تتزايد مخاوف آلاف المزارعين في السودان من تحول موجة الانحسار المفاجئ لتدفقات مياه النيل الأزرق ونهر النيل الرئيس، وتراجع المناسيب إلى أزمة ممتدة تهدد المشاريع الزراعية والأمن الغذائي وبخاصة بعد تأثر عدد من المشاريع التي تعتمد على ضخ الطلمبات. وشهدت المشاريع الزراعية في مناطق كوبري السليم وجزيرة مقاصر شمال البلاد تراجعاً كبيراً في مناسيب النيل على امتداد 2.5 كيلومتر في ظاهرة لم تشهدها هذه المناطق منذ أعوام طويلة، إذ تأثرت بعض محطات مياه البساتين المروية،

وواجه عدد كبير من المزارعين صعوبات في تشغيل المضخات نتيجة ابتعاد المياه من مآخذها. خسائر وأضرار في السياق يقول محمد الخاتم أحد المزارعين في مشروع السليم بمدينة دنقلا إن "مجرى النهر تراجع لمسافة تجاوزت 2.5 كيلومتر، مما أدى إلى خسائر فادحة لمحاصيل استراتيجية ذات تأثير في المستهلك ومعاش الناس لأن طلبها يومي وكبير مثل الخضراوات على أنواعها". وأضاف أن "انحسار تدفقات المياه أسهم في توقف عمليات ري السواق بالوسائل التقليدية،

وتسبب العطش في احتراق عشرات المشاريع وتلف معظم محاصيلها، في وقت يعجز المزارعون عن توفير بدائل سريعة لإنقاذ الموسم الزراعي". وطالب الخاتم الحكومة المركزية والجهات المتخصصة بالتدخل العاجل لإجراء تقييم فني للأزمة، ووضع حلول إسعافية تحد من الخسائر،

وكذلك توفير وسائل الري البديلة، ودعم المزارعين المتضررين حفاظاً على الإنتاج خصوصاً وأن الولاية الشمالية تعد أكبر مصدر غذائي واقتصادي داخل البلاد حالياً، لا سيما بعد خروج مشاريع ولايات دارفور وكردفان من دائرة الإنتاج نتيجة تداعيات الحرب". وضع كارثي بدوره،

أوضح المزارع موسى الماحي أن "ظاهرة الانحسار الحالية غير مسبوقة، إذ تجاوزت التعقيدات مسألة كميات المياه الواردة إلى اضطراب التدفقات وسرعة تغييرات المناسيب". ونوه الماحي بأن "موجة الانحسار تسببت خلال أسبوع واحد في تعرض بعض المشاريع الزراعية التي تعتمد على ضخ الطلمبات وري السواقي إلى الاحتراق نتيجة العطش وتلف المحاصيل". الخطر الأكبر الذي يهدد المشاريع الزراعية يتمثل في تراجع كميات المياه الواصلة من النيل الأبيض هذا العام (أ ف ب) وتابع "الخضراوات ماتت قبل نضجها بسبب شح المياه،

وخسرنا كل شيء تقريباً هذا الموسم، ومن ثم فإن الوضع ينذر بكارثة تهدد الأمن الغذائي في المنطقة، وكذلك السكان الذين يعتمدون على الزراعة كمهنة أساسية". تحوطات وخطط في المنحى ذاته،

أشار المتخصص الزراعي جلال جعفر إلى أن "ندرة الأمطار هذا العام واستمرار انخفاض مناسيب النيل لفترة طويلة، وكذلك عدم تحسن الإيرادات، أسباب تسهم في فشل الموسم الزراعي بالبلاد، مما يهدد بحدوث فجوة غذائية كبيرة خلال الفترة المقبلة".

ولفت إلى ضرورة التحوط المبكر لتأمين حاجات المشروعات المروية، وفي مقدمها مشروع الجزيرة الأكبر بالبلاد والأكثر عرضة للتأثر لحاجته إلى كميات ضخمة من المياه، إضافة إلى وضع خطط تواكب المتغيرات التي ترتبت على ملء وتشغيل سد النهضة بصورة أحادية من جانب إثيوبيا". لا يستبعد جعفر،

أن ينعكس أي انخفاض في مياه النيل الأزرق أو خزان سنار بصورة مباشرة على عمليات الري أيضاً بمشروعي الرهد والسوكي المعتمدين على مياهه، فضلاً عن مشروع حلفا الجديدة، المعتمد على خزان خشم القربة". ونبه المتخصص الزراعي إلى "التأثير المتوقع على المشروعات النيلية الصغيرة والطلمبات الزراعية من منطقة لأخرى،

فقد يتضرر بعضها مبكراً لأن انخفاض المنسوب قد يجعل المضخات غير قادرة على سحب المياه من دون تعديل أو إطالة مآخذها". موقف مطمئن على نحو متصل أشار مدير مشروع الجزيرة الزراعي إبراهيم مصطفى، إلى استقرار موقف الري وتأمين الإمداد المائي للموسم الزراعي الحالي بالمشروع". وقال إن "التدفقات المائية الحالية تبلغ نحو 34 مليون متر مكعب،

على رغم ما يُثار بشأن التذبذب في مناسيب مياه النيل الأزرق". وأوضح مصطفى، خلال جولة ميدانية للوقوف على مستويات المياه ومتابعة انسيابها إلى مناطق المشروع المختلفة من الخزان، أن الوضع المائي يمضي بصورة مطمئنة،

لافتاً إلى أن الأمطار حتى وإن كانت محدودة الهطول فهي تسهم في تخفيف الضغط على عمليات الري". ونوه بأن "مشروع الجزيرة ظل يتعامل مع التذبذبات المائية والأمطار ضمن الظواهر الطبيعية عبر عقود طويلة". وضع مستقر على صعيد متصل قالت وزارة الزراعة السودانية في بيان، إن "تشغيل الخزانات يجري وفق أسس علمية وتشغيلية دقيقة تكفل سلامة المنشآت المائية،

وتضمن تأمين الحاجات المائية للقطاع الزراعي، بما يحافظ على استقرار الإمداد المائي ودعم نجاح الموسم الزراعي". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وأضاف البيان "سجل إيراد النيل الأبيض ومناسيبه حتى منتصف يوليو (تموز) الجاري، معدلات أعلى من المتوسط العام ومن مستويات عام 2025،

بما يؤكد أن الوضع المائي العام لا يزال مستقراً ومطمئناً". وطمأنت الوزارة المزارعين بأن الموقف المائي يخضع لرصد ومراقبة مستمرين، منوهة إلى أن انحسار وفيضان مياه النيل وفروعه ظاهرة طبيعية، إلا أن سد النهضة أدى إلى تغيير في هيدرولوجيا النهر".

أخطار ومهددات ومن جهته، أوضح المتخصص في الري والمياه ناصر إسماعيل أن "الخطر الأكبر الذي يهدد المشاريع الزراعية يتمثل في تراجع كميات المياه الواصلة من النيل الأبيض هذا العام، بالتزامن مع قلة إيرادات المياه من النيل الأزرق، بسبب حبس سد النهضة لمياهه وتخزين مياه الفيضان،

مما أدى إلى تراجع الوارد اليومي من النيل الأزرق إلى حدود 160 إلى 170 مليون متر مكعب فقط، مقارنة مع نحو 700 إلى 800 مليون متر مكعب يومياً". وحذر إسماعيل من أنه في حال تواصل انخفاض واردات المياه وتراجع تدفقاتها على النحو الحالي، سيهدد ذلك بتقليص المساحات الزراعية المروية في كل مدن ومناطق السودان".

وأشار المتخصص في الري والمياه إلى تضافر أسباب وعوامل عدة، بجانب تخرين بحيرة "سد النهضة"، أدت إلى الانحسار الراهن في مياه النيل، على رأسها تأخر موسم الأمطار في الهضبة الإثيوبية التي تغذي النيل الأزرق بمعظم إيراده السنوي،

مما أدى إلى تأخر وصول الفيضان المعتاد لشهري يونيو (حزيران) الماضي ويوليو (تموز) الجاري، فضلاً عن ضعف تدفق الأنهار الموسمية في بدايات خريف هذا العام مقارنة بالسنوات السابقة".