أكد خبير دولي في الذكاء الاصطناعي أن البشرية تقف أمام تحول تاريخي يتجاوز تطوير أسلحة تقليدية، إذ تنتقل الحروب من عصر القوة الميكانيكية العنيفة إلى عصر «الخوارزميات الفتاكة». فالنصر في الميدان لم يعد يعتمد فقط على شجاعة الجنود أو كثافة النيران، بل أصبح مرتبطاً بسرعة معالجة البيانات وقدرة الأنظمة الذكية على تحليل المواقف المعقدة في لحظات حاسمة.من «الذراع» إلى «العقل»أوضح الخبير أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات،
ومن ضجيج المدافع إلى هدوء الخوارزميات، لتصبح سباقاً بين الأكواد البرمجية. وقد شهد مفهوم السيادة تغيراً جذرياً: فبعد أن كانت مرتبطة بقوة «الذراع» البشرية في العصور القديمة، انتقلت إلى «العين» عبر أجهزة الاستشعار والأقمار الاصطناعية،
لتستقر اليوم في «العقل الإلكتروني» الذي يدير المشهد من وراء الشاشات. وأشار إلى أن هذا التحول يجعل من الممكن لخوارزمية واحدة أن تشل جيشاً كاملاً دون إطلاق رصاصة واحدة.استراتيجيات خالدة في عصر الآلةوربط الخبير بين الفكر العسكري الكلاسيكي والتقنية الحديثة، مشيراً إلى أن عبقرية القائد خالد بن الوليد في المباغتة وإرباك العدو واستخدام «الكَراديس» بمرونة عالية تظل أهدافاً استراتيجية ثابتة حتى اليوم. وأوضح أن الذكاء الاصطناعي يسعى لتفتيت «ضباب الحرب» الذي تحدث عنه المنظّر العسكري كارل فون كلاوزفيتز،
عبر تقديم خرائط واقع معزز وبيانات لحظية دقيقة. لكنه حذر في الوقت نفسه من مخاطرة نشوء «ضباب رقمي» جديد قد يؤدي إلى قرارات آلية لا يستطيع البشر تفسيرها أو تبريرها بسهولة.المنظومة الذكية في قلب المعركةالذكاء الاصطناعي ليس مجرد سلاح مستقل، بل منظومة تقنية متكاملة تتغلغل في كل مفاصل العمل العسكري. فهي تُمكّن من تحليل ملايين الصور من الأقمار الاصطناعية والمسيّرات في ثوانٍ لتحديد الأهداف وتصنيفها،
وتشغيل غواصات غير مأهولة لأشهر تحت الماء، وآليات برية تعبر تضاريس وعرة. كما تتيح بناء نماذج محاكاة تتوقع الخطوة التالية للعدو بدقة، مما يحول الاستراتيجية العسكرية من حالة «رد الفعل» إلى «الاستباق الذكي».درع الحماية وثورة المسيّراتأشار الخبير إلى أن الذكاء الاصطناعي يعمل درعاً واقياً للقوات عبر تقنية «الصيانة التنبؤية» التي تحافظ على الجاهزية القتالية.
ومع ظهور الصواريخ «فرط الصوتية» التي تفوق سرعة الصوت بخمس مرات، أصبح العقل البشري عاجزاً عن اعتراضها، مما حتم الاعتماد على أنظمة الدفاع الذكي التي تتخذ قرار الاعتراض في أجزاء من الثانية. وفي التفوق الجوي،
قلبت الطائرات المسيّرة الرخيصة والانتحارية الموازين التقليدية، إذ يهاجم «ذكاء الأسراب» المستوحى من النحل والطيور كتلة واحدة ذكية تعيد تنظيم نفسها تلقائياً إذا دمّر جزء منها، مما يحول الحرب إلى معركة اقتصادية استنزافية.اللوجيستيات والفضاء السيبرانيأكد الخبير أن الخوارزميات تدير الآن سلاسل الإمداد المؤتمتة لضمان تأمين الوقود والذخيرة بأقل جهد بشري، مع تطوير شاحنات وقوارب تموين ذاتية القيادة لنقل الإمدادات عبر مناطق الخطر.
وفي الفضاء السيبراني، يقود الذكاء الاصطناعي حرباً ناعمة لكنها مدمرة، باستخدام التزييف العميق لصناعة فيديوهات مزيفة لقادة عسكريين، والتضليل المؤتمت عبر آلاف الحسابات الآلية،
والهجمات السيبرانية التي تشل البنية التحتية والمفاعلات النووية بسرعة تفوق قدرة البشر على الصد.سيكولوجية الحرب والمسؤولية الأخلاقيةلفت الخبير إلى بُعد نفسي خطير يتمثل في ضغط الجنود المستمر تحت مراقبة مسيّرة صامتة، مما قد يؤدي إلى انسحابات وهزائم دون اشتباك فعلي. كما حذر من «تجريد الحرب من الإنسانية» حيث يرى الضباط الذين يديرون الحرب من خلف الشاشات البشر كـ«نقاط» أو «أرقام» في لعبة فيديو. وأعرب عن قلقه من «الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل» التي تختار أهدافها دون إنسان،
مما يلغي مفهوم المسؤولية الأخلاقية عن القتل ويثير تساؤلات حول هوية مجرم الحرب في حال وقوع خطأ.السيادة التقنية وصراع الرقائقخلص الخبير إلى أن الحرب أصبحت صراع «ميزانيات ذكية» و«تقنيات متطورة» لتصنيع المعالجات، معتبراً أن أشباه الموصلات (Chips) أصبحت سلاحاً استراتيجياً يعادل الصواريخ النووية. وأكد أن الاستقلال البرمجي ضرورة قومية، لأن الاعتماد على خوارزميات أجنبية يعني منح «مفتاح السيادة» للدول الأخرى.
وختم بالتحذير من أن أخطر لحظة هي التي يبدأ فيها الإنسان بالثقة في الآلة أكثر مما ينبغي، فالمستقبل سيكون لمن يمتلك الخوارزمية الأذكى، لكن البقاء سيكون لمن يمتلك الحكمة الكافية للتحكم في الآلة قبل أن تتحكم هي في مصير البشر.