ذاع، أو شاع، أن الحكومة السودانية بصدد عقد حوار سوداني - سوداني داخلي لم تأتِ الدعوة إليه من الحكومة نفسها في قول الصحافي ضياء البلال. ولم تزد الذائعة التي جاءت على لسان محمد السيد الجاكومي من تنسيقية القوى الوطنية عن تهيئة الأجواء لعقد الحوار بشطب بلاغات الحق العام المقيدة ضد قيادات بتحالف صمود وكبيرة استبعاد الإسلاميين من رواقه.

ومن رأي الصحافي الطاهر ساتي أن هذه الدعوة تقع في إطار تعزيز الحكومة لسلطانها وقد رتبتها "حاضنة سياسية في مرحلة الميلاد" ربما كان عرابها الجاكومي نفسه الذي كان دعا من قبل لانتخاب البرهان رئيساً للجمهورية. وأخرجت أرض الصفوة أثقالها بعدما أسفرت دعوة الحوار. فاشتعلت المنابر بالحرب التي من وراء حرب القوات المسلحة وقوات "الدعم السريع". وهي الحرب التاريخية بين الإسلاميين وخصومهم في مثل تجمع صمود منذ عهد الطلب في الجامعات والمدارس الثانوية.

كانت استجابة "صمود" للدعوة مما قد يقول عنه السوداني "الزول دا ما بتبايع"، أي إنه يعلي سعره ولا يحتكم إلا "يفتح الله يستر الله". ولا يستغرب منها. فقد رفضت قبل أسبوع أو نحوه عرضاً من الخماسية (الأمم المتحدة،

والاتحاد الأوروبي، والجامعة العربية، والاتحاد الأفريقي، ومنظمة إيغاد) الراعية لإحلال السلام في السودان عرضاً شمل جلوسها مع الإسلاميين.

بل واتهمت الرباعية في ذمتها بصيرورتها تحت خدمة القوات المسلحة. فلم تجد "صمود" في العرض سوى أن الجيش إنما جنح بدعوته للحل السياسي مما يؤكد موقفها الثابت بأنه لا حل عسكرياً للصراع في البلاد. ومع ذلك أكدت أنها لن تكون "طرفاً في أي حلول زائفة تعيد إنتاج الأزمة أو تمنح الحرب ونتائجها شرعية سياسية". وجددت الدعوة لإيجاد حلول فورية لوقف الحرب،

وإنهاء معاناة السودانيين. فلم تتفق لـ"صمود" فكرة اقتصار الحوار على المناطق التي تحت سيطرة الجيش لأنه ترتيب يتجاهل حقائق انقسام البلاد بصورة غير معلنة بين قوى مسلحة كثيرة ستؤدي إلى تكريس تقسيم البلاد، "وهي جريمة لن نشارك في اقترافها أبداً". ومع ترحيب رئيس المؤتمر السوداني العضو في "صمود" عمر الدقير بالدعوة للحوار الوطني،

إلا أنه استبعد قيامها ما لم يقترن بوقف الحرب مما لا يستقيم وإصرار البرهان على الحسم العسكري. ففي مثل هذه الحال، في قوله، يكون الحوار،

أي السياسة، ملحقة بميادين القتال لا بديلاً عنها. ويغدو الحوار مساراً تابعاً للحرب وموازينها لا طريقاً لوقفها. فخرائط الحرب كراً وفراً،

كسباً خسارة، في قوله، لا تعالج أسباب الحرب الضاربة بجذورها في تربة الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي ولا يغني، في نهاية المطاف،

عن الجلوس إلى طاولة التفاوض لإيقافها. ولابد من أن نلاحظ هنا الخلط بين تفاوض أطراف الحرب وحوار من عداهم. ومن رأيه أيضاً وجوب تكامل الحوار كعملية سياسية جامعة ومستقلة عن أي طرف مع مسارين، مسار إنساني لمعالجة الكارثة الإنسانية،

ومسار أمني لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين. وبهذا التكامل وحده تتقدم المسارات نحو إنهاء الحرب، ومعالجة جذور الأزمة، وفتح الطريق أمام انتقال ديمقراطي.

وبدا من "صمود" أنها مثل من فوجئ بالدعوة بعدما كانت قنعت من الحوار مع القوات المسلحة في أعقاب لقائها محمد حمدان دقلو، زعيم قوات "الدعم السريع"، في يناير (كانون الثاني) 2024 في مساعيها لوقف الحرب وتعزيز المسارات الإنسانية، وصدور "إعلان أديس أبابا" بتوقيعهما في المعنى.

ولم يلبِ الجيش دعوة "صمود" للقائه. فواضح من لقاء أديس أبابا أن الحوار مما يقع، خلافاً لما تقوله "صمود" في يومنا، والحرب عوان.

أما رد فعل الإسلاميين فكان مما ينطبق عليه قول السوداني "كتر خيرك وبارك الله فيك" الذي هو تعبيرهم الأمثل عن الخذلان ممن لم تنتظره منه. فكان عرض الحكومة الحوار مع "صمود" بغير حضور للإسلاميين فوق احتمال الأخيرين. فقال الصحافي المخضرم عبدالماجد عبدالمجيد تجملاً إنه لا يرى سبباً لحسرة الإسلاميين على استبعادهم من الحوار الوطني. فلم يفهم غضبة الإسلاميين من ذلك لأن البرهان لم يكن منهم أبداً.

وهو في يومه لا هو برهان رئيس مجلس السيادة أيام "الثورة المصنوعة" (ثورة ديسمبر 2018 التي جاءت بالجيش و"الدعم السريع" منحازاً لها في أبريل/نيسان 2019) ولا برهان معركة الكرامة القائمة في يومنا في أشدها. فهو برهان تتفتح أمامه رئاسة الجمهورية. وسيتعامل مع المعطيات الجديدة بـ"براغماتية لا يحسده عليها أحد، وإن تعجب منه".

فهو لا يملك إلا أن يتعامل مع "صمود" مالكة التأثير في المجتمع الدولي مع عدم الإغفال عن منصب رئاسة الجمهورية الذي تمنيه به حاضنته الجديدة، كما سبق القول. وفي لفتة شفافية عالية، قال إن من رأيه أن إبعادهم هو "هدية تاريخية" للإسلاميين وهم التيار العريض الذي "لم تستوعب قيادته الراهنة كيف تستثمر قيادته في قوة تيار لن تصمد أمامه أحزاب البرواز (في ’صمود‘ لضعف تابعيتهم) ولا أدعياء النضال الأجوف".

وستكون لهم جولات انتخابية معهم يخرجون فيها الأعز من الأذل. من جهة أخرى، لم يرَ الصحافي محمد عبدالقادر سبباً للبرهان لعقد هذا الحوار مع "صمود". بل إنه لا يريد له لرمزية زعامته المستمدة "من شرعية الدواس والميدان" أن ينحدر بها لمفاوضة مرتكبي الموبقات والجرائم بحق الشعب.

فالمعركة التي بدا أن "صمود" ستثيرها مع البرهان في غير معترك لأن معركتهم في الحقيقة، بعد صرفهم كمجرد مناصرين للجنجويد، مع الشعب وهو وحده من يملك حق العفو. وممن جاء إلى نقد الحكومة مستاءً من ذائعة أن البرهان سيستثني الإسلاميين من الحوار،

الكاتب محمد السر على "قناة الطيبة"، وربما خرج عن طوره غضباً، فقال إنه لا بد لنا من الصدق مع النفس حيال حقيقة مشكلة الدولة مع إدارة الحرب والدولة على يد البرهان. فهو على خلاف سلفه الرئيس المخلوع عمر حسن البشير (1989-2019) الذي كان يقود المعركة في حرب الجنوب ودارفور على رأس تنظيم سياسي وحكومة جادة.

بينما الحال الآن بلا حكومة سوى البرهان.   ولا يعرف المرء لماذا كانت الذائعة عن خطة الحكومة لعقد هذا الحوار مناسبة للصحافي البلال، الذي لا انتماء له للإسلاميين، ليثير شبهات حول أدائها.

فعبر عن حيرته عن المراد بالحوار، هل هو تقسيم السلطة أو الثورة؟ هل سيعيد حوارات سبقته في عهد الإنقاذ لم تترك سمعة طيبة؟ ثم أردف أنه تلاحظ أخيراً بطء استجابة الحكومة للتحديات،

بينما تطلب الأمر أن تشمر الساعد في معالجتها مع علمه "طبعاً في ظروف كتيرة الحرب والأوضاع كده". وأثار ضياء أسئلة مستحقة عن مشروع الحوار نفسه غير أنه توقف عند الأسئلة في حين انتظر القارئ منه نفاذاً إلى إجابات لها من طريق مصادره. كما أنه حاكم أداء الدولة في حين أضمر الحرب كملابسة عارضة هي السبب المؤكد مما يراه من بطء الحكومة.  اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وبدا أنه حز انزلاق الإسلاميين المباغت إلى هذه الخصومة مع الحكومة بعد خبر استبعادهم عن الحوار المزعوم في نفس الصحافي عادل الباز رئيس تحرير صحيفة "الأحداث". فحرر مسودة بيان نيابة عن الحركة الإسلامية ارتفع بها فوق مزلق سدة بسدة مع القوات المسلحة والبرهان.

فبدأ بالإشادة بوقفة القوات المسلحة دفاعاً عن الوطن باستماتة غير قابلة للمساومة في المكره والمنشط. ورحب فيه بالحوار المشاع كانوا فيه أم لم يكونوا طالما كان بالداخل وبعيداً من تدخلات المجتمع الدولي، مع نصحهم ألا يستثنوا منه أحداً مع ذلك لفساد الفكرة. وقال إنْ هم لم يحضروه فلن يتقيدوا بمخرجاته.

وشدد على زهد الإسلاميين في الحكم في يومنا. فهم مع الدولة والقوات المسلحة منذ آخر اجتماع لمجلس شوراهم لا يسعون إلى سلطان لا يأتي من طريق الاقتراع. وهم مع الشعب والجيش في خندق واحد ويعرف كلاهما عنهم ما يغنيهم عن المزايدة. والتفت لعضوية الحركة يهون عليهم افتراء الخارج على حركتهم،

وهو الذي لن يرضى عنهم ولو تركوا ملتهم. فلم يترك دمغاً لهم لم يرتكبه ولا شائنة لم يلصقها بهم. ولكنها حركة مجربة في تاريخ من الولاء للشعب والوطن دفعت ثمنه في الماضي وستظل تدفعه بإيمان بربها وشعبها. وهي مسودة من العقل والثبات بمكان منتظمة من قلم عتيق مثل قلم الباز.  طرح الحوار الحكومي مع "صمود" مما رأينا مما يقول عنه السوداني "تور (ثور) عجاج ساكت" كان خراقة صبت الزيت على وقود حرب الصفوة التاريخي.

عكرت المياه في حلف القوات المسلحة بما لربما لم يحدث لو فكرت الحكومة (أو فكر لها مثل الجاكومي) لا في متاعبها مع مجتمع دولي يعتقد أن السلام لن يطرق بابنا إلا فوق جثث الإسلاميين فحسب، بل وفي بالها تعاقداتها جميعاً. ولم يشفع لها عند "صمود". فهي لا تتبايع.

كانت ذائعة الحوار وذيولها مجرد إزعاج ليس لبلدنا ترف انشغالها به.