إذا كان بدء التاريخ البغيض لقوات "الدعم السريع" هو أول يناير (كانون الثاني) 1956، يوم حصول السودان على استقلاله وركوب الصفوة العربية الإسلامية النيلية صهوة الحكم، فإن التاريخ البغيض للجماعات التي تشكلت منها "قوى الحرية والتغيير" (قحت)، خلال حراك ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018،
هو الـ30 من يونيو (حزيران) 1989 حين انقلب الإسلاميون على الحكم وأقاموا "نظام الإنقاذ" فينا حتى أبريل (نيسان) 2019. وتصطاد "قحت" عصفورين بحجر واحد بتعيين "انقلاب الإنقاذ" يوماً لكريهتهم. أما العصفور الأول فهو الاستفراد بدور الضحية وميزاته لا تحت "الإنقاذ" حاكمة فحسب، بل ومخربة حتى بعد سقوطها بثورتهم في ديسمبر 2018.
أما العصفور الثاني فهو التستر على أدوارهم جماعة وتباعاً في نظام لانقلاب آخر هو انقلاب البكباشي جعفر محمد نميري في الـ25 من مايو (أيار) 1969 الذي مرت ذكراه الـ57 قبل أسبوعين أو نحوه. ولو كانت العافية السياسية مقصد "قحت" (سنجملهم هكذا اقتصاراً) لكان انقلاب الـ25 من مايو هو ما ينبغي أن يكون نصب عينيها. فهو الانقلاب الذي أخلى يدها جميعاً واحدة بعد الأخرى من مشروعاتها لتبقى قصوراً مشيدة جفت بئرها. فلم يبق النظام حجراً على حجر من مشروعات "قحت" خلال الـ17 عاماً التي خيم فيها على البلاد.
فاستنفدها جميعاً ويقول هل من مزيد؟ بدأ يسارياً ذا زبد يحتفل بميلاد لينين المئوي حتى تفاصل مع اليسار دموياً بعد انقلابهم في الـ19 من يوليو (تموز) 1971. ثم ركبه القوميون العرب بعدهم فقيلوا فيه هوناً وتلاشوا بعد عام 1973 كما سنرى. واعتلى النظام بعدهم التكنوقراط مهنياً،
والمستقلون سياسياً كما عرفوا في السياسة الطلابية، من زكوا أنفسهم طويلاً بأنهم لا إلى هؤلاء، اليمين، ولا إلى هؤلاء،
اليسار. وبلغ من إهانة النظام لهم أن سمى منصور خالد رأسه وهو نميري بـ"البلطجي" لمسؤوليته الشخصية عما حدث لثورته، أي انقلابه، بعد طهر باكر بتنكره للمبادئ التي نهض من أجلها فخان بذاك أمانة جيل ومطامح أجيال،
الجيل الذي كتب عليه، في قوله، أن يبني السودان. ثم تدارك النظام الإسلاميين وهو في السكرات بعد مصالحته معهم في عام 1977.
وخرج عليهم بليل ومن وراء ظهرهم، وبلا شورى معهم، خليفة على "الدولة الإسلامية" التي أودعوا طلابها عمراً وكدحاً وتقوى. وقبلوا بنميري خليفة بالبيعة صاغرين،
فهانوا في أعين الناس. وقضى من جانب آخر وقبل أربعة أشهر من اقتلاعه من الحكم على الفكرة الجمهورية بقتل أستاذها محمود محمد طه من ظن أن ديكتاتوراً مثل نميري، لا الديمقراطية، من يرعى عهد دعوته إلى الظهور الثاني للإسلام.
وأبطل نميري من الجهة الأخرى السياسة المدنية في جنوب السودان وعطلها إلى الأبد بخرقه للاتفاق الذي عقده مع صفوتهم في عام 1972، ليتحلل منه من جانب واحد في عام 1983. انتحر نظام نميري بالمشروع السياسي للصفوة كحامل للحلم بالتغيير مهما كان الرأي فيه. ولم تقل أي من هذه الجماعات "أحيا يا العافية" (كما نقول لمن انتحب الدهر بعد الزعزعة التي حدثت له) بعد دمدمة نظام مايو عليها.
وأكثر إفراغ نظام نميري لقوى "قحت" وغير "قحت" من مشروعاتها مما سارت به الركبان. وسنكتفي هنا بجوانب من زعازع نميري على "قحت" وغيرها التي لم نسلط الضوء عليها بالقدر اللازم. ونعرض ليوم استنفد نميري مشروعات كل من القوميين العرب والحركة القومية الجنوبية ولجانب من مشروع لليسار وسط حركة الطلاب، غير معروف،
ورمى لهم بـ"الفاضي" وهي عبارة السودانيين لمن تكرع الفائدة منك وأعاد الزجاجة الفارغة لك. للقوميين العرب أدوار كبرى في انقلاب مايو، بل لربما ولد من رحمهم هم لا من رحم الشيوعيين، إلا أن خصومة الأخيرين أربح بيعاً.
فسادوا بين قيام الانقلاب حتى نحو عام 1973 بسقوط القانون المدني العام لعام 1971. وهو القانون الذي جاء به بابكر عوض الله، الناصري عضو مجلس انقلاب مايو ورئيس الوزراء في أول عهده، عن عقيدته في القومية العربية ودعوته لتشريع قانون مدني مستمد من القانون المصري.
فتكونت لجنة إصلاح قانوني عام 1971 لتتوافر على كتابة قانون عربي اشتراكي ليحل محل إرثنا القانوني الاستعماري. وولد القانون المدني لعام 1971. ولكنه لم يلبث فينا إلا قليلاً حتى اعتورته سهام ورثة القانون العام لأن من كتبه قانونيون مصريون عجلى، وعابوا عليه الهرج الذي ترتب على إدارة العدالة بأثره.
وفقد القانون أرضيته السياسة بخمول دور القوميين العرب في الدولة بين عامي 1972 و1973. ونجح أهل القانون العام وعلى رأسهم الدكتور زكي مصطفى، النائب العام عام 1973، إلى إحالته إلى الاستيداع واسترجاع القانون السوداني المستمد من القانون الإنجليزي بحذافيره.
وقال زكي إن تلاشي القانون المدني درس بليغ لمن ظن أن بالوسع أن ترمي تقليداً قانونياً بكلياته إلى قارعة الطريق لأنه مما جاءت به سلطة استعمارية في يوم ما. وسخر من مثلهم لأنهم ما زادوا في دعوتهم للتخلص من قانون استعماري من استيراد قانون استعماري بديل، هو القانون المصري الذي نشأ في حضن الخديوية الإقطاعية التي حكمت السودان وروجوا له مع ذلك بأنه قانون اشتراكي. فألغى نميري القانون وسلم القوميين العرب "الفاضي".
وجاء يوم القوميين الجنوبيين مع دولة مايو في يونيو 1983. وكانوا تعاقدوا باتفاق عام 1972 على الحكم الذاتي لإقليمهم. ونجحوا لعقدٍ من الزمان في قيام حكومة إقليمية تمتعت بقدر لا بأس به من الديمقراطية، مما جعلها "جزيرة في محيط ديكتاتوري".
وكان ذلك ما غلط على نميري دائماً ولم يتوقف عن الشغب في وجهه. ثم جاءت السانحة بمصالحته مع أحزاب الأمة والإسلاميين عام 1977 وهي التي لم يرق لها اتفاق أديس أبابا مطلقاً لأنه قوَّى نظام مايو عليهم. ومن فوق حلفه الجديد جرؤ نميري على إلغاء الاتفاق عام 1983. وبينما حمَّل جنوبيون نميري كل وزر فض الاتفاق من جانب واحد لم يلج بعضهم عن تحمل حصته من تهافت الاتفاق.
فكتب الصحافي والوزير بونا ملوال في "الشعب والشوكة في السودان" (1981) بأن السودان في حاجة إلى حل سياسي لم يعد بوسع جيله من السياسيين اجتراحه لأنهم سمحوا لنميري باستغفالهم فنزع عنهم احترام الجنوبي العادي الذي صار عنده كل سياسي فاسد وسباق إلى المناصب. وهذا ما حدا بـ"دوغلاس جونسون"، المتخصص بتاريخ جنوب السودان، للقول بأن فساد الساسة الجنوبيين المدنيين هو أصل كبير في اتباع شبابهم خطة حرب التحرير في مثل الحركة الشعبية لتحرير السودان (جون قرنق).
فهي حرب في مواجهة الشمال بالطبع. ولكنها موجهة نحو ساسة الجنوب الذين اكتسبوا هذه الصور السلبية عند جمهرة الجنوبيين في قول ملوال. وهكذا استثمر نميري في حلف القوميين الجنوبيين لعقد ورمى لهم بالفاضي. أما الخسارة العظمى لقوى "قحت" التي لم تذع بكفاية فهي تضحيتهم بالتمثيل النسبي الذي كان المبدأ الانتخابي والتنظيمي لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم،
ثقيل الوزن في السياسة السودانية، خدمة لنظام مايو. وكان المبدأ الذي تواضع عليه الطلاب منذ عام 1957 هو أن يحظى بالتمثيل في مجلس الاتحاد (40 مقعداً) ولجنته التنفيذية (10 مقاعد) كل تنظيم حظي بنسبة مقدرة من الأصوات. وكان شمول التمثيل النسبي ذلك صمام أمان وحدة الإرادة في الاتحاد.
فليس من تنظيم ذي وزن لا يجد نفسه في صورة الاتحاد. ما جاءت مايو للحكم حتى انعقدت انتخابات الاتحاد فغلب الإسلاميون (19 مقعداً) في حين حصلت الجبهة الديمقراطية اليسارية على (13 مقعداً)، ونال اشتراكيون مستقلون أربعة مقاعد وذهب مقعدان لحزب الأمة والجنوبيين. ووقع الخلاف في الاتحاد بعد قرار فصل طائفة من الأساتذة من الجامعة لـ"رجعيتهم" في يناير 1970.
فوصت اللجنة التنفيذية للاتحاد، التي غلب فيها الإسلاميون كما رأينا، الجمعية العمومية برفض ذلك القرار والإضراب احتجاجاً لثلاثة أيام. وصوتت الجمعية وأسقطت التوصية.
فانشرح اليسار لسقوطها وتظاهر، "التوصية سقطت يا حمد الله" (فاروق حمد الله عضو مجلس الانقلاب ووزير الداخلية). ثم بدأت إجراءات اليسار لحجب الإسلاميين عن كل نشاط من منصة الاتحاد، حماية لنظام مايو.
فانسحب من مجلس الاتحاد بحجة أن إسقاط الطلاب للتوصية بمثابة سحب للثقة منه. وطلبوا من إدارة الجامعة حل الاتحاد لذلك السبب. وفعلت الإدارة ذلك في الـ15 من يناير. وقامت "سكرتارية الجبهات التقدمية" مكانه،
بزعم أن الاتحاد أداة من أدوات الثورة الوطنية الديمقراطية التي أطلقها انقلاب مايو. وتكونت السكرتارية من طلاب الجبهة الديمقراطية (تحالف شيوعي) والجبهة الاشتراكية (أصول أكثرهم من حركة الطلاب المستقلين القديمة بين الطلاب) ومنظمة الاشتراكيين العرب. ومارست نشاطها من دار اتحاد الطلاب. واتجهت الجامعة بعد ذلك لمحاصرة النشاط السياسي للطلاب،
فحظرت تسيير المواكب في الجامعة إلا بإذن من شؤون الطلاب. فخرج موكب تصدى له الدكتور جعفر محمد علي بخيت، مشرف شؤون الطلاب والوزير في دولة مايو ورمزها الفكري لاحقاً، فاعتدى الطلاب عليه،
وفصلت الجامعة طلاباً صار بعضهم رموزاً في "دولة الإنقاذ" مثل فتحي خليل وتاج السر مصطفى، وعينت لصحف التيارات السياسية الحائطية رؤساء تحرير لتعرفهم بالاسم. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ولم يدم شهر العسل بين اليسار ونظام مايو طويلاً. فساء ما بينهما بعد فصل مجلس الانقلاب لثلاثة من أعضائه اليساريين أو المخالفين.
فأدانت سكرتارية الجبهات التقدمية ذلك الفصل وعدته ردة يمينية عن الثورة. ولم تقف، من جهة أخرى، المواجهات بين الطلاب والنظام،
لكنها وجدت اليسار والنظام قد دقا بينهما عطر منشم حتى انقلاب يوليو 1971 بعواقبه الدموية والسياسية، التي لم يفق الشيوعيون من ويلاتها إلى يومنا. فصدرت قرارات في مارس (آذار) 1971 عرفت بـ"قرارات حنتوب"، اتفقت لجعفر نميري قائد الانقلاب لإصلاح الجامعة بعد مناسبة انعقدت في مدرسته الثانوية،
حنتوب. فألغت تلك القرارات نظام سكن طلاب الجامعة وإعاشتهم وامتنعت الجامعة بها عن دعم الكتب إلا لغير المستطيع من الطلاب، وألا ينهض أحد بنشاط سياسي خارج حرم الجامعة. وقامت لمواجهة قرارات النظام،
"جبهة وحدة الطلاب" التي بادر بها طلاب مستقلون تنادى لها الإسلاميون وطلاب حزب الأمة وجبهة للطلاب الجنوبيين دون سكرتارية الجبهات التقدمية. ولم تنجح اللجنة في لقاء مدير الجامعة ولا أساتذتها ولا مجلس الوزراء لتعرض مظالمها. فقررت بالنتيجة أن تحتل الجامعة وتسد السبل والمنافذ إليها. ووقفت سكرتارية الجبهات التقدمية بمعزل عن ذلك الحراك،
بل ذاع أنها تظاهرت ضد احتلال الطلاب للجامعة تهتف "اضرب اضرب يا أبو القاسم"، أي وزير الداخلية أبو القاسم محمد إبراهيم. وهو ما نفاه طلاب الجبهة الديمقراطية عن أنفسهم. ولكن زال التوتر في الجامعة بواسطة نائب مدير الجامعة مصطفى حسن إسحاق،
ليتواثق مجلس الانقلاب والطلاب على إيقاف تنفيذ مقررات حنتوب، وليرفع الطلاب اعتصامهم مع تأكيد استقلال الجامعة، وقيام التنظيم النقابي للطلاب، وحل سكرتارية الجبهات التقدمية.
وكان انقلاب الشيوعيين في الـ19 من يوليو 1971 فاتحة باب جديد لتفاوض حول التنظيم النقابي للطلاب. فغيابه خلق فراغاً في الحياة الجامعية اتفقت الأطراف على وجوب سده. فتواصى مدير الجامعة مع هيئة من الطلاب الإسلاميين وطلاب أحزاب الأمة والاتحادي الديمقراطي والجنوبيين على إعادة الاتحاد. وتدارسوا المبدأ التنظيمي الذي سيقوم عليه،
هل بالتمثيل النسبي كما كان الأمر منذ 1957، أم بالانتخاب الحر المفتوح، يفوز من غلب بأصوات الطلاب؟ وجرى الاستفتاء بين الطلاب على الأمرين في الـ25 من مارس 1972.
وفاز مبدأ الحر المباشر (2723 صوتاً من 3070) بينما لم يحصل التمثيل النسبي سوى على 340 صوتاً. وجرت الانتخابات لمجلس الاتحاد (40 عضواً) ففاز الإسلاميون بـ24 مقعداً، وثمانية مقاعد للجبهة الأفريقية الجنوبية، وثمانية مقاعد لحزب الأمة والاتحاديين.
وغابت الجبهة الديمقراطية وحلفاؤها في سكرتارية الجبهات التقدمية عن المشهد للمرة الأولى منذ قيام حركة الطلبة. وكان ذلك الاتحاد هو الذي قاد المعارضة شعبياً وبقوة ضد النظام كما تجسد في ما يعرف بين الإسلاميين بـ"ثورة شعبان 1973". وكان تحول اتحاد الطلاب من التمثيل النسبي إلى الحر المفتوح نكسة سياسية من الدرجة الأولى لقوى "قحت". سنتجاوز هنا أن انتخابات الاتحاد لم تعد حدثاً بعد إلغاء التمثيل النسبي،
إذ كثيراً ما اكتسحها الإسلاميون إلا ما ندر. فكانت جماعات "قحت" تنادت بعد ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1964 وأبريل 1985 بنوع من الديمقراطية التوافقية التي مثل التمثيل النسبي تاجها. وما دفعها لهذه المناداة، معرفتها أن حظها الانتخابي في الاقتراع للبرلمان بصوت واحد للمواطن مما يُرجح الكفة لمصلحة الأحزاب الطائفية التقليدية ذات النفوذ الآسر بين الناس في الأرياف خصوصاً.
ولذا دعت هذه الجماعات دائماً إلى إنشاء دوائر للعمال والمزارعين، أو إعطاء المدن قسمة أكبر من الدوائر وغيرها لضمان تكاثرها في البرلمان فالحكومة. ورفضت الأحزاب الكبرى تلك المقترحات جملة وتفصيلاً بالطبع. وبقي من عناوين الديمقراطية التوافقية اثنان هما نواب دوائر الخريجين التي تواضعنا عليها منذ انتخابات الحكم الذاتي عام 1954 والتمثيل النسبي في الجامعة.
وها هي قوى "قحت" ترمي بالتمثيل النسبي على قارعة الطريق إكراماً لنظام يكرع ماءك ويرمي لك بالفاضي. ليس من عبارة استهلكها الخطاب السياسي مثل "مخاطبة جذور المسألة". وبدا أن القوى المدنية الديمقراطية، بتعطيلها قاطرة الأزمة السودانية عند محطة انقلاب الإسلاميين،
لا تجد الشجاعة في نفسها لترى نواة أزمتها، قبل أزمة البلاد، في انقلاب نميري. وهو الذي جاءته واحدة بعد الأخرى تأتمنه مشروعات عمرها طائعة مختارة فأساء إليها عن بكرة أبيها.
فعاشت فيناً بعد خسارتها فيها قصراً مشيداً وبئراً معطلة. وإضرابها عن ذكر انقلاب نميري ودولته على لسانها في معرض مخاطبة جذور أزمتها مما تسميه الأعاجم "الفيل في الغرفة".