لم تنجح السندات حتى الآن في أداء دورها التقليدي كملاذ آمن يحمي المستثمرين خلال الحرب مع إيران، غير أن بعض مديري الصناديق يرون أن هذا الواقع قد يكون على وشك التغير، مع استعداد أدوات الدين لاستعادة مكانتها الدفاعية إذا بدأ التضخم في إبطاء النمو الاقتصادي.فعلى الرغم من تراجع الأسهم العالمية خلال الأسابيع الأولى من الحرب، فإنها عادت لتقترب من مستوياتها القياسية مدعومة بزخم الذكاء الاصطناعي وقوة أرباح الشركات،

في حين تعرضت السندات الحكومية لضغوط حادة بسبب المخاوف من استمرار التضخم لفترة أطول، مما دفع تكاليف الاقتراض الحكومي إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات.ومع ذلك، لم يحجم المستثمرون عن شراء السندات، إذ استقطبت صناديق السندات الحكومية في الأسواق المتقدمة تدفقات صافية بلغت 12 مليار دولار منذ اندلاع الحرب،

وهو ما يمثل إجمالي التدفقات الداخلة إلى هذه الصناديق منذ بداية العام. لكن الضغوط المستمرة على أسواق الدين تعني أن سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات، التي تُعد ملاذاً آمناً تقليدياً، سجلت عائداً سلبياً بنسبة 1.5% منذ أواخر فبراير،

وهو ما يعادل خسارة سنوية تبلغ 5.4%، بينما حققت السندات الحكومية الألمانية لأجل عشر سنوات عائداً سلبياً بنسبة 2.4%، أو ما يعادل خسارة سنوية قدرها 8.7%، مقارنة بمكاسب بلغت 9% لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 منذ اندلاع الحرب.وأظهر أحدث استطلاع لمديري الصناديق العالمية أن المستثمرين يحتفظون بأدنى وزن نسبي للسندات منذ يونيو 2022،

مما يجعل تغطية مراكز البيع المكشوف في أدوات الدخل الثابت حالياً رهاناً معاكساً لاتجاه السوق. ورغم التراجع الأخير في أسهم الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، لا تزال الأسهم مرتفعة التقييم، ومع احتمال ظهور مجموعة جديدة من الشركات العملاقة عالية النمو قد تصبح التقييمات أكثر ارتفاعاً،

في حين أن صعود عوائد السندات جعل أدوات الدخل الثابت أكثر جاذبية من أي وقت خلال السنوات الأخيرة.جاذبية الدخل الثابت عالمياًووصف مدير المحافظ الاستثمارية في أكبر مستثمر في السندات عالمياً أسواق الدخل الثابت بأنها تبدو جذابة للغاية، حتى في الأسواق التي لم تكن تاريخياً من الوجهات المفضلة للمستثمرين مثل أوروبا واليابان، مضيفاً أنه من الصعب بناء حجة مقنعة بأن الأسهم لا تزال تتمتع بجاذبية استثمارية كبيرة عند هذه المستويات. وفي الوقت نفسه،

تحوم عوائد السندات الألمانية لأجل عشر سنوات قرب أعلى مستوياتها في 15 عاماً عند 3.1%، بينما يبلغ عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات 2.6%، وهو أعلى مستوى منذ نحو ثلاثة عقود.وإذا أعيد فتح مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً لتدفقات النفط العالمية وتعطلت حركة الملاحة فيه فعلياً خلال النزاع،

فقد تتراجع رهانات الأسواق على رفع أسعار الفائدة، مما قد يدعم السندات. وفي المقابل، إذا استمر إغلاقه لفترة كافية لتهديد النمو العالمي،

فقد تستفيد السندات أيضاً من تنامي المخاوف الاقتصادية.تبدل المعادلة عندما تشتد الأزماتقد يؤدي أي تصعيد إضافي للصراع أو استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة مطولة إلى دفع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل بفارق كبير، مما سيعزز المخاوف من الآثار الاقتصادية السلبية لصدمة جديدة في أسعار الطاقة. ويعبر عبر المضيق نحو 20% من احتياجات العالم اليومية من الوقود. ورأى رئيس أبحاث الدخل الثابت في أحد البنوك الاستثمارية أن أداء السندات بوصفها أداة لتنويع المحافظ كان مخيباً للآمال حتى الآن،

لكنه أشار إلى أن هذه الخاصية ستتحسن وستظهر قيمتها الحقيقية عندما تصبح الحاجة إليها أكبر، متوقعاً أنه إذا ارتفع سعر النفط إلى بين 130 و150 دولاراً للبرميل، فإن العوائد ستبدأ في التراجع بسبب القلق المتزايد بشأن تأثير ذلك على النمو الاقتصادي.السندات تحتفظ بجاذبيتها في حال صدمات سلاسل الإمدادولا تقتصر المخاطر على النفط وحده، فإذا أدت التوترات المتصاعدة حول تايوان أو تجدد الخلافات بين الولايات المتحدة والصين إلى تعطيل تدفقات المدخلات الاستراتيجية مثل المعادن الأرضية النادرة أو أشباه الموصلات،

فإن ذلك سيؤثر مباشرة في ربحية الشركات ويضغط على أسواق الأسهم. ووصف رئيس حلول الاستثمار العالمية لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في إحدى شركات إدارة الأصول تأثير أي حدث جيوسياسي يؤثر على إنتاج أشباه الموصلات بأنه سيكون هائلاً على الأسواق المالية، مشيراً إلى أن قطاع التكنولوجيا سيكون في مقدمة المتضررين.ويبقى مسار أسعار الفائدة عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه الأسواق، فالبنك المركزي الأميركي يبدو أكثر ميلاً إلى تشديد السياسة النقدية ورفع الفائدة،

وهو سيناريو أخذته أسواق السندات في الحسبان إلى حد كبير، بينما قد لا تكون أسواق الأسهم قد استوعبت تداعياته بالكامل بعد. وذكر مدير المحافظ الاستثمارية أنه إذا شهدت الأسواق دورة قوية من رفع أسعار الفائدة، فإن الأصول عالية المخاطر بما فيها الأسهم لن تكون في بيئة مواتية لتحقيق أداء جيد،

لكنه أشار إلى أن هذا السيناريو لا يمثل التوقع الأساسي لشركته بشأن مسار أسعار الفائدة في الولايات المتحدة.