في وقت يشهد إقليم كردفان تصاعداً حاداً في العمليات العسكرية، إذ تتواصل عمليات القصف والغارات الجوية المتبادلة بين الجيش وقوات "الدعم السريع"، وسط انتهاكات واسعة وحركة نزوح كبيرة، فضلاً عن تفاقم الأزمة الإنسانية نتيجة استهداف البنية التحتية،
أفادت تقارير ميدانية بأن الأخيرة (الدعم السريع) أعادت تموضع قواتها في جبهات القتال بهذا الإقليم في خطوة تهدف لإيقاف نزف الانشقاقات التي عصفت بها أخيراً. وأشارت التقارير إلى أنه تم سحب تسع مجموعات قتالية من الخطوط الأمامية في محاور كردفان المختلفة، غالبيتها كانت تتبع للقادة الميدانيين الذين انشقوا من هذه القوات بخاصة علي رزق الله الشهير بـ"السافنا"، والاستعاضة عنها بأخرى قادمة من مدينتي نيالا والفاشر،
منوهة إلى وصول المجموعات المنسحبة على متن سيارات قتالية إلى مدينة نيالا بجنوب دارفور. وتأتي هذه التطورات في أعقاب دفع طرفي الحرب بتعزيزات وحشود عسكرية إلى مختلف المحاور استعداداً لجولات قتال مقبلة في هذا الإقليم الملتهب. غارات جوية في الأثناء، نفذ طيران الجيش أمس الإثنين سلسلة غارات جوية على مواقع لقوات "الدعم السريع" في منطقة أبو قعود في ولاية شمال كردفان أسفرت عن مقتل قادة ميدانيين وتدمير نحو خمس مركبات قتالية بكامل عتادها،
وفق مصادر عسكرية مقربة للجيش. ويركز الجيش في عمليات القصف الجوي على محور بارا ممثلاً في طريق الصادرات الرابط بين شمال كردفان وأم درمان، في محاولة لاستنزاف الوقود والآليات التابعة لـ"الدعم السريع" تمهيداً لعمليات برية محتملة، وهو ما أدى إلى تعطل هذا الطريق عن العمل بشكل كامل،
مما أثر في حركة الشاحنات التجارية ونقل البضائع بين ولايات غرب البلاد والعاصمة، إذ يعد الطريق شرياناً رئيساً لصادرات الثروة الحيوانية والمحاصيل. ويشهد محور شمال كردفان هدوءاً نسبياً في العمليات البرية، مقابل تصعيد جوي متبادل بين الطرفين خلال الأسابيع الماضية.
مقتل مدنيين في الوقت نفسه، قتل ثلاثة مدنيين وأُصيب شخص آخر في هجوم بطائرة مسيّرة استهدف مركبتين مدنيتين في بلدة "عديد راحة" الواقعة في محلية سودري بولاية شمال كردفان، بينما كان ركابهما القادمين من منطقة أم بادر في طريقهم لتلقي العلاج في الولاية الشمالية. وأوضحت مجموعة "محامو الطوارئ"،
في بيان لها أن "تحقيقاتها الأولية أكدت الطبيعة المدنية للمركبتين المستهدفتين، إذ إنهما لا تحملان أي استخدام عسكري". وأكد البيان أن الهجوم يأتي ضمن سلسلة من هجمات الطائرات المسيّرة التي طاولت خلال الفترة الأخيرة قرى وأسواقاً ومركبات مدنية في شمال كردفان. منوهة إلى أنها رصدت خلال الأيام السبعة الماضية مقتل 33 مدنياً وإصابة العشرات جراء هذه الهجمات.
وأشارت إلى أن استمرار استهداف المدنيين أثناء تنقلهم، إلى جانب تدهور الخدمات الصحية وتضرر المرافق الطبية، يزيد من تعقيد الأوضاع الإنسانية، إذ يضطر المرضى والمصابون إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المراكز العلاجية وسط أخطار أمنية متزايدة.
وأضافت أن الهجمات المتكررة على المدنيين ووسائل تنقلهم وأسواقهم وأنشطتهم المعيشية اليومية تعكس حجم التحديات الإنسانية التي يواجهها السكان في مناطق النزاع. وطالبت المجموعة بوقف فوري للهجمات على المدنيين وضمان حمايتهم وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، وحذرت من أن استمرار هذه الانتهاكات في ظل غياب المساءلة من شأنه أن يعزز الإفلات من العقاب ويزيد من معاناة المدنيين. نهب واعتداء في سياق متصل،
اقتحمت قوة من قوات "الدعم السريع"، تستقل عشر مركبات قتالية، سوق منطقة "البياض" التابعة لمحلية النهود بولاية غرب كردفان، واعتدت بالضرب على المواطنين الموجودين في السوق،
بحسب غرفة طوارئ دار حمر. وبينت الغرفة في بيان أن القوة المهاجمة قامت بنهب السوق بالكامل، إذ استولت تحت تهديد السلاح على ممتلكات التجار والبضائع. مشيرة إلى أن "قوات الدعم السريع تزعم حماية المناطق والأسواق،
إلا أن الواقع على الأرض يعكس عكس ذلك تماماً". وتسيطر "الدعم السريع" على مدينة النهود منذ مايو (أيار) 2025، عقب معارك عنيفة مع الجيش، الذي انسحب حينها إلى مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان،
في ظل تصاعد القتال في إقليم كردفان منذ مارس (آذار) من العام نفسه. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ويواجه المدنيون في إقليم كردفان، لا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة هذه الجماعة، أخطاراً متزايدة تشمل الاختطاف والاعتقال وطلب الفدية،
إذ اضطر كثيرون إلى دفع مبالغ مالية كبيرة للإفراج عن محتجزين من دون مسوغ قانوني. كذلك تواجه هذه القوات اتهامات سابقة بالسيطرة على أكبر سوق للمحاصيل في إقليم كردفان بعد دخولها مدينة النهود، والذي يضم محاصيل الصمغ العربي والفول السوداني والذرة والسمسم، وتُقدّر قيمته بملايين الدولارات.
قصف الدلنج في المنحى ذاته، أفادت مصادر عسكرية بأن مسيرة استراتيجية تابعة لقوات "الدعم السريع" قصفت، الإثنين، عدداً من أحياء مدينة الدّلَنج بولاية جنوب كردفان.
وتعتبر الدّلَنج واحدة من المدن الساخنة في الحرب السودانية، إذ تتوالى فيها العمليات العسكرية، يومياً، بشكل أو بآخر بين الجيش وحلفائه من جهة،
وقوات تحالف قوات "الدعم السريع" و"الحركة الشعبية شمال" من الجهة الأخرى. ودمّرت "الدعم السريع" الأحد جسراً حيوياً على طريق كادوقلي - الدلنج بالولاية نفسها، في محاولة لمنع وصول المساعدات الإنسانية والإمدادات إلى المدنيين. وسلكت القوافل التجارية طرقاً بديلة لإيصال المساعدات إثر هذا التدمير،
في وقت تتزايد المخاوف من إغلاق تلك الطرق مع هطول الأمطار الغزيرة. إذ ناشد كثيرون الجيش وحكومة الولاية الإسراع في صيانة الجسر وتأمينه، لضمان تدفق المساعدات الإنسانية. وكان الجيش قد أعلن فك الحصار وفتح الطريق الشرقي الرابط بين الدلنج وكادوقلي والأبيض عند منطقة التكمة،
لكن الأوضاع الميدانية والإنسانية لا تزال حرجة مع استمرار القصف والهجمات بالطائرات المسيرة المنسوب لقوات "الدعم السريع"، في إطار محاولاتها للتقدم في ولاية جنوب كردفان. تحرير الكرمك من جهته، تعهد قائد الفرقة الرابعة بالجيش السوداني اللواء إسماعيل الطيب،
التي تتخذ من مدينة الدمازين عاصمة إقليم النيل الأزرق مقراً لها، بتحرير مدينة الكرمك المتاخمة للحدود مع إثيوبيا وطرد ما وصفه بالعدو إلى ما وراء الحدود الدولية. وجاء تصريح اللواء الطيب خلال زيارة حاكم إقليم دارفور أركو مناوي لإقليم النيل الأزرق، والذي تأسف أن تقوم دولة جارة للسودان بمساعدة ما سماهم بالميليشيات الذين يقتلون المدنيين ويغتصبون الأطفال،
وذلك في إشارة لقوات "الدعم السريع" وحليفتها "الحركة الشعبية شمال"، إذ سيطرت قوات مشتركة منهما في نهاية مارس على مدينة الكرمك. ووفقاً لمصادر عسكرية، فإن وحدات من الجيش نفذت الإثنين عمليات عسكرية نوعية في محور النيل الأزرق ألحقت خسائر فادحة في صفوف "الدعم السريع".
مشيرة إلى أنه تم تدمير راجمة صواريخ وعدد من المركبات القتالية التي كانت تستخدم في تحركاتها العسكرية بالمنطقة. وتأتي هذه الضربة الميدانية في وقت تتزايد العمليات النوعية التي تستهدف خطوط الإمداد والآليات الثقيلة لهذه القوات، مما يسهم في إضعاف قدراتها الهجومية في هذا المحور الاستراتيجي. إنهاء الحرب دولياً،
أكدت الولايات المتحدة الأميركية وسبعة دول غربية، إلى جانب الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وعدد من المنظمات الإقليمية والدولية، دعمها لإطلاق مسار سياسي مدني شامل ومحدد الإطار الزمني في السودان، بهدف إنهاء الحرب وتهيئة انتقال يقود إلى حكم مدني ديمقراطي،
وذلك عقب اختتام مشاورات الآلية الخماسية مع القوى السياسية السودانية في أديس أبابا. وأبدت الأطراف في بيان مشترك قلقها إزاء التداعيات الإنسانية المتفاقمة للنزاع المستمر في السودان، في ظل تصاعد أعداد النازحين وتدهور الأمن الغذائي الحاد وتزايد الصعوبات في الحصول على الخدمات الأساسية، بالتزامن مع استمرار الهجمات ضد المدنيين والبنية التحتية.
ونوه البيان إلى دعم هذه الأطراف لمستقبل يسوده السلام والديمقراطية والاستقرار، مع التأكيد على احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه وسلامتها. مشدداً على أن حماية المدنيين يجب أن تظل أولوية مركزية في جميع الجهود الدولية، مع التأكيد على الحاجة الملحة إلى هدنة إنسانية تمهد لوقف دائم لإطلاق النار.
ورحب البيان بمخرجات مؤتمر برلين، بما في ذلك "مبادئ برلين بشأن السودان" التي اعتمدتها 22 دولة ومنظمة، إضافة إلى النداء المشترك لإنهاء الحرب ودفع عملية سياسية سودانية بقيادة وملكية سودانية، الصادر عن الأطراف المدنية السودانية بتيسير من الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي والإيغاد وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
واعتبر البيان أن هذه المخرجات تمثل خطوة مهمة نحو تعزيز التنسيق الدولي ودعم مسار مدني يقود إلى تسوية سلمية مستدامة، مؤكداً أنه لا يمكن الوصول إلى حل عسكري للأزمة، وأن أي تسوية دائمة يجب أن تقوم على عملية سياسية شاملة يقودها المدنيون وتعكس تطلعات الشعب السوداني. وأكد البيان أن تحديد شكل الحكم ومستقبل السودان يظل حقاً حصرياً للشعب السوداني عبر عملية انتقالية مدنية شاملة وشفافة.
وفي السياق ذاته، أعلن الموقعون دعمهم للتحضيرات الجارية عبر الآلية الخماسية لإطلاق حوار سوداني مدني شامل خلال الأسابيع المقبلة، بمشاركة طيف واسع من القوى السياسية والمدنية، بما في ذلك منظمات المجتمع المدني والنساء والشباب ومختلف مكونات المجتمع السوداني.
ودعا البيان إلى ضمان أن يُدار هذا الحوار بشفافية وصدقية، وبما يخلو من أي ضغوط أو إكراه، مع توفير إطار زمني واضح لإنجازه خلال فترة لا تتجاوز ستة أشهر، على أن يفضي إلى مسار انتقالي واضح يؤدي إلى تشكيل حكومة مدنية مستقلة قائمة على الشرعية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان،
باعتبارها شرطاً أساسياً لإنهاء النزاع بصورة مستدامة. كذلك دعا البيان إلى توسيع الدعم الدولي وتكثيف التنسيق المشترك بين الأطراف المعنية، بهدف إنهاء الحرب، والتخفيف من معاناة الشعب السوداني،
ودعم مسار الانتقال نحو السلام والاستقرار. وهدفت اجتماعات الآلية الخماسية إلى تقريب وجهات النظر بين القوى المدنية والسياسية وبحث سبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، إذ أظهرت النقاشات اتجاهاً عاماً نحو توسيع قاعدة التوافق المدني حول إنهاء الحرب، والدفع نحو حوار وطني شامل عبر ترتيبات تمهيدية.