تعاني العاصمة السودانية الخرطوم من أزمة مياه شرب حادة ومؤسفة، نتيجة اجتماع انحسار مناسيب مياه نهر النيل مع الدمار الواسع الذي طاول البنية التحتية لمحطات المياه والكهرباء بسبب الحرب المستمرة في البلاد بين الجيش وقوات "الدعم السريع" لأكثر من ثلاث سنوات، مما أدى إلى خروج محطات رئيسة مثل الصالحة وبحري شمال عن الخدمة. الأزمة عكست حجم معاناة سكان العاصمة وتفاقمها لتتحول إلى أزمة بقاء،
في وقت أكدت هيئة مياه الخرطوم أنها اتخذت تدابير عاجلة لمعالجة نقص الأمن المائي، شملت توفير معدات لتنظيف مجرى النيل المغذي للمحطات، متوقعة أن يعود إمداد المياه إلى المناطق المتأثرة قريباً. استغلال وجشع يقول المواطن محمد قسم السيد الذي يسكن منطقة الصالحة جنوب أم درمان إن "تراجع منسوب النيل أصبح واضحاً،
وابتعد عشرات الأمتار عن الشاطئ، فلم نشهده على هذا النحو من الانحسار، مما تسبب في شح المياه بعدد من الأحياء والقرى الواقعة جنوب أم درمان وتحولت إلى أزمة عطش وصراع حقيقي يؤرق السكان". وأضاف أن "الأحياء السكنية المتأثرة لم تجد خياراً سوى شراء المياه من العربات التي تجرها الدواب،
وهؤلاء يجلبونها من آبار جوفية معظمها غير آمنة، لكن المؤسف أنهم استغلوا هذه الأزمة ورفعوا أسعار المياه بصورة غير مسبوقة، ومع ذلك يضطر السكان إلى شرائها مهما كانت الكلفة باهظة". وأشار قسم السيد إلى أن "أزمة المياه الآن تعد أزمة طال أمدها مع وعود متكررة لوضع حل لحدة العطش،
نتيجة انحسار تاريخي وغير مسبوق في مناسيب النيل بخاصة النيل الأزرق، إذ إن التراجع امتد من الخرطوم إلى ولايتي نهر النيل والشمالية ما تسبب في ظهور جزر رملية داخل مجرى النهر". رحلة بحث ميادة عبد الفتاح، ربة منزل تقيم في ضاحية الدروشاب في مدينة بحري،
قالت إن "يومنا يبدأ برحلة بحث شاقة عن مصدر لجلب المياه، إذ إن أزمة العطش في مدينة بحري بصفة عامة أصبحت أزمة بقاء، تتقاطع مع انقطاع الكهرباء وعدم القدرة على تشغيل مضخات المياه داخل المنازل، إلى جانب ندرة الوقود".
ولفتت عبد الفتاح إلى أن "السكان في حال ترقب لصهاريج المياه التي تجوب الأحياء من وقت إلى آخر من قبل خيرين، وفي كثير من الأحيان لا نتحصل على جرعة ماء بسبب كثرة توافد السكان عليها، في حين ترتفع أسعار المياه عبر عربات الكارو، علاوة على المياه الجاهزة التي تباع في المحال التجارية ووصلت إلى مستويات نعتبرها أعباء إضافية تفوق قدرة المواطنين الذين أنهكتهم الحرب بسبب النزوح واللجوء".
ومضت ربة المنزل قائلة "معاناة السكان المستمرة في تأمين المياه دفعتهم نحو التفكير في حفر آبار في بعض الأحياء لحل هذه المعضلة". بدائل طبيعية بدوره، أشار أحمد عبد الجبار، أحد سكان منطقة الجيلي شمال بحري،
إلى أن "الأزمة باتت تتجلى في مخاوف المواطنين المتأثرين بنقص حاد في الإمداد المائي من انتشار الأمراض والأوبئة المرتبطة بتلوث المياه لجهة الاعتماد المباشر على مصادر مياه غير معقمة في ظل توقف شبه تام للمياه النيلية، مما أسهم في تفاقم المعاناة الاقتصادية للأسر". وأوضح عبد الجبار أن "غالبية الأسر لجأت إلى تعقيم المياه قبل شربها، لكن هذا الخيار لا يعد الأمثل بسبب ارتفاع كلفة غاز الطهي والفحم والحطب،
إذ إن عملية تعقيم المياه عبر الغلي كلفتها باهظة، ما جعل الأسر تتجه إلى إجراء عملية التعقيم بواسطة أشعة الشمس المباشرة كحل بديل مستغلين ارتفاع درجات الحرارة". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ونوه إلى أن "هذه الأزمة جعلت بعض سكان العاصمة الذين عادوا أخيراً من نزوحهم بدول الجوار يفكر في النزوح مرة أخرى لحين حل أزمة المياه وغيرها من الأزمات الأخرى، لأنه واضح أن الدولة عاجزة في الوقت الحالي في إيجاد الحلول التي تنهي معاناتهم لانشغالها بالصراع الذي لا يزال قائماً".
أضرار جسيمة في السياق، أفاد مهندس في هيئة مياه ولاية الخرطوم فضل عدم ذكر اسمه بأن "السودان في مواجهة ظروف استثنائية غير مسبوقة منذ بداية العام الحالي، إذ اجتمع انحسار المجرى المائي للنيل مع الأضرار الجسيمة التي طاولت البنية التحتية للمحطات الرئيسة بسبب الحرب المندلعة في البلاد لأكثر من ثلاث سنوات". وأضاف أن "العاملين في الهيئة يدركون حجم معاناة المواطنين وصعوبة الحصول على مياه صالحة للشرب،
وفي المقابل تعمل الفرق على مدار الساعة بمعالجات إسعافية من بينها مد خطوط شفط إضافية في عمق النهر وتشغيل الآبار البديلة". ونوه المهندس إلى أن "الاستقرار الكامل للإمداد المائي يعتمد على حماية المحطات من الاستهداف المتكرر وتوفير الطاقة ومواد التنقية بشكل منتظم". تقلبات وتراجع كانت وزارة الزراعة والري السودانية أرجعت الانخفاض الموقت في مستويات مياه النيل إلى تراجع تصريف المياه في سد النهضة الإثيوبي. وقالت إدارة الخزانات التابعة للوزارة إن التدفق اليومي لخزان الروصيرص انخفض إلى 129 مليون متر مكعب يومياً خلال الفترة بين 7 و9 يوليو (تموز)،
مقارنة بـ207 ملايين متر مكعب يومياً، ما يمثل عجزاً يومياً قدره 76 متراً مكعباً، كذلك أدى انخفاض التدفق الوارد إلى تقليل التصريف نحو المصب بمقدار 100 مليون متر مكعب يومياً في سد الروصيرص، وبنحو 82 مليون متر مكعب يومياً في سد سنار خلال الفترة من 7 إلى 10 يوليو (تموز).
ويبلغ ارتفاع سد الروصيرص المقام على النيل الأزرق 68 متراً فيما تبلغ سعته الإجمالية 3329 مليون متر مكعب، ويقع على بعد 115 كيلومتراً أسفل سد النهضة الإثيوبي الكبير .