في ربيع عام 1995، وبينما كانت منطقة الشرق الأوسط تمر بإحدى أكثر مراحلها حساسية منذ انطلاق عملية السلام العربية - الإسرائيلية، وجدت الحكومة البريطانية نفسها أمام نقاش سياسي وقانوني غير متوقع أثارته تصريحات أدلى بها وزير الخارجية السوداني آنذاك، علي عثمان محمد طه،
من الخرطوم. وعلى رغم أن هذه التصريحات لم تكن موجهة إلى لندن، ولم تكن بريطانيا طرفاً مباشراً فيها، فإن مضمونها المتعلق بالقضية الفلسطينية ومستقبل القدس و"حق الأمة العربية في تحرير الأراضي العربية" دفع عدداً من السياسيين والبرلمانيين البريطانيين إلى طرح تساؤلات في شأن مدى توافق هذا الخطاب مع قواعد القانون الدولي والجهود الدولية الرامية إلى دعم عملية السلام في الشرق الأوسط.
تكشف الوثائق الدبلوماسية البريطانية المرتبطة بهذه القضية عن جانب مهم من طريقة تفكير صناع القرار في لندن خلال تلك المرحلة. فهي لا تسلط الضوء على الموقف البريطاني من السودان وحسب، بل توضح أيضاً كيفية تعامل الحكومة البريطانية مع الخطابات السياسية الصادرة من الشرق الأوسط، وكيف سعت إلى تحقيق توازن بين الالتزام بالقانون الدولي،
ودعم عملية السلام، والحفاظ في الوقت نفسه على علاقات دبلوماسية مستقرة مع الدول العربية. سلام هش وصراعات كامنة لفهم الخلفية الحقيقية للجدل الذي أثارته تصريحات وزير الخارجية السوداني، لا بد من العودة إلى السياق الإقليمي الذي جرت فيه هذه الأحداث.
ففي عام 1995، كانت اتفاقات أوسلو لا تزال تشكّل الإطار الرئيس الذي تستند إليه الجهود الدولية الرامية إلى حل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. وكانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومعظم القوى الغربية تنظر إلى عملية السلام باعتبارها الفرصة التاريخية الأهم منذ عقود للوصول إلى تسوية شاملة في المنطقة. في المقابل،
لم يكن هناك إجماع عربي كامل حول هذه العملية. فقد رأت أصوات عربية وإسلامية كثيرة أن إسرائيل لم تقدم التنازلات المطلوبة، وأن المفاوضات تجري في ظل اختلال واضح في موازين القوى، وأن الحقوق الفلسطينية الأساسية،
وفي مقدمتها القدس وحق تقرير المصير، لا تزال بعيدة عن التحقق. في هذا المناخ، ألقى علي عثمان محمد طه خطاباً أمام رؤساء البعثات الدبلوماسية المعتمدين في الخرطوم،
عرض فيه رؤية السودان للسياسة الخارجية والقضايا الإقليمية والدولية. وأكد خلال كلمته أن للأمة العربية الحق في تحرير الأراضي العربية، وإقامة دولة فلسطينية تكون القدس عاصمتها. وشدد في الوقت نفسه على التزام السودان بمواثيق الأمم المتحدة،
وحل النزاعات بالوسائل السلمية، واحترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. وعلى رغم أن الخطاب تضمن إشارات واضحة إلى احترام الشرعية الدولية،
فإن الاهتمام البريطاني انصب بصورة أساسية على عبارة "تحرير الأراضي العربية"، التي أصبحت لاحقاً محور السجال السياسي والقانوني داخل بريطانيا. اللورد أيفبوري يدخل على الخط كان اللورد أيفبوري، المعروف باهتمامه بملفات حقوق الإنسان والقانون الدولي،
أول من أثار القضية رسمياً داخل بريطانيا. فقد قرأ أيفبوري التصريحات السودانية من منظور قانوني صارم، ورأى أن الحديث عن "تحرير الأراضي العربية" لا يمكن فصله عن السياق العسكري للصراع العربي - الإسرائيلي. وبناءً على ذلك،
اعتبر أن هذا التعبير يتجاوز حدود التضامن السياسي مع القضية الفلسطينية، وقد ينطوي على دعوة ضمنية لاستخدام القوة من أجل تحقيق أهداف سياسية. وفي رسالة رسمية بعث بها إلى وزارة الخارجية البريطانية، أعرب عن قلقه من أن مثل هذه التصريحات قد تشكل انتهاكاً للمادة الثانية،
الفقرة الرابعة، من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. رسالة من اللورد أيفبوري إلى وزارة الخارجية البريطانية ينتقد فيها تصريحات وزير الخارجية السوداني علي عثمان محمد طه (الأرشيف البريطاني) وبالنسبة إلى أيفبوري،
لم يكن الأمر مجرد خلاف سياسي عابر، بل قضية تمس أحد المبادئ الأساسية للنظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية. تكشف الوثائق أن اللورد أيفبوري لم ينظر إلى التصريحات باعتبارها مجرد موقف مؤيد للفلسطينيين، بل رأى أنها قد تؤثر سلباً في البيئة السياسية المحيطة بعملية السلام.
فمن وجهة نظره، عندما يتحدث مسؤول حكومي رفيع عن "حق الأمة العربية في تحرير الأراضي العربية"، فإن ذلك قد يُفسَّر باعتباره إقراراً بشرعية اللجوء إلى القوة العسكرية لتغيير الواقع القائم. وكان يخشى أن تؤدي هذه اللغة إلى تقويض الجهود المبذولة لإقناع الأطراف المختلفة بالاستمرار في المفاوضات.
ورأى أنها قد تشجّع أطرافاً أخرى على تبني مواقف أكثر تشدداً، بما يضعف الثقة في العملية السلمية برمتها. ولهذا السبب طالب الحكومة البريطانية بتوضيح موقفها، وتساءل عما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيتخذ موقفاً واضحاً يدين هذا النوع من الخطاب.
وزارة الخارجية البريطانية تتبنى نهجاً أكثر حذراً عندما وصلت القضية إلى وزارة الخارجية البريطانية، لم تتعامل معها بالطريقة ذاتها التي تعامل بها اللورد أيفبوري. ففي ردها الرسمي، قدمت البارونة تشالكر قراءة مختلفة وأكثر توازناً للتصريحات السودانية.
وأكدت أن الحكومة البريطانية تدعم بالكامل عملية السلام في الشرق الأوسط، وأن هدفها يتمثل في الوصول إلى تسوية عادلة ودائمة وشاملة تقوم على المفاوضات وعلى قراري مجلس الأمن 242 و338. وشددت على أن أي محاولة لفرض حلول سياسية بالقوة تُعد أمراً خطراً وغير مفيد. غير أنها في الوقت نفسه رفضت تبني الاستنتاج الذي توصل إليه أيفبوري.
تمثلت النقطة الجوهرية في الرد البريطاني في التمييز بين الخطاب السياسي والدعوة الصريحة إلى العمل العسكري. فقد لاحظت البارونة تشالكر أن علي عثمان محمد طه تحدث عن تحرير الأراضي العربية وإقامة دولة فلسطينية، لكنه لم يدعُ بصورة مباشرة إلى استخدام القوة لتحقيق هذه الأهداف. وبناءً على ذلك،
رأت وزارة الخارجية البريطانية أن التصريحات، مهما حملت من دلالات سياسية أو أيديولوجية، لا تشكل في حد ذاتها خرقاً واضحاً للقانون الدولي، ما دامت لا تتضمن تحريضاً مباشراً على الحرب أو استخدام القوة.
ويعكس هذا التمييز جانباً مهماً من الثقافة الدبلوماسية البريطانية، التي تميل إلى تفسير الخطابات السياسية بحذر شديد، وتجنّب التصعيد ما لم تتوافر أدلة واضحة على وجود تهديد مباشر. احتلت قضية القدس مكانة مركزية في النقاش الذي دار داخل وزارة الخارجية البريطانية.
ففي وقت أكد فيه الوزير السوداني أن القدس يجب أن تكون عاصمة الدولة الفلسطينية، تمسكت بريطانيا بموقفها التقليدي القائم على اعتبار وضع المدينة من قضايا الحل النهائي التي ينبغي حسمها عبر المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين. رد من وزيرة الدولة البريطانية البارونة تشالكر على استفسار برلماني بشأن تصريحات وزير الخارجية السوداني علي عثمان محمد طه حول عملية السلام في الشرق الأوسط (الأرشيف البريطاني) وشددت الخارجية البريطانية على أن مستقبل القدس لم يُحسم بعد، وأن أي محاولة لفرض حل أحادي في شأنها تتعارض مع فلسفة عملية السلام القائمة على التفاوض المباشر بين الأطراف المعنية.
ومن هنا جاء تمسّك لندن بموقفها الرافض أي خطوات أحادية، سواء صدرت من الجانب الإسرائيلي أو الجانب العربي. تكشف الوثائق جانباً أكثر عمقاً من طريقة التفكير البريطانية خلال تلك المرحلة. ففي ذلك الوقت،
لم تكن لندن تنظر إلى السودان من زاوية القضية الفلسطينية وحدها، بل كانت تتابع أيضاً ملفات أخرى شديدة الحساسية، من بينها أوضاع حقوق الإنسان، والعلاقات السودانية - المصرية،
والتطورات الأمنية في المنطقة، وعلاقات الخرطوم بعدد من الدول العربية والإسلامية. ولهذا السبب، حرصت الحكومة البريطانية على عدم تحويل الجدل حول تصريحات وزير الخارجية السوداني إلى أزمة دبلوماسية شاملة.
فإدانة السودان بصورة علنية بسبب خطاب سياسي كان من شأنها أن تعقد ملفات أخرى كانت لندن تفضّل معالجتها عبر القنوات الدبلوماسية الهادئة. ومن هنا اختارت وزارة الخارجية البريطانية مساراً وسطاً يقوم على تأكيد دعمها عملية السلام ورفضها استخدام القوة، مع الامتناع عن توجيه اتهام مباشر إلى السودان بانتهاك القانون الدولي. ماذا تكشف الوثائق عن السياسة البريطانية؟
تكشف هذه القضية أن السياسة البريطانية في الشرق الأوسط خلال تسعينيات القرن الـ20 كانت تقوم على ثلاثة مبادئ رئيسة: أولاً، التمسّك بعملية السلام، باعتبارها المسار الوحيد المقبول لحل الصراع العربي - الإسرائيلي. ثانياً،
رفض أي دعوات أو إشارات يمكن أن تُفهم على أنها تشجيع لاستخدام القوة لتحقيق أهداف سياسية. وثالثاً، الحرص على تجنّب الأزمات الدبلوماسية غير الضرورية مع الدول العربية، ما دامت الخلافات قابلة للاحتواء عبر الحوار والتفسير السياسي.
وتوضح الوثائق أن لندن كانت تدرك جيداً الفارق بين الخطاب السياسي الموجه إلى الجمهور المحلي أو العربي وبين السياسات العملية للدول. ولهذا لم تتعامل مع كل تصريح مثير للجدل باعتباره تهديداً مباشراً، بل سعت إلى فهم السياق الذي قيل فيه والرسائل التي أُريد إيصالها من خلاله. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) تمثل الوثائق الخاصة برد الفعل البريطاني على تصريحات علي عثمان محمد طه نموذجاً واضحاً لكيفية إدارة الخلافات السياسية والدبلوماسية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
ففي حين رأى بعض السياسيين البريطانيين أن حديث الوزير السوداني عن "تحرير الأراضي العربية" يشكل تهديداً لعملية السلام وربما خرقاً لمبادئ القانون الدولي، تبنّت الحكومة البريطانية موقفاً أكثر براغماتية يقوم على التمييز بين الخطاب السياسي والدعوة الفعلية إلى استخدام القوة. وفي نهاية المطاف، لم تتحوّل القضية إلى أزمة بين لندن والخرطوم،
لكنها كشفت عن حجم الحساسية التي كانت تحيط بملف السلام في الشرق الأوسط، وعن درجة التدقيق التي كانت الحكومات الغربية توليها لأي تصريحات تتعلق بفلسطين والقدس والصراع العربي - الإسرائيلي. وأظهرت الوثائق أن بريطانيا، رغم دعمها الواضح لإسرائيل في إطار عملية السلام،
كانت حريصة في الوقت نفسه على الحفاظ على التوازن الدبلوماسي وعدم التسرع في إدانة المواقف العربية ما لم تتجاوز الخطاب السياسي إلى الدعوة الصريحة للعنف. ومن خلال هذا النهج، سعت لندن إلى التوفيق بين التزاماتها القانونية الدولية ومصالحها السياسية في منطقة ظلت، ولا تزال،
من أكثر مناطق العالم حساسية وتعقيداً.