في مشهد يتسم بالتعقيد والتسارع التكنولوجي، تبرز قضية استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل على الساحة الدولية. فبينما تسعى شركات التكنولوجيا إلى توسيع أسواقها وعقودها مع القوات المسلحة والجيوش حول العالم، تظل علامات الاستفهام ماثلة حول الأطر الأخلاقية والقانونية التي تحكم استخدام هذه الأدوات التي أثبتت التجارب الميدانية أنها ليست دائماً في المستوى المطلوب من الدقة والموثوقية.
في سياق متصل، تشير المعلومات المتاحة إلى أن عدداً من شركات الذكاء الاصطناعي، وعلى رأسها شركة “Shield AI”، قد أبرمت عقوداً مع قوات عسكرية في الولايات المتحدة وبولندا ودول أخرى لتزويد قواتها المسلحة بتقنيات متطورة ذكية تدعم عمليات الطائرات المسيرة.
بعض هذه العقود تم الإعلان عنها رسمياً، في حين ظل البعض الآخر في طي الكتمان لأسباب سياسية وأمنية تكتيكية. وورد في الأنباء أن جيش الدفاع الإسرائيلي قام باستخدام خدمات الذكاء الاصطناعي الخاص بهذه الشركة في استهدافات أثناء الحرب على غزة وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، لكن عندما تم اتهام إسرائيل بالإبادة الجماعية تناولت محكمة العدل الدولية استخدام الذكاء الاصطناعي في الهجمات دون تدخل بشري كدليل على الاستهدافات العشوائية التي تشير الى وجود شبهات جرائم تصنف على انها جرائم حرب،
وبعدها تم التوقف عن استخدام هذه التكنولوجيا. لكن هذا لم يمنع الشركة نفسها من التعاون مع الإمارات في إدخال التكنولوجيا كتجربة لقياس مدى فعاليتها وتطورها في الطائرات المسيرة التي يتم ارسالها الى قوات الدعم السريع في السودان، وهذا بسبب عدم وجود اهتمام اعلامي وعلى مستوى المجتمع الدولي بقضية السودان كما كان في حرب غزة. هذه الصفقات التجارية تثير تساؤلات جوهرية حول مدى التزام هذه الشركات بمعايير المسؤولية الأخلاقية،
خاصة عندما يتعلق الأمر بتزويد أطراف أو جماعات متهمة بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. تحقيقات كشفتها منظمات دولية، اوضحت أن مطار (أم جرس) التشادي، الواقع على مقربة من الحدود السودانية،
تحول إلى منصة محورية لاستقبال طائرات الشحن القادمة من الإمارات ومحملة بالمعدات العسكرية، كما كشفت وثائق الأمم المتحدة، في رسائل رسمية من الحكومة السودانية إلى مجلس الأمن، عن وجود أدلة ملموسة على تورط الإمارات بتزويد الدعم السريع بالأسلحة والمعدات،
والمسيّرات. وكانت العديد من الوثائق والتقارير وصور الأقمار الصناعية قد أظهرت بوقت سابق تدفق شحنات السلاح القادمة من الإمارات قادمة عبر الحدود التشادية والإثيوبية متجهة لمعسكرات ومناطق سيطرة ميليشيا الدعم السريع. وبالتالي، فإن الأكثر خطورة هو أن ميليشيا الدعم السريع التي تستخدم طائرات مسيرة وأسلحة ذكية تقتل آلاف المدنيين الأبرياء،
متهمة بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، مما يجعل أي تعامل معها من أي دولة كالإمارات وغيرها، فضيحة أخلاقية وقانونية بامتياز. قتل الأبرياء عبر الذكاء الاصطناعي في السياق ذاته،
في غزة ولبنان، كشفت تحقيقات صحفية ومنشورات عسكرية عن اعتماد الجيش الإسرائيلي بشكل مكثف على أنظمة ذكاء اصطناعي مثل نظام (The Gospel)، و (Lavender)، و (Where’s Daddy?)،
في تحديد الأهداف وتنفيذ الضربات. وبحسب تقارير نشرها الموقع الإسرائيلي (+972Magazine)، نقلاً عن مصادر في المخابرات الإسرائيلية، فإن هذه الأنظمة كانت تستهدف منازل عائلات الشخصيات المطلوبة،
مما أدى إلى سقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين. وبحسب نفس المصادر، فإن نظام (لافندر) تولّد قوائم بعشرات الآلاف من الأهداف، مع هامش خطأ يبلغ حوالي 10%،
مما يعني أن هناك آلاف المدنيين تم استهدافهم بالخطأً. ومما يزيد الطين بلّة، أن التدخل البشري في هذه العملية أصبح شكلياً في كثير من الأحيان، حيث يكتفي الضباط بتخصيص 20 ثانية فقط لمراجعة كل هدف – وهي فترة غير كافية بأي حال من الأحوال لضمان الدقة والامتثال للقانون الدولي.
سفاح التكنولوجيا يجمع خبراء تكنولوجيون وعسكريون على أن هذه الأنظمة لم تصل بعد إلى مرحلة النضج التي تسمح باستخدامها في العمليات القتالية الحساسة. فالأخطاء في تحديد الأهداف، أو الاعتماد على قواعد بيانات قديمة، أو الأخطاء في التقدير،
كلها عوامل تجعل من هذه الخوارزميات أدوات غير موثوقة، خاصة في بيئات مكتظة بالسكان المدنيين. والأكثر إثارة للقلق هو أن بعض هذه الأنظمة تتخذ قراراتها بشكل تلقائي دون أي فرصة للتدخل البشري لتأكيد الهجمات أو منعها أو إيقافها، مما يحوّلها إلى مصانع إعدام جماعية كما وصفها أحد ضباط المخابرات الإسرائيليين السابقين.
هذه التقنيات جعلت عملية القتل أكثر آلية وتدميراً، دون أي تمييز بين المدني والعسكري، إذ يتسلم الجندي قائمة أهداف أنشأها الحاسوب ولا يعرف بالضرورة على أي أساس تم وضعها، فهل فعلاً توصيات هذه الآلة دقيقة أم بها درجة من درجات الخطأ؟
هل كل من تقوم بتحديدهم 100% من العناصر المطلوبة أم لديها درجات ثقة أقل، وتم التغاضي عنها؟ وماذا عن مشكلة جودة البيانات التي تدربت عليها، أو تحيز الخوارزميات،
أو الخطأ في تقييم حدة الخطر؟ كل هذه الأخطاء واردة جداً عند التعامل مع النظم الذكية، وإذا كانت وظيفتها هي القتل، فإن ذلك يزيد من احتمالية إصابة أهداف خاطئة أو غير مطلوبة.
ومع استخدام قوة تدميرية غير متناسبة مع حجم الهدف في بعض الأحيان، فإن ذلك قادر على أن يُوقع عدداً كبيراً جداً من القتلى غير المقصودين، فتصبح هذه الآلات عمياء بدلاً من كونها ذكية، هدفها التدمير الشامل وليس انتقاء الأهداف بدقة عالية،
فكانت النتيجة أن تجاوز عدد القتلى حاجز الـ150 ألف في غزة وحدها. الصفقات التجارية وموت الأخلاق في قلب هذه الأزمة يبقى موقف شركات الذكاء الاصطناعي الغربية والأمريكية كشركة Shield AI، أكثر اهتماماً بتسويق منتجاتها وجني الأرباح من حرصها على معرفة كيف ستُستخدم هذه التكنولوجيا أو ضد من سوف تُستخدم. هذه الشركات،
التي تغض الطرف عن طبيعة الأنظمة التي تزودها بالتكنولوجيا، لا تبدو معنية بالتحقق من أن منتجاتها لن تتسبب في خسائر بشرية فادحة. إنها تتعامل مع الأمر وكأنه مجرد صفقة تجارية، متجاهلة الجانب الإنساني والأخلاقي،
ومتناسية أن هذه الخوارزميات تتحكم في حياة ومصير البشر. أمام هذه الحقائق المقلقة، أصبحت الدعوات لتقنين استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. الأمم المتحدة ناقشت منذ أكثر من عقد فكرة الأنظمة القاتلة المستقلة،
وفي العام الماضي صوّتت الجمعية العامة لصالح مشروع قرار يضمن أن الخوارزميات لا يجب أن تملك السيطرة الكاملة على القرارات التي تنطوي على القتل. لكن هذه الجهود ما زالت غير كافية، وغير ملزمة قانونياً لمعظم الدول. النظام الدولي لا يزال متخلفاً عن ركب التطور التكنولوجي،
والنتيجة هي استمرار الكوارث الإنسانية في غزة والسودان ومناطق أخرى، في صمت دولي مريب. وحتى يتم وضع أطر واضحة وملزمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات المسلحة، سيظل المدنيون يدفعون الثمن الأغلى.