مع دخول فصل الخريف في السودان تتصاعد المخاوف إثر قلة هطول الأمطار وتفاوت معدلاتها في عدد من الولايات، لجهة أن المتغيرات المناخية التي شهدتها البلاد أسهمت في تحديات حرجة للعديد من القطاعات أبرزها الزراعة والثروة الحيوانية والرعي، مما يشكل خطورة على الأمن الغذائي ونقص حاد في الإنتاج في المناطق التي تعتمد على الأمطار. ويتزامن ذلك مع تحذيرات متزايدة من أن استمرار هذا الاحتباس سيفاقم الأزمة الغذائية لتتحول إلى مجاعة خصوصاً في إقليمي دارفور وكردفان الرازحين تحت تداعيات الصراع المسلح بين الجيش وقوات "الدعم السريع" وتدهور النشاط الزراعي.

ويرى مراقبون أن استمرار شح الأمطار لا يعني موسماً أكثر أماناً، لكنه تهديد واضح في تقليص المساحات المزروعة وضعف الإنتاج ورفع كلفة الزراعة، فضلاً عن تعرض المحاصيل للآفات والتلف بسبب اختلال الدورة المناخية. توقعات وتحذيرات إزاء هذا الوضع،

أعلنت الهيئة العامة للأرصاد الجوية السودانية توقعاتها الموسمية للفترة من يونيو (حزيران) إلى سبتمبر (أيلول) 2026، مشيرة إلى احتمال هطول أمطار أقل من المعدلات الطبيعية في معظم أنحاء البلاد، مع توقعات بجفاف متوسط في مناطق محددة وارتفاع درجات الحرارة، مشيرة إلى أن التوقعات لا تشير إلى سيول جارفة بالحجم الذي شهدته بعض المواسم السابقة.

ووفقاً للتوقعات المحلية، فإن هناك تفاوتاً كبيراً في توزيع الأمطار مع بداية الموسم، إلى جانب ظهور فترات انقطاع طويلة للأمطار، بخاصة في ولايات كسلا والقضارف والجزيرة وشمال كردفان،

وأجزاء من إقليم دارفور، لكن تظل هذه التوقعات قابلة للتغير مع تطور الأحوال الجوية. قلق وانتظار في ولاية القضارف شرق البلاد التي تعد سلة غذاء رئيسة وعصب الأمن الغذائي في السودان بفضل مساحاتها الواسعة التي تتجاوز سبعة ملايين فدان سنوياً، واحتضانها لأكبر أسواق المحاصيل وإنتاجها كالذرة والسمسم،

فإن الموسم الزراعي يسير بصورة مقلقة، إذ لم يتمكن كثير من المزارعين بسبب شح الأمطار من حرث الأرض أو الشروع في عمليات الزراعة . محمد بابكر أحد المزارعين في هذه الولاية يقول إن "قلة الأمطار أربكت أوضاع المزارعين، إذ إن استمرار الجفاف يقلص الفترة المناسبة للزراعة،

وبالتالي يؤثر في إنتاجية المحاصيل حتى لو هطلت الأمطار". وأضاف بابكر "الموسم الزراعي السابق صادف استقراراً نسبياً للأمطار، ما أتاح زراعة مساحات واسعة، لكن الوضع هذا العام مختلف بشكل كبير مع انتظارنا أن تهطل أمطار غزيرة تروي الأرض".

وتابع "في منتصف الشهر الماضي نزلت أمطار على نحو مفاجئ بمعدلات تفوق الطبيعية كانت بمثابة أمل، ما دفع المزارعين إلى الإسراع في التحضيرات من حرث الأرض وغيرها، إلا أن الأمطار توقفت، مما أدى إلى تلف البذور،

والتسبب في خسائر كبيرة لدى كثير من المزارعين". وأشار المزارع إلى أن "حال قلق يسيطر على المزارعين، الأمر الذي ستترتب عليه آثار مباشرة على أسعار الغذاء واضطراب توافره في الأسواق". تحسن أوضاع في السياق،

يرى الريح تاج السر وهو مزارع في ولاية الجزيرة أن "تراجع معدلات هطول الأمطار في خريف هذا العام أصبح يشكل تحدياً كبيراً للمزارعين والثروة الحيوانية والرعاة في المناطق التي يعتمد اقتصادها على الأمطار، إذ إن هذه التغيرات دفعت سكان القرى والأرياف إلى البحث عن بدائل في مصادر الدخل". ولفت تاج السر إلى أن "الرعاة اضطروا إلى التمركز حول مصادر المياه والمشروعات المروية لتوفير المراعي لمواشيهم، مما أدى إلى احتكاكات مع أصحاب الحقول جراء إتلاف محاصيلهم".

ونوه المزارع إلى أن "تداعيات ندرة الأمطار، امتدت إلى بعض العمال الذين يعملون في تجهيز الأراضي بسبب فقد دخولهم، والانخراط في مهن لا علاقة لها بالزراعة، بينما آخرون ضاقت بهم السبل وأصبحت العطالة تخيم على حياتهم،

مما أظهر ذلك سلوكيات غير مشروعة". ومضى المزارع قائلاً "نأمل في أن تتغير الظروف المناخية في البلاد وتهطل أمطار غزيرة لأن الأرض تشققت بسبب الجفاف، واستعادة النشاط الزراعي وتحسن أوضاع المجتمعات الريفية". تفاوت وتحديات في المنحى نفسه،

قال اختصاصي الأرصاد عوض ميرغني إن "المؤشرات الحالية تؤكد أن خريف هذا العام يشهد معدلات أمطار أقل مع وجود فترات انقطاع طويلة يتوقف فيها المطر، إلى جانب مناطق محددة قد تهطل فيها كميات كبيرة". وأضاف ميرغني "انخفاض المعدل السنوي لا يعني انعدام الأمطار، ففي منطقة مثل القضارف التي يبلغ معدل أمطارها السنوي نحو 500 ملم،

إلا أن هطول 50 ملم في فترة قصيرة يكون كافياً لإحداث سيول وفيضانات محلية حتى إذا انتهى الموسم بإجمالي أقل من المعدل المعتاد". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وواصل القول، "التحدي قد يكمن في تذبذب الهطول أكثر من غيابه، إذ يمكن أن تتخلل الموسم فترات طويلة من الانقطاع قبل أن تعود الأمطار في مناطق محددة،

لا سيما أن هذا التفاوت ينعكس مباشرة على القطاعات التي تعتمد على المطر، فالزراعة تحتاج إلى انتظام نسبي في الهطول خلال مراحل النمو، بينما يعتمد الرعي والثروة الحيوانية على استمرار توافر المياه والغطاء النباتي". وزاد "لهذا ننصح مربي الماشية بالاستعداد مبكراً،

بخاصة في ما يتعلق بتوفير الأعلاف تحسباً لفترة توقف الأمطار". وحذر اختصاصي الأرصاد من التعامل مع التوقعات باعتبارها نتيجة محسومة، إذ إن الموسم قد يتغير مع تطور الظروف الجوية، وأن وجود مناطق تحصل على معدلات جيدة يظل وارداً.

سيناريوهات وضغوط على صعيد متصل، أشار الناشط والمهتم بقضايا  البيئة محمد فيصل إلى أن "موسم الأمطار لهذا العام لا يعني بالضرورة بيئة أكثر أماناً، لجهة تفادي كوارث السيول والفيضانات، إلا أنها تعد ذات تأثير مباشر على الأمن الغذائي وحدوث المجاعات،

لا سيما أن آلاف الأسر في ولايات غرب السودان تعتمد في تلبية حاجاتها الأساسية طوال العام على الأمطار، لكن تراجع نزولها مع استمرار النزاع بين الجيش والدعم السريع يهددان بفقدان الحياة". وأوضح فيصل أن "الخريف الماضي تعرضت ولايات ومناطق واسعة لموجات من الأمطار الغزيرة تسببت في السيول الجارفة، ورفعت سلطات الري في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) 2025 مستوى الإنذار الأحمر في ست ولايات بعد تدفقات المياه الآتية عبر النيل الأزرق إلى أكثر من 750 مليون متر مكعب يومياً،

وتضررت 176 مزرعة في منطقة واحدة في ولاية الجزيرة، ما أثر في معيشة 238 مزارعاً، بينما أغلقت الجسور وطرق رئيسة نتيجة ارتفاع منسوب المياه، ومع دخول خريف عام 2026 كانت المناطق المتضررة في حال استعداد تام للتعامل مع هذا الموسم الذي كان متوقعاً أن يحمل نمطاً مختلفاً من الأمطار".

واستطرد "ندرة الأمطار أسهمت في فشل الموسم الزراعي في دارفور وكردفان، مما أسهم في تداعيات إنسانية خطرة لأن السكان يعتمدون على الإنتاج المحلي، في وقت أوقف النزاع المستمر حركة التجارة وارتفعت أسعار السلع الأساسية، علاوة على معاناة المنظمات الإنسانية في إيصال المساعدات".

وبيّن أن "كثيراً من المشاريع الزراعية المطرية الكبرى أصبحت عاجزة عن الاستمرار، بخاصة في إقليم كردفان كافة، على رغم مرور شهرين من بداية الخريف، لا سيما أن الانتهاكات التي تمارسها قوات ’الدعم السريع’ في ولايات شمال وجنوب دارفور أجبرت السكان على العزوف عن الزراعة والرعي".

ولفت الناشط والمهتم بقضايا البيئة إلى أن "خريف 2026 لا يقدم سيناريو واحداً للسودان، فقد تختلف آثاره من منطقة إلى أخرى تبعاً لكمية الأمطار وتوقيته واستمراره، وهي عوامل تحدد في النهاية ما إذا كان الموسم يشكل ضغطاً أكثر على المزارعين ومربي الماشية أم يمر بأضرار محدودة".