على رغم استعادة الجيش السوداني الخرطوم من قوات "الدعم السريع" التي سيطرت عليها لأكثر من 16 شهراً، لا تزال العاصمة تعيش حالاً غير مسبوقة من التدهور الأمني، حيث يبرز السلاح كوسيلة بديلة لفرض النظام، وسط اختفاء دوريات الشرطة،
وإغلاق عديد من مراكزها، أو تحولها إلى مواقع مهجورة. هذا الغياب خلق فراغاً أمنياً واسعاً، إذ سمح بانتشار الجريمة بمختلف صورها،
من سرقات ونهب إلى اعتداءات مسلحة، ففي أحياء عدة، أصبح السكان يعتمدون على مبادرات محلية للحماية، مثل لجان الأحياء أو الحراسة الليلية،
لكنها تظل محدودة القدرة، بخاصة في مواجهة جماعات مسلحة، إضافة إلى أن تعدد الجهات المسلحة داخل المدينة زاد من تعقيد المشهد، حيث لم يعد واضحاً من يفرض السيطرة في كثير من المناطق.
إعادة ثقة يرى الباحث في الشؤون الأمنية اللواء متقاعد عمر الحسن أن "ما يحدث في الخرطوم يمثل نموذجاً كلاسيكياً لانهيار احتكار الدولة لاستخدام القوة، وهو إحدى الركائز الأساسية لأي نظام سياسي مستقر". وأضاف أن "غياب الشرطة لا يعني فقط غياب جهة تنفيذ القانون، بل غياب منظومة كاملة تشمل الردع،
والتحقيق، والمساءلة، وهو ما يفتح المجال أمام الأفراد والجماعات لفرض قواعدهم الخاصة". وأوضح الحسن أن "الفراغ الأمني لا يبقى فارغاً بطبيعته،
بل يجري ملؤه سريعاً من قبل فاعلين غير رسميين، سواء كانوا مجموعات مسلحة، أو حتى أفراداً يمتلكون السلاح، وهو ما يؤدي إلى تعدد مراكز القوة داخل المدينة".
وتابع "هذا التعدد يخلق حالاً من عدم اليقين، إذ لا توجد سلطة واحدة يمكن الرجوع إليها، ما يزيد من هشاشة الوضع الأمني". ولفت إلى أن "استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى ترسيخ أنماط سلوكية جديدة،
تعتمد على القوة بدلاً من القانون، وهو ما يصعب تفكيكه لاحقاً حتى في حال عودة الدولة". وحذر الباحث في الشؤون الأمنية من أن "إعادة بناء المنظومة الأمنية لن تكون مسألة نشر قوات فحسب، بل تتطلب إعادة ثقة المجتمع في مؤسسات الدولة،
وهو تحدٍّ معقد في ظل التجربة الحالية". اقتصاد السلاح انتشار السلاح غير المنظم أعاد تشكيل موازين القوة داخل المجتمع، مع تراجع سلطة الدولة، حيث أصبح السلاح وسيلة أساسية للحماية،
وأحياناً للنفوذ. ففي عديد من الأحياء، بات امتلاك السلاح مرتبطاً بالقدرة على الدفاع عن النفس والممتلكات، في ظل غياب بدائل رسمية.
وأدى ذلك إلى ظهور سوق غير رسمية لتجارة السلاح، إذ يجري تداوله خارج أي رقابة، مما يزيد من خطورة الوضع، بحسب الباحث في قضايا النزاع خالد الطيب.
تحاول العاصمة السودانية استئناف الحياة بشكل طبيعي منذ استعادة الجيش لها (أ ف ب) وتابع الطيب، "انتشار السلاح في البيئات الحضرية يمثل تحولاً خطراً، لأنه ينقل أدوات الحرب إلى داخل المجتمع المدني، ويعيد تعريف العلاقات بين الأفراد".
واستطرد "في الظروف الطبيعية، يكون السلاح محصوراً في يد الدولة، لكن في حال الخرطوم، أصبح متاحاً بشكل واسع،
مما أدى إلى اختلال في ميزان القوة داخل المجتمع". وواصل الطيب "هذا الانتشار لا يرتبط فقط بالحاجة إلى الحماية، بل أيضاً بالرغبة في فرض النفوذ، سواء على مستوى الأحياء أو داخل الأنشطة الاقتصادية"،
مشيراً إلى أن "ظهور أسواق غير رسمية للسلاح يعكس غياب الرقابة، ويزيد من احتمالات وصوله إلى أطراف غير مسؤولة". وأكد أن "هذا الوضع يخلق دائرة مغلقة، حيث يؤدي الشعور بعدم الأمان إلى مزيد من التسلح،
وهو ما يزيد بدوره من مستوى العنف". ومضى الباحث في قضايا النزاع في القول إن "تفكيك هذه الظاهرة مستقبلاً يتطلب جهوداً كبيرة، تشمل نزع السلاح وإعادة دمج حامليه في المجتمع". عدالة غائبة إلى جانب تراجع دور الشرطة،
تأثر أيضاً الجهاز القضائي بصورة كبيرة، حيث توقفت المحاكم في عديد من المناطق، وتعطلت الإجراءات القانونية، وهو ما عزز منطق القوة على حساب القانون.
وهذا الوضع جعل من الصعب على المواطنين اللجوء إلى القضاء لحل النزاعات، مما دفع البعض إلى اللجوء لوسائل بديلة، قد تشمل العنف أو التحكيم غير الرسمي. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ويوضح القانوني عبدالله محمود أن "تعطيل الجهاز القضائي يمثل ضربة قاسية لمفهوم الدولة،
لأن القضاء هو الضامن الأساس لحقوق الأفراد". وأردف، "في غياب المحاكم، يفقد المواطنون وسيلة سلمية لحل النزاعات،
مما يزيد من احتمالات اللجوء إلى العنف. فالعدالة ليست فقط إصدار أحكام، بل منظومة متكاملة تشمل التحقيق، والمحاكمة والتنفيذ،
وكلها تأثرت بشكل مباشر بالحرب". ولفت إلى أن "غياب العدالة الرسمية يفتح المجال أمام أنظمة موازية، قد تعتمد على الأعراف أو القوة، لكنها لا تضمن بالضرورة الإنصاف"،
مؤكداً أن "استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى تآكل الثقة في الدولة، حتى بعد انتهاء النزاع". وخلص القانوني قائلاً "إعادة بناء النظام القضائي ستكون من أصعب مراحل التعافي، لأنها تتطلب استعادة الثقة قبل أي شيء آخر".
مجتمع متكيف في السودان أصبح السكان يطورون آليات بديلة للتعايش مع الفوضى. ففي ظل هذا الواقع بدأ المجتمع في تطوير وسائل للتكيف، تشمل التعاون بين الجيران، وتنظيم الحراسة،
ومحاولات ضبط الأمن بشكل محلي. وعلى رغم محدودية هذه الجهود، تعكس قدرة المجتمع على التكيف، لكنها لا تمثل بديلاً حقيقياً عن الدولة.
وهنا تقول الاختصاصية الاجتماعية نجلاء عثمان إن "ما نشهده في الخرطوم هو تحول في أنماط التنظيم الاجتماعي، حيث بدأ الأفراد في الاعتماد على شبكاتهم المحلية لتعويض غياب الدولة". وأضافت أن "لجان الأحياء، التي ظهرت في سياقات سياسية سابقة،
عادت لتؤدي دوراً مختلفاً، يتمثل في توفير حد أدنى من الأمن والخدمات". وأكدت أن "هذه الآليات تعتمد على التضامن الاجتماعي، لكنها تظل هشة،
لأنها تفتقر إلى الموارد والشرعية القانونية"، مشيرة إلى أن "التكيف مع الفوضى لا يعني قبولها، بل هو استجابة اضطرارية لغياب البدائل". ونبهت إلى أن "استمرار هذا النمط قد يؤدي إلى ترسيخ أشكال من الحكم المحلي غير الرسمي،
وهو ما قد يعقد عملية إعادة بناء الدولة لاحقاً"، لافتة الانتباه إلى أنه "على رغم قدرته على التكيف، لا يمكنه تعويض دور الدولة بشكل كامل، بخاصة في مجالات الأمن والعدالة".