي، بـ"هدف وضع صيغة نهائية لاتفاق مقبول وملزم للأطراف،
وعلى وجه السرعة، في شأن ملء وتشغيل سد النهضة، ضمن إطار زمني معقول"، إلا أن جهود التفاوض توقفت على خلفية تباعد مواقف الأطراف.
من جانبه قال عباس شراقي، أنه رغم عمق الخلافات بين القاهرة وأديس أبابا، تبقى احتمالية التوصل لاتفاق "ممكنة طوال الوقت"، لا سيما في ظل حجم الفرص التي يمكن أن يوفرها التعاون بين البلدين،
موضحا: "تكمن المشكلة بالنسبة لمصر في السياسة المنفردة التي تنتهجها أديس ابابا، وذلك رغم أن نهر النيل هو نهر دولي مشترك ولابد من إقامة أي مشروع أن يتم بالتوافق مع دولتي المصب وهو حق أصيل بالنسبة لهم". ومع عدم استبعاده حدوث صدام بين البلدين جراء مياه النيل، أوضح شراقي أن "طريق التفاوض يبقي طويل وصعب،
لكنه الأنسب لكل الأطراف وقد يكون الطريق الوحيد لتحقيق التنمية المطلوبة"، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن احتمالات الصدام تبقي واردة مع استمرار "الاستفزازات الإثيوبية" وتصرفاتها الأحادية، تضفي مزيد من التعقيد على المشهد في وقت لن تنتظر فيه القاهرة حدوث ضرر لها جسيم في المياه. وأكد عراقي أن ظروف بناء سد النهضة الذي شرعت أديس أبابا فيه عام 2011،
تختلف عن الظروف الراهنة، داعيا إثيوبيا أن "تراجع منهجها في يتعلق بمياه النيل، وأن تفكر كثيرا قبل الشروع في أي سد مستقبلي لأن مصر الأن ليست مصر 2011، وأن القاهرة قادرة على الحفاظ على حقوقيها بطرق عديدة،
ولن تتهاون فيها"، على حد وصفه. "المياه في مقابل المنفذ"؟ أمام حديث وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا،
حول أهمية السيطرة على مياه نهر النيل ووصول بلاده إلى البحر الأحمر والحصول على منفذ بحري، وهو مسعى تتهم أديس أبابا القاهرة بالوقوف حائلاً أمام تحقيقه، تتصاعد الأسئلة في شأن ما إذا كانت ضغوط أديس أبابا ملف المياه تهدف إلى دفع القاهرة نحو تقديم تنازلات في ما يتعلق بالمنفذ البحري. بجانب سد النهضة،
برز خلال السنوات الأخيرة خلاف متنامي بين مصر وإثيوبيا حول مساعي الأخيرة الوصول إلى منفذ بحري على البحر الأحمر (أ ف ب) وعن تعقد وتشابك هذه الملفات، رفض وزير الموارد المائية المصري السابق نصر علام ربطها ببعضها بعضاً، قائلاً إن "موقف القاهرة من التحركات الإثيوبية للحصول على منفذ بحري لا يتعلق بها بصورة مباشرة، وإنما يهدف إلى مواجهة مساعي بعض الأطراف الخارجية للحضور في منطقة باب المندب،
وهو أمر يهدد مصر بصورة مباشرة في ما يتعلق بالملاحة في هذه المنطقة الاستراتيجية بالنسبة إليها"، مشيراً في ذلك إلى إسرائيل، ومحاولتها استخدام إثيوبيا في تطويق مصر. ودعا علام الحكومة الإثيوبية لإدراك "إمكان تحقيق التوافق مع مصر لما يربط البلدين من مصالح مشتركة"،
قائلاً "تخلي أديس أبابا عن سياستها العدائية قد يزيد من التعاون بين البلدين بما يحقق التنمية المطلوبة على الأصعدة كافة"، معتبراً أن مصر تبقي "مفتاح التنمية الحقيقية بالنسبة إلى إثيوبيا وليست الأطراف الخارجية الساعية إلى إثارة الاضطرابات والخلافات وعدم الاستقرار في شرق أفريقيا". من جانبه، اعتبر السفير صلاح حليمة،
أن "الممارسات الإثيوبية منذ عام 2015 عكست نواياها العدائية والسيئة تجاه دولتي المصب، وذلك من خلال التصرفات الأحادية وفرض الأمر الواقع، سواء في ما يتعلق بملف نهر النيل أو سعيها إلى الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر"، معتبراً أن سياساتها "تخالف وتنتهك للقانون الدولي والمواثيق ذات الصلة".
ومع تأكيده أن مصر "لا يمكنها أن تتجاوز أية خطوات تصعيدية أخرى في نهر النيل، وأنها ستحميها بكل الطرق"، أوضح حليمة أنه بالنسبة إلى مياه النيل فمن المؤكد أن القاهرة ستحمي مصالحها وتتمسك بعدم التفريط بها"، مضيفاً "في ما يتعلق بالمنفذ البحري،
قد تكون الفكرة موجودة وفق القانون والمواثيق الدولية، لكن على أديس أبابا أن تمضي بها من خلال الوسائل والطرق الشرعية، وليس عبر ابرام اتفاقات مع إقليم انفصالي (كما الحال بالنسبة إلى إقليم صومالي لاند الانفصالي)، أو التهديد باستخدام القوة ضد دولة مستقلة ذات سيادة كما الحال بالنسبة إلى إريتريا"،
معتبراً أن التحركات الإثيوبية في هذا الاتجاه "هي أساليب غير شرعية". وفي تصريحاته الأخيرة، قال وزير المياه والطاقة الإثيوبي إن "مستقبل إثيوبيا لا ينفصل عن نهر (أباي) والبحر الأحمر، إذ يعمل كلاهما كركائز استراتيجية للتنمية الوطنية والاتصال الإقليمي"،
واصفاً نهر أباي (النيل الأزرق) والبحر الأحمر بأنهما "مسطحان مائيان شكلا تاريخ إثيوبيا، وأثرا في ديناميكيات القوة الإقليمية، وما زالا يحددان المسار الاقتصادي والاستراتيجي للبلاد"، وأضاف "يجب فهم ذلك في سياق تاريخي واقتصادي وجيوسياسي أوسع بكثير".
وبحسب الرؤية المصرية، فإن منطقة القرن الأفريقي التي تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي يضم أحد أهم ممرات الملاحة الدولية في العالم وهو البحر الأحمر، تمثل أهمية استراتيجية حيوية بالنسبة إلى مصر، لا سيما وأنها تربط بحر العرب والمحيط الهندي وخليج عدن،
عبر مضيق باب المندب ذي الأهمية الاستراتيجية، بقناة السويس التي تمثل ممراً استراتيجياً مهماً لمصر ولحركة التجارة الدولية، إذ يمر من خلالها ما يقارب 12 في المئة من التجارة العالمية، وتعد أحد أهم مصادر العملة الأجنبية للقاهرة.
وقبل نحو شهرين، اتهمت إثيوبيا مصر بمحاولة عرقلة وصولها إلى البحر الأحمر، وذلك بعد أيام من زيارة وزير الخارجية المصري إلى إريتريا (الخصم اللدود لأديس أبابا)، بصحبة وزير النقل في بلاده لمناقشة مشاريع تنموية ولوجيستية،
إذ شدد عبدالعاطي خلال تلك الزيارة على أن أمن البحر الأحمر وإدارته مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، مما قوبل باتهام رسمي من أديس أبابا للقاهرة، بالعمل "على تطويق وعرقلة مساعيها" للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، معتبرة أن التحركات المصرية المتزايدة في منطقة القرن الأفريقي "تستهدف تطويق إثيوبيا والحد من تطلعاتها الاستراتيجية والتنموية".