اقترحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض رسوم جمركية إضافية تتراوح بين 10 و12.5 في المائة على واردات قادمة من 60 اقتصاداً حول العالم، متهمة شركاءها التجاريين بعدم اتخاذ إجراءات كافية لمنع دخول منتجات مصنوعة باستخدام العمل القسري إلى الأسواق العالمية. تأتي هذه الخطوة عبر مكتب الممثل التجاري الأميركي، وتمثل محاولة لإعادة بناء جزء من منظومة الرسوم الجمركية التي أطلقتها الإدارة سابقاً قبل أن تُبطلها المحكمة العليا الأميركية في فبراير الماضي.تبرر واشنطن القرار بحماية العمال الأميركيين ومكافحة الممارسات التجارية غير العادلة،
لكنه أثار موجة واسعة من الانتقادات الدولية وسط مخاوف من جولة جديدة من التوترات التجارية في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي تداعيات الحرب وتباطؤ النمو. وقال الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير إن فشل الشركاء الرئيسيين في الحد من استيراد السلع المرتبطة بالعمل القسري أمر غير مقبول، لأنه يجبر العمال الأميركيين على المنافسة في بيئة غير متكافئة.بموجب المقترحات الجديدة، ستخضع واردات من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا والمكسيك وتايوان وإندونيسيا وماليزيا وباكستان واقتصادات أخرى لرسوم إضافية بنسبة 10 في المائة،
بينما تواجه الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا و45 دولة أخرى رسوماً أعلى تصل إلى 12.5 في المائة. لم تدخل الإجراءات حيز التنفيذ بعد، إذ فتح مكتب الممثل التجاري باب التعليقات العامة حتى السادس من يوليو مع عقد جلسة استماع في السابع من الشهر نفسه، لكن الإعلان وحده أثار ردود فعل قوية من أبرز الشركاء التجاريين.اعتراضات واسعةكان الاتحاد الأوروبي في مقدمة المعترضين،
حيث أكدت المفوضية الأوروبية أن الرسوم المقترحة غير مبررة، وشددت على التزامها بتنفيذ الاتفاق التجاري المبرم مع واشنطن العام الماضي. ووصف رئيس لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي، بيرند لانغه،
المبررات الأميركية بأنها سخيفة تماماً، مشيراً إلى أن الاتحاد الأوروبي أقر قانوناً عام 2024 يحظر استيراد المنتجات المرتبطة بالعمل القسري. وأضاف أن الانطباع السائد هو أن الإدارة الأميركية تبحث أولاً عن فرض الرسوم ثم تبحث لاحقاً عن الأساس القانوني.تحمل هذه الانتقادات دلالة خاصة لأن الاتحاد الأوروبي توصل العام الماضي إلى تفاهم مع واشنطن تجنب بموجبه رسوماً أميركية بنسبة 15 في المائة على نطاق واسع من صادراته، في تسوية هدفت إلى تجنب حرب تجارية عبر الأطلسي.
لكن التقرير الأميركي الجديد اعتبر أن الإجراءات الأوروبية لم تدخل حيز التنفيذ الكامل بعد، ولا تتضمن عناصر كافية لضمان مكافحة فعالة للعمل القسري، وهو ما رفضته بروكسل بشكل قاطع.غضب صينيالصين التي تواجه رسوماً مقترحة بنسبة 12.5 في المائة، جاء ردها أكثر حدة.
قالت وزارة الخارجية الصينية إنه لا يوجد ما يسمى بالعمل القسري في الصين، متهمة واشنطن باستخدام الملف ذريعة للتلاعب السياسي وفرض قيود تجارية أحادية الجانب. وأكدت المتحدثة باسم الخارجية ماو نينغ أن بكين تعارض جميع أشكال الرسوم الجمركية الأحادية، محذرة من أن الصين ستتخذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن مصالحها التجارية.
تأتي هذه المواجهة في وقت تشهد فيه العلاقات الاقتصادية بين أكبر اقتصادين في العالم حالة من التهدئة الحذرة بعد قمة الرئيسين الشهر الماضي، والتي أسفرت عن تفاهمات تجارية تشمل خفضاً متبادلاً لبعض الرسوم.هدوء هندي ومواقف متباينةفي الهند التي وُضعت ضمن قائمة الدول الخاضعة للرسوم الأعلى، جاء الرد أكثر هدوءاً. أكدت وزارة التجارة الهندية أن الرسوم المقترحة ليست نهائية،
وأن نيودلهي تواصل التفاوض مع الولايات المتحدة في إطار إجراءات التحقيق الحالية. يكتسب الموقف الهندي أهمية خاصة لأن القرار الأميركي جاء بالتزامن مع جولة جديدة من المفاوضات التجارية الثنائية، حيث يسعى الطرفان للتوصل لاتفاق إطار اقتصادي أوسع.تايوان التي تواجه رسوماً بنسبة 10 في المائة، تبنت لهجة أكثر تفاؤلاً،
معربة عن ثقتها بأن النتائج النهائية ستأخذ في الاعتبار التفاهمات السابقة مع واشنطن. في بريطانيا، قالت الحكومة إنها تواصل التواصل المنتظم مع الإدارة الأميركية، مؤكدة أنها تتخذ إجراءات لمكافحة العمل القسري في سلاسل الإمداد المحلية والعالمية.وراء الستار: تحول دائم في السياسة التجارية؟خلف الجدل السياسي والتجاري يبرز سؤال أوسع حول ما إذا كانت الرسوم الجديدة تمثل تحولاً دائماً في السياسة التجارية الأميركية.
إدارة ترمب تبدو مصممة على إعادة استخدام أدوات الحماية التجارية بطرق جديدة بعد القيود القانونية التي فرضتها المحكمة العليا على صلاحيات الرئيس في فرض الرسوم الطارئة. لذا جاءت التحقيقات الحالية بموجب المادة 301 من قانون التجارة الأميركي، التي تمنح الإدارة مساحة أوسع لفرض إجراءات ضد ما تعتبره ممارسات تجارية غير عادلة.القائمة الواسعة للدول المستهدفة تشير إلى أن واشنطن لا تنظر إلى القضية كنزاع مع الصين فقط، بل كجزء من استراتيجية أشمل لإعادة تشكيل قواعد التجارة العالمية وسلاسل التوريد الدولية.
حاولت الإدارة الحد من التأثيرات الاقتصادية عبر استثناء سلع حساسة مثل الطاقة والعناصر الأرضية النادرة والمعادن والمنتجات الدوائية وقطع غيار الطائرات والمواد الكيميائية العضوية ومنتجات زراعية محددة. لكن حتى مع هذه الاستثناءات، يخشى المستثمرون والشركات من زيادة تكاليف التجارة العالمية وإرباك سلاسل الإمداد في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي تحديات مرتبطة بالتضخم وأسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية.في المحصلة، تبدو الرسوم الأميركية المقترحة أكثر من مجرد إجراء تجاري محدود؛ إنها اختبار جديد للعلاقات الاقتصادية بين واشنطن وشركائها الرئيسيين،
وقد تتحول خلال الأشهر المقبلة إلى إحدى أهم نقاط التوتر في الاقتصاد العالمي إذا تحولت من مقترحات قيد التشاور إلى واقع يفرض أعباء جديدة على التجارة الدولية. جانب من اجتماع بالبرلمان الأوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسل (إ.ب.أ) تلفزيونات معروضة في أحد متاجر وول مارت بولاية هيوستن الأميركية (أ.ب) مزارع يقوم بحصاد محصول الذرة في مدينة ألباني بولاية جورجيا الأميركية (أ.ب)