قرار تثبيت التصنيف الائتماني للمملكة عند +A مع نظرة مستقبلية مستقرة يحمل أبعاداً تحليلية تعكس قدرة الاقتصاد السعودي على امتصاص صدمات التوترات الإقليمية وتجاوز التداعيات المباشرة لإغلاق مضيق هرمز. لم يكن هذا القرار مجرد تقييم كمي عابر، بل جاء مدفوعاً بنظرة تقديرية خاصة لصلابة المركز المالي للمملكة، حيث حسمت ضخامة أصول القطاع العام والمصدات المالية المتنوعة كفة هذا القرار،

مدعومة بحجم الودائع الحكومية وأصول الصناديق السيادية والمؤسسات الحيوية للدولة، وهي مزايا استراتيجية منحت المملكة مرونة استثنائية لتأكيد جدارتها الائتمانية الفعلية.وقد رفعت مؤسسة مالية دولية توقعاتها لنمو اقتصاد المملكة في عام 2027 بمقدار نقطة مئوية كاملة إلى 5.5 في المائة، متوقعة انتعاشاً قوياً مع انحسار الاضطرابات المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط تدريجياً. في المقابل،

خفضت توقعاتها لنمو الاقتصاد هذا العام إلى 1.7 في المائة، بانخفاض قدره 0.3 نقطة مئوية مقارنة بتقديرات سابقة. وتتوقع وكالة التصنيف تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 0.6 في المائة في عام 2026 نتيجة تأثر الصادرات غير النفطية بإغلاق مضيق هرمز، على أن يشهد عام 2027 ارتدادة نمو قوية مع عودة التدفقات الطبيعية،

قبل أن يستقر عند 2.9 في المائة في عام 2028، مدعوماً بالتشغيل التدريجي للمشاريع الكبرى واستقرار الإنفاق المحلي لصندوق الاستثمارات العامة ضمن خطته الخمسية الجديدة.شريان ينبع التصديريأثبت خط أنابيب استراتيجي يربط حقول الشرق بميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، أنه صمام الأمان الحقيقي للاقتصاد خلال فترة التوترات. ويمتد هذا الخط لأكثر من ألف كيلومتر عبر الصحاري وجبال الحجاز،

مما سمح للمملكة بمواصلة تصدير نفطها مباشرة للأسواق العالمية متجاوزة الإغلاق الشامل للمضيق. ومع التوصل إلى الخطوط العريضة لاتفاق التهدئة والتمهيد لفتح المضيق، تشير تقديرات وكالة التصنيف إلى سيناريو متداخل يجمع بين حجم الإمدادات وحركة الأسعار؛ إذ ستعمل المملكة على زيادة إنتاجها تدريجياً لتلبية الطلب الخارجي وإعادة بناء مخزوناتها المحلية، مع استقرار متوسط الإنتاج السنوي عند 9 ملايين برميل يومياً،

وهو ما يقل عن مستويات عام 2025. وتتوقع الوكالة أن تؤدي إعادة فتح المضيق بالتوازي مع هذه الإمدادات إلى إعادة فائض المعروض للأسواق العالمية، مما سيتسبب في تراجع تدريجي لأسعار خام برنت من متوسط 87 دولاراً للبرميل المسجل في عام 2026، ليصل إلى نحو 60 دولاراً للبرميل بحلول عام 2028.إدارة مرنة للمالية العامةيتخذ العجز المالي في المملكة مساراً متعرجاً نجحت السياسة المالية في احتوائه بكفاءة؛ فخلال العام الحالي،

يتجه العجز نحو الانخفاض المؤقت بفضل مستويات أسعار النفط الحالية التي نجحت في تعويض تراجع كميات الإنتاج. ولكن مع الهبوط المتوقع للأسعار العام المقبل، تشير تقديرات التقرير إلى اتساع العجز ليصل إلى 4.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يتوافق مع سعر تعادل مالي للنفط يبلغ 94 دولاراً للبرميل،

قبل أن يعاود التراجع مجدداً بحلول عام 2028 مدفوعاً بالجهود المستمرة لضبط النفقات الجارية وإعادة هيكلة الإنفاق الرأسمالي الحكومي. وفي سياق متصل، تتوقع وكالة التصنيف ارتفاع الدين الحكومي ليصل إلى 41.3 في المائة بحلول عام 2028 مقارنة بنحو 31.8 في المائة في نهاية عام 2025، ورغم أن هذا الصعود يتجاوز السقف الاسترشادي الحكومي المحدد بـ40 في المائة،

فإنه يظل صمام أمان ونقطة قوة واضحة عند مقارنته بمتوسط الدول النظيرة البالغ 58.1 في المائة. أما الحساب الجاري، فبعد تحقيقه فائضاً طفيفاً هذا العام، يتوقع التقرير أن يتحول إلى عجز بنسبة 5 في المائة بحلول عام 2028 مدفوعاً بمتطلبات المشاريع التنموية الكبرى من سلع وخدمات وعمالة مستوردة،

وهو عجز تمكَّنت المملكة من وضع آليات لتمويله عبر الاقتراض الخارجي المخطط وإعادة توجيه جزء من أصول القطاع العام نحو الاستثمارات المحلية.الحصانة المصرفيةبرز القطاع المصرفي السعودي كأحد المرتكزات الأساسية في تقييم وكالة التصنيف محققاً أداءً استثنائياً؛ ففي الوقت الذي خفضت فيه الوكالة نظرتها المستقبلية لبنوك المنطقة إلى متدهورة، فضلت الإبقاء على نظرتها المستقرة للبنوك السعودية عند تصنيف محايد. ويؤكد التقرير أن المصارف المحلية أظهرت حصانة مطلقة طوال فترة التوترات الجيوسياسية؛ حيث لم تحتج إلى أي تدابير دعم أو حزم سيولة استثنائية من البنك المركزي. وتستند هذه المتانة المصرفية إلى مؤشرات سلامة مالية قوية؛ إذ استقرت نسبة القروض غير العاملة عند مستوى ضئيل لم يتجاوز 1.1 في المائة،

في حين قارب معدل كفاية رأس المال الشريحة الأولى نسبة 19.2 في المائة. وقد أشارت الوكالة إلى أن السياسات النقدية الحصيفة عززت هذا التوجه، من خلال تنظيم وتيرة نمو الائتمان، ولا سيما التمويل العقاري،

مما أتاح لنمو الودائع قيادة المشهد المصرفي ودعم المركز المالي الخارجي الصافي للبنوك وحمايتها من التقلبات العابرة. ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع بالسعودية (واس)