في غمار الحرب السودانية المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع"، برزت تهمة "إرسال الإحداثيات" باعتبارها واحدة من أكثر أدوات الاشتباه إثارة للجدل وأشدها أثراً في المدنيين. فما بدأ كمصطلح عسكري يشير إلى تحديد مواقع الأهداف،

تحول في سياق الصراع واتساع رقعته، إلى مظلة اتهام فضفاضة قادت عشرات المدنيين إلى معتقلات ومعسكرات قوات "الدعم السريع". وفي مناطق سيطرتها تشكلت منظومة أمنية غير رسمية تقوم على تتبع مصادر المعلومات وحركة الاتصالات ورصد ما يُعتقد أنه تسريب لمواقع التجمعات والتحركات العسكرية، مما أفضى إلى توسيع دائرة الاشتباه لتشمل أفراداً لا تربطهم بالعمليات القتالية صلات مثبتة.

وبمرور الوقت، لم تعد التهمة مرتبطة بأفعال يمكن التحقق منها بقدر ما أصبحت مرتبطة ببيئة من الريبة الأمنية المتصاعدة، إذ يُنظر أحياناً إلى حيازة وسائل اتصال حديثة، أو إجراء اتصالات مع مناطق خارج نطاق السيطرة،

أو النشاط عبر المنصات الرقمية، بوصفها مؤشرات محتملة إلى التعاون الاستخباراتي مع الجيش السوداني. وفي ظل غياب آليات تحقيق مستقلة وإجراءات قانونية واضحة تحولت الشبهة نفسها إلى مبرر للاحتجاز في عدد من الحالات. وتكشف الشهادات المتداولة والتقارير الحقوقية عن نمط متكرر من الاعتقالات شمل ناشطين ومتطوعين وعاملين في مهن مدنية ومواطنين عاديين،

انتهى الأمر ببعضهم إلى مراكز احتجاز مجهولة أو معسكرات مغلقة، فيما ظلت أسرهم عاجزة عن معرفة مصيرهم أو ظروف احتجازهم. ومن ثم، لا يمثل ملف "الإحداثيات" مجرد قضية حقوقية مرتبطة بالاحتجاز والاختفاء القسري،

بل يفتح نافذة على الكيفية التي أعادت بها الحرب تعريف مفاهيم الولاء والحياد والاشتباه، وعلى الثمن الذي يدفعه المدنيون عندما تصبح الشبهة، في زمن الحرب، بديلاً عن الدليل.

موجة اعتقالات أعادت حملة الاعتقالات التي شهدتها مدينة غبيش في ولاية غرب كردفان في الـ20 من مايو (أيار) الماضي تسليط الضوء على ملف الاحتجازات المرتبطة باتهامات تمرير المعلومات وتحديد المواقع العسكرية، فبعد أقل من 24 ساعة على الهجوم الذي نفذته طائرة مسيّرة تابعة للجيش السوداني، واستهدف سوق غبيش في الـ19 من مايو، شنت "الدعم السريع" حملة اعتقالات واسعة طاولت عشرات المدنيين،

من بينهم الفاتح وداعة الله والصادق محمد صالح وداعة الله، على خلفية اتهامات بالتخابر وتزويد الجيش بمعلومات عن مواقع وتحركات العناصر داخل المدينة. ووفق إفادات قانونية وحقوقية محلية نُفذت الاعتقالات من دون أوامر قضائية معلنة، فيما انقطعت المعلومات عن عدد من المحتجزين عقب نقلهم إلى جهات غير معلومة.

وجاءت هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة تصاعداً في الهجمات الجوية والاستهدافات الدقيقة التي تنفذها القوات المسلحة ضد مواقع "الدعم السريع" في غرب كردفان ودارفور، الأمر الذي ترافق مع تشديد الإجراءات الأمنية واتساع حملات التوقيف عقب كل عملية عسكرية مؤثرة، كذلك اكتسبت القضية أهمية إضافية بسبب تعرض أحد هذين المعتقلين لاعتداء سابق من عناصر "الدعم السريع" عقب سيطرتها على غبيش في أغسطس (آب) 2024، مما أدى إلى إصابته ونقله لتلقي العلاج بمدينة النهود.

نقطعت أخبار عدد من المحتجزين عقب نقلهم إلى جهات غير معلومة (أ ف ب) يُذكر أن مناطق أخرى خاضعة لسيطرة "الدعم السريع" قد شهدت خلال العامين الماضيين حوادث مشابهة ارتبطت باتهامات التعاون مع الجيش أو تمرير المعلومات العسكرية، كذلك برزت حوادث أخرى في أم درمان خلال عام 2025، حيث قُتل عشرات المدنيين في منطقة الصالحة غرب المدينة في وقائع ارتبطت باتهامات بالتعاون مع الجيش، وفق ما أوردته تقارير حقوقية وإعلامية محلية.

 وتزامنت اعتقالات غبيش مع تقارير تحدثت عن توقيف شخصيات وعناصر مرتبطة بالأجهزة الأمنية التابعة لـ"لدعم السريع" في المحلية نفسها وترحيل بعضهم إلى سجن دقريس بمدينة نيالا. دورة الاستهداف يوضح المتخصص العسكري اللواء معاش عثمان حسن أن مصطلح "الإحداثيات" المتداول في الحرب السودانية لا يُقصد به المعنى الفني الضيق المتمثل في أرقام خطوط الطول والعرض فقط، وإنما يشير إلى حزمة متكاملة من المعلومات العملياتية التي تمكن الجهة المستفيدة من تحديد الهدف ورصده والتحقق من وجوده قبل تنفيذ الضربة، ويشير إلى أن قيمة الإحداثيات في الحروب الحديثة لا تكمن في الموقع الجغرافي وحده،

بل في دقة المعلومات المصاحبة له، مثل طبيعة الهدف وعدد الأفراد والآليات الموجودة فيه وأوقات الحركة والوصول والمغادرة ومستوى التحصين والحماية المحيطة به. ويضيف أن الضربات التي تنفذها الطائرات المسيّرة أو الطيران الحربي لا تعتمد عادة على معلومة منفردة، وإنما على ما يُعرف عسكرياً بـ"دورة الاستهداف"،

التي تبدأ بجمع المعلومات من مصادر عدة ثم مقاطعتها والتحقق منها قبل اتخاذ قرار الضربة. وتشمل هذه المصادر المراقبة البشرية المباشرة، ومتابعة خطوط الإمداد والتحركات اللوجيستية، والصور ومقاطع الفيديو المتداولة عبر الهواتف الذكية،

إضافة إلى تحليل البيانات المفتوحة المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي. وبحسب المتخصص فإن الحرب في السودان أفرزت بيئة جديدة لجمع المعلومات بسبب انهيار شبكات الاتصالات التقليدية في مناطق واسعة من دارفور وكردفان والخرطوم. وفي هذا السياق، برزت أجهزة الإنترنت الفضائي مثل "ستارلينك" كوسيلة اتصال استراتيجية تتيح نقل الصور والمعلومات من المناطق المعزولة،

ولهذا السبب تنظر بعض التشكيلات المسلحة إلى هذه الأجهزة باعتبارها أداة محتملة لنقل المعلومات العسكرية، خصوصاً في المناطق التي تنعدم فيها وسائل الاتصال الأخرى. ويلفت اللواء معاش إلى أن كثيراً من المعلومات التي تصنف باعتبارها "إحداثيات" قد لا تأتي من عمل استخباراتي منظم، بل من مراقبة يومية بسيطة،

فصورة قوة متحركة، أو تسجيل مصور لموقع تمركز، أو مشاركة موقع جغرافي عبر تطبيقات الهاتف، أو حتى نشر معلومات عن تحركات قوات على مجموعات التواصل،

يمكن أن تشكل أجزاء من صورة استخباراتية أوسع عند تجميعها وتحليلها. ويؤكد أن المعلومات المفتوحة المصدر أحد أهم روافد العمل الاستخباراتي المعاصر، وهو ما يفسر الحساسية الأمنية العالية التي باتت تحيط بوسائل الاتصال والأجهزة الرقمية داخل مناطق العمليات العسكرية في السودان. تتجاوز اتهامات "الإحداثيات" وظيفتها الأمنية لتتحول إلى أداة لتصفية الخصومات الشخصية والسياسية والاقتصادية (أ ف ب) مخاوف حقوقية تثير حملات الاعتقال المرتبطة باتهامات "الإحداثيات" في السودان مخاوف قانونية وحقوقية متصاعدة،

في ظل تزايد الإفادات التي تتحدث عن احتجاز مدنيين بمعزل عن العالم الخارجي، وحرمانهم من التواصل مع ذويهم أو الحصول على تمثيل قانوني، ونقل بعضهم إلى مواقع احتجاز غير معلنة. وتؤكد مجموعة "محامو الطوارئ" أن استمرار هذه الممارسات يندرج ضمن أنماط الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري المحظورة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني،

مطالبة بالكشف الفوري عن أماكن احتجاز المختفين قسراً وضمان سلامتهم وتمكين أسرهم من التواصل معهم والإفراج عن جميع المدنيين المحتجزين خارج الأطر القانونية. قالت المحامية وصال عبدالله إن مجرد الاشتباه في حيازة وسائل اتصال أو استخدام أجهزة "ستارلينك" أو التواصل مع مناطق خارج نطاق السيطرة أصبح، في بعض الحالات، مدخلاً لعمليات دهم واحتجاز واسعة من دون أوامر قضائية أو إجراءات تحقيق معروفة.

وترى عبدالله أن توجيه اتهامات ذات طبيعة أمنية أو استخباراتية للمدنيين لا يعفي أي طرف من التزام الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، وفي مقدمها الحق في معرفة أسباب التوقيف والطعن فيه والحصول على المساعدة القانونية وعدم التعرض للتعذيب أو الاحتجاز السري، وأضافت "من الناحية القانونية يحظر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الاعتقال التعسفي، ويكفل حق كل شخص في الحرية والأمان وعدم الحرمان من الحرية إلا وفق إجراءات قانونية معلومة،

كذلك تُعد حالات الإخفاء القسري من أخطر الانتهاكات بموجب الاتفاق الدولي لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، لا سيما عندما ترفض الجهة القائمة بالاحتجاز الاعتراف بمصير المحتجز أو مكان وجوده"، وتابعت "كذلك تنص الوثيقة الدستورية ومبادئ القانون الجنائي والإجرائي السوداني على حماية الحرية الشخصية وعدم جواز الاحتجاز خارج السلطات القانونية المتخصصة". يُذكر أن منظمات حقوقية،

بينها لجنة العدالة وشبكات توثيق سودانية مستقلة، تحذر من أن استمرار الاحتجاز وغياب الرقابة القضائية الفعلية يهيئ بيئة خصبة لوقوع انتهاكات جسيمة، تشمل التعذيب وسوء المعاملة والوفاة أثناء الاحتجاز، كذلك وثقت تقارير حقوقية حالات اختفاء قسري واحتجاز مطول في مناطق النزاع،

في ظل صعوبة الوصول إلى المحتجزين أو التحقق من أوضاعهم الصحية والقانونية. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) مسار التفوق  تشير الوقائع الميدانية خلال العامين الأخيرين إلى أن الجيش تمكن، بدرجات متفاوتة، من الحفاظ على تدفق المعلومات من داخل مناطق سيطرة "الدعم السريع"،

فالاستهدافات المتكررة لمواقع قيادة ومخازن إمداد وتحركات عسكرية في عمق مناطق النفوذ الخاضعة لـ"الدعم السريع" يصعب تفسيرها بالقدرات التقنية وحدها، ويصعب في الوقت ذاته إرجاعها بالكامل إلى وجود شبكات استخباراتية منظمة، والأرجح أن ما يجري هو نتاج تداخل معقد بين المعلومات البشرية والبيانات المفتوحة المصدر والرصد الإلكتروني والمراقبة الجوية، وهي أدوات أصبحت تشكل مجتمعة العمود الفقري للحروب الحديثة.

لكن الأثر الأهم لهذه المعادلة لا يتمثل في حجم الاختراق نفسه، بل في انعكاساته على بنية السيطرة داخل مناطق النزاع، فكلما تعاظمت قناعة الأطراف المسلحة بوجود اختراقات أمنية، اتسعت دائرة الاشتباه وتراجعت الثقة داخل المجتمعات المحلية وحتى داخل الهياكل التنظيمية ذاتها،

وفي هذه المرحلة تحديداً يصبح الخطر الحقيقي ليس وجود العملاء، بل البحث الدائم عنهم. وإذا استمر هذا النمط من دون ضوابط قانونية أو آليات تحقق مستقلة، فقد تتجاوز اتهامات "الإحداثيات" وظيفتها الأمنية لتتحول إلى أداة لتصفية الخصومات الشخصية والسياسية والاقتصادية،

أو لتسوية النزاعات المحلية تحت غطاء الضرورات العسكرية. وعند هذه النقطة تفقد التهمة معناها الاستخباراتي الأصلي وتصبح جزءاً من منظومة أوسع لإدارة السيطرة والولاء داخل مناطق النفوذ. في المرحلة المقبلة لن يكون الحسم مرتبطاً بمدى نجاح الجيش السوداني في تعميق اختراقاته داخل صفوف "الدعم السريع"، بقدر ما سيكون مرهوناً بقدرته على توظيف حالة الارتياب الأمني بصورة تفاقم تآكل تماسك النسيج الاجتماعي الذي تستند إليه قوات "الدعم السريع"،

ويقيد قدرتها على ضبط بيئتها المحلية، عبر إعادة تشكيل شبكات الثقة وتقليص مساحات الحركة غير المرصودة، بما يحول البيئة الحاضنة إلى مجال أكثر انكشافاً وتبايناً في الولاءات، فالتجارب العسكرية تشير إلى أن التنظيمات المسلحة وشبه العسكرية لا تتعرض للاستنزاف فقط عبر الضغط الميداني المباشر،

وإنما أيضاً حين يتحول الشك الداخلي إلى عبء تشغيلي دائم يربك سلاسل القيادة ويستنزف الموارد ويضعف الانسجام بين القوة المسلحة والمجتمع المحيط بها، وفي هذا السياق قد تظل معركة المعلومات والثقة أحد أهم مسارات التفوق غير المباشر، وأكثرها قدرة على التأثير في إعادة تشكيل موازين القوة لصالح الجيش في المدى المنظور.