أخفقت السندات حتى الآن في أداء دورها التقليدي كملاذ آمن يحمي المستثمرين خلال التوترات الجيوسياسية الراهنة. ومع ذلك، يرى بعض مديري الصناديق أن هذا الواقع قد يتغير قريباً، مع استعداد أدوات الدين لاستعادة مكانتها الدفاعية إذا بدأ التضخم في إبطاء النمو الاقتصادي.تحديات أسواق الدينعلى الرغم من تراجع الأسهم العالمية خلال الأسابيع الأولى من التوترات،
فإنها عادت لتقترب من مستوياتها القياسية مدعومة بزخم الذكاء الاصطناعي وقوة أرباح الشركات. في المقابل، تعرضت السندات الحكومية لضغوط حادة بفعل المخاوف من استمرار التضخم لفترة أطول، مما دفع تكاليف الاقتراض الحكومي إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات عديدة،
بل إلى مستويات قياسية في بعض الحالات.ورغم ذلك، لم يُحجم المستثمرون عن شراء السندات؛ إذ تشير البيانات إلى أن صناديق السندات الحكومية في الأسواق المتقدمة استقطبت تدفقات صافية بلغت 12 مليار دولار منذ اندلاع التوترات، وهو ما يمثل إجمالي التدفقات الداخلة منذ بداية العام. غير أن الضغوط المستمرة على أسواق الدين تعني أن سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات،
التي تُعد ملاذاً آمناً تقليدياً، سجلت عائداً سلبياً بنسبة 1.5% منذ أواخر فبراير، وهو ما يعادل خسارة سنوية تبلغ 5.4%. كما حققت السندات الحكومية الألمانية لأجل عشر سنوات (البوند) عائداً سلبياً بنسبة 2.4%،
أو ما يعادل خسارة سنوية قدرها 8.7%، مقارنة بمكاسب بلغت 9% لمؤشر رئيسي للأسهم منذ اندلاع التوترات، أي ما يعادل نحو 39% على أساس سنوي.جاذبية الدخل الثابت عالمياًيظهر أحدث استطلاع لمديري الصناديق العالمية أن المستثمرين يحتفظون بأدنى وزن نسبي للسندات منذ يونيو 2022، مما يجعل تغطية مراكز البيع المكشوف في أدوات الدخل الثابت حالياً رهاناً معاكساً لاتجاه السوق.
ورغم التراجع الأخير في أسهم الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، لا تزال الأسهم مرتفعة التقييم. ومع احتمال ظهور مجموعة جديدة من الشركات العملاقة عالية النمو، قد تصبح التقييمات أكثر ارتفاعاً،
في حين أن صعود عوائد السندات جعل أدوات الدخل الثابت أكثر جاذبية من أي وقت خلال السنوات الأخيرة.تتداول الأسهم في أسواق تمتد من سيول إلى فرانكفورت ونيويورك بالقرب من مستويات قياسية، فيما بلغت تقييماتها مستويات لم تشهدها منذ أشهر، بل منذ سنوات في بعض الحالات. ويقول مدير محافظ استثمارية في شركة كبرى: "إذا نظرت إلى مختلف أنحاء العالم،
ستجد أن أسواق الدخل الثابت تبدو جذابة للغاية، وينطبق ذلك حتى على الأسواق التي لم تكن تاريخياً من الوجهات المفضلة للمستثمرين، مثل أوروبا واليابان". ويضيف: "من الصعب بناء حجة مقنعة بأن الأسهم لا تزال تتمتع بجاذبية استثمارية كبيرة عند هذه المستويات".في الوقت نفسه،
تحوم عوائد السندات الألمانية لأجل عشر سنوات قرب أعلى مستوياتها في 15 عاماً عند 3.1%، بينما يبلغ عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات 2.6%، وهو أعلى مستوى منذ نحو ثلاثة عقود. وإذا أُعيد فتح ممر مائي استراتيجي،
الذي يمثل شرياناً حيوياً لتدفقات النفط العالمية وتعطلت حركة الملاحة فيه فعلياً خلال النزاع، فقد تتراجع رهانات الأسواق على رفع أسعار الفائدة، وهو ما من شأنه أن يدعم السندات. وفي المقابل،
إذا استمر إغلاقه لفترة كافية لتهديد النمو العالمي، فقد تستفيد السندات أيضاً من تنامي المخاوف الاقتصادية.ويقول استراتيجيون في بنك استثماري: "بدأ التضخم بالفعل في الظهور في البيانات الاقتصادية العالمية، مع ازدياد مخاطر انتقال الضغوط السعرية عبر سلاسل الإمداد وتكاليف المدخلات. في المقابل،
لا يبدو أن الأسواق قد استوعبت بالكامل مخاطر تباطؤ النمو، مما يعني أن عوائد السندات قد تتراجع مجدداً بمجرد بلوغ مخاوف التضخم ذروتها".تتبدل المعادلة عندما تشتد الأزماتقد يؤدي أي تصعيد إضافي للصراع أو استمرار إغلاق الممر المائي لفترة مطولة إلى دفع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل بفارق كبير، مما سيعزز المخاوف من الآثار الاقتصادية السلبية لصدمة جديدة في أسعار الطاقة. ويعبر عبر هذا الممر نحو 20% من احتياجات العالم اليومية من الوقود.
ويقول رئيس أبحاث الدخل الثابت في بنك استثماري عالمي: "رغم أن أداء السندات بوصفها أداة لتنويع المحافظ الاستثمارية كان مخيباً للآمال حتى الآن، فإننا نعتقد أن هذه الخاصية ستتحسن وستظهر قيمتها الحقيقية عندما تصبح الحاجة إليها أكبر". ويضيف: "إذا ارتفع سعر النفط إلى السيناريو المتشائم الذي يتوقعه فريق السلع لدينا، بين 130 و150 دولاراً للبرميل،
فإننا نتوقع أن تبدأ العوائد في التراجع، لأن الأسواق ستصبح أكثر قلقاً بشأن تأثير ذلك على النمو الاقتصادي".السندات تحتفظ بجاذبيتها في حال صدمات سلاسل الإمدادولا تقتصر المخاطر على النفط وحده. فإذا أدت التوترات المتصاعدة حول مناطق استراتيجية أو تجدد الخلافات بين كبرى الاقتصادات العالمية إلى تعطيل تدفقات المدخلات الاستراتيجية، مثل المعادن الأرضية النادرة أو أشباه الموصلات،
فإن ذلك سيؤثر مباشرة في ربحية الشركات ويضغط على أسواق الأسهم. ويقول رئيس حلول الاستثمار العالمية لإحدى الشركات الكبرى: "إذا وقع حدث جيوسياسي يؤثر على إنتاج أشباه الموصلات، فإن انعكاساته على الأسواق المالية ستكون هائلة"، مشيراً إلى أن قطاع التكنولوجيا سيكون في مقدمة المتضررين.ويبقى مسار أسعار الفائدة عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه الأسواق.
فالبنك المركزي الأميركي يبدو أكثر ميلاً إلى تشديد السياسة النقدية ورفع الفائدة، وهو سيناريو أخذته أسواق السندات في الحسبان إلى حد كبير، بينما قد لا تكون أسواق الأسهم قد استوعبت تداعياته بالكامل بعد. ويقول مدير المحافظ الاستثمارية: "إذا شهدنا بالفعل دورة قوية من رفع أسعار الفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي،
فإن الأصول عالية المخاطر، بما فيها الأسهم، لن تكون في بيئة مواتية لتحقيق أداء جيد". لكنه يشير إلى أن هذا السيناريو لا يمثل التوقع الأساسي لشركته بشأن مسار أسعار الفائدة في الولايات المتحدة.